21 شباط 2020 م الموافق لـ 26 جمادى الثانية 1441 هـ
En FR

وصايا رساليّة :: الفيض الكاشاني

الوصيّة الأخيرة



وكلّ من جعل هذه الأمور الخمسة والعشرين لازمة عليه، وعمل بها على نحو الجدّ وبإخلاص (أي لوجه الله تعالى لا لغرض دنيويّ عاجل)، فإنّ حاله سيكون في ترقٍّ يوماً بعد يوم، فحسناته في زيادة، وسيّئاته مغفورة ودرجاته مرفوعة. فإذا كان من أهل العلم، أعني أنّه قد طرقت أسماعه المسائل العلميّة الإلهيّة من أحوال المبدأ والمعاد ومعرفة النفس وأمثال ذلك، وكان يعلم بأنّ العلم بها هو المقصد الأقصى، وكان له كامل الاهتمام بمعرفة ذلك وكان أهلاً لأن يعلم ذلك، فإنّ معرفته ستزداد يوماً بعد يوم بإلهام الحقّ تعالى بمقدار استعداده الّذي يحصل له من العبادة وصحبة العلماء وحديثهم، وإن لم يكن من أهل العلم يحصل له صفاء الباطن والدعوة المستجابة ونحو ذلك من الكمالات الّتي تُضيء له في سعيه وتوجّهه. وعلى كلّ تقدير يحصل له القرب من الحقّ سبحانه والمحبّة والنور، والمحبّة الكاملة والنور الوافر هما ثمرة المعرفة الّتي يمكن أن تصل أحياناً إلى حدّ يُشاهد معها في هذه النشأة أكثر أمور الآخرة، كما نقل ذلك عن حارثة بن نعمان، والمذكور حديثه في الكافي1.

وكلّما اشتدّت المحبّة ووصلت إلى حدّ العشق والوله بذكر الحقّ عبّر عن ذلك بـ: "اللقاء" و"الوصول" و"الفناء في الله" و"البقاء بالله" ونحو ذلك، وهذا هو الغاية والغرض من إيجاد الخلق، كما ورد في الحديث القدسيّ: "كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف"2.

وفي التنزيل:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ 3 قيل: أي ليعرفون، وإنّما عبّر عن المعرفة بالعبادة لأنّها لا تنفك عنها، وإنّما عبّر عن اللازم بالملزوم لئلّا يتوهّم أنّ المقصود أيّة معرفة كانت، بل المعرفة الخاصّة الّتي لا تحصل إلا من جهة العبادة.
وللمعرفة أنواع متعدّدة وطرق متكثّرة، وليست كلّ معرفة توجب القرب والوصول، فإنّ أكثر العامّة أيضاً تحصل لهم المعرفة عن طريق التقليد، والمتكلّمون تحصل لهم المعرفة أيضاً عن طريق الدلائل الجدليّة الّتي تتألّف مقدّماتها من المسلّمات والمقبولات والمظنونات، وكذلك الفلاسفة تحصل لهم المعرفة عن طريق البراهين العقليّة الّتي تتألّف مقدّماتها من اليقينيّات.

وليس شيء من هذه المعارف موجباً للوصول والمحبّة. إذاً فكلّ من حصلت له المعرفة عن طريق عبادته فذاك ثمرة شجرة الخلقة والغاية المقصودة من إيجاد العالم، والموجودات الأخرى طفيليَّات وجدت بوجوده4 ومن أجل خدمته.

شعر:
الوجود الطفيلي عاشق للإنس والجنّ
                                       
فأظهر الإرادة لتنال السعادة5

ولهذا ورد في الحديث القدسيّ خطاباً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "لولاك لما خلقت الأفلاك"6.

إذاً من كانت همّته عالية وأضاء الجوهر في قلبه، يجب عليه أن يسعى ليقترب من هذه المرتبة عن طريق العبوديّة والتقوى والطهارة.

فإذا وصلت إلى مقصدك فتلك هي السعادة، وإن متّ

 في هذا الطريق فتلك هي الشهادة!

﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ7.

والتوفيق من الله العزيز الحكيم، والحمد لله ربّ العالمين والصلاة على محمّد وآله أجمعين.


1- عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلّى بالناس الصبح، فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه، مصفرّاً لونه، قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله موقناً، فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله وقال: إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال: إنّ يقيني يا رسول الله هو الّذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري فعزَفَت نفسي عن الدنيا وما فيها حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد نُصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة، يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون وعلى الأرائك متّكئون، وكأنّي أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذّبون مصطرخون وكأنّي الآن أسمع زفير النار، يدور في مسامعي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان، ثمّ قال له: الزم ما أنت عليه، فقال الشاب: ادع الله لي يا رسول الله أن ارزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر" (الكليني، الكافي ج 2 ص 53).
2- أورده العلامة المجلسي في البحار ج 84 ص 199.
3- سورة الذاريات الآية 56.
4- أي بوجود من حصلت له المعرفة.
5- من أشعار حافظ الشيرازي بالفارسية:
طفيل هستي عشقند آدمي وبري ارادتي بنما تا سعادت ببري
6- أورده العلامة المجلسي في البحار ج 71 ص 116.
7- سورة النساء الآية 100.

08-01-2013 عدد القراءات 6050



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا