31 أيار 2020 م الموافق لـ 08 شوال 1441 هـ
En FR

المغترب :: فقه المغترب

المغترب وهم النجاسة والطهارة



بين الاحتياط والوسوسة
إنّ الشريعة الإسلامية المقدمة هي الشريعة السهلة السمحاء، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم: "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة"1، وقد اشتهر القول أن دين الإسلام دين يسر وليس دين عسر، ومن هذا المنطلق ينبغي لنا أن نعلم أن الوسوسة في الأمور الشرعية من الأمور التي لا تتناسب مع الدين الإسلامي الحنيف فإن الإسلام لم يطلب من الإنسان، ولو شك في نجاسة شيء فالأصل فيه الطهارة، إلا أن البعض يبالغ إلى حد كبير في الوسوسة، بحيث تنقلب القاعدة عنده من أصل الطهارة في الأمور المشكوك بها إلى أصل النجاسة، وهذا ما لم يذهب إليه أحد من العلماء، السابقين أو اللاحقين.

ومن هنا فإن على المغترب عدم التدقيق في الكثير من الأمور التي لو أراد التدقيق فيها لاستهلكت الكثير من وقته ولأصبحت حياته مليئة بالوسوسة كما لو شك في نجاسة كل الطرقات مثلا أو كل علب المواد الغذائية في التعاونيات، وهكذا إلى الكثير من الأمور التي يتعرض لها في حياته اليومية.

فهل من الضروري للمغترب عند شراء المواد الغذائية التحقيق في أن يد بائعه، أو صانعها قد لامستها مع رطوبة، أو أنه استخدم الكحول في صناعتها ؟
والجواب على ذلك: أن السؤال والتحقيق غير واجب2.

ومجرد احتمال ملامسة يد الكافر الرطبة لأي من الأمور لا يكفي لوجوب الاجتناب، بل ما لم يحصل اليقين بالملامسة فهو محكوم بالطهارة.ومن هنا سنسهل على المكلف المغترب المسألة بتبيان بعض الأمور التي يتعرض لها في حياته الاعتيادية.

طهارة أهل الكتاب
والمقصود من أهل الكتاب كل من يكون لهم كتاب من الكتب السماوية النازلة على الأنبياء عليهم السلام، كاليهود، والنصارى، وهكذا الصابئون فإنهم من أهل الكتاب، على ما حققه سماحة الإمام الخامنئي دام ظله فحكم هؤلاء هو طهارتهم الذاتية فهم ليسوا نجسين على ما افتى به سماحة الإمام الخامنئي دام ظله وجملة من المراجع الكرام وعليه فملامسة أيديهم الرطبة لشيء لا ينجّسه3.

إذ، فلا داعي للمغترب بأن يشغل باله بالشكوك من الصباح إلى المساء، هل أن فلانا قد لامس هذه القطعة ؟ وغيرها من الوساوس، فما لم يرى المؤمن النجاسة على المشكوك أو يخبره صاحب المشكوك كصاحب البيت _ مثلا _ بوجود نجاسة فعلا فليس عليه أن يحكم بالنجاسة أبدا.

نجاسة غير أهل الكتاب
هناك أصناف من الكفّار من غير أهل الكتاب، وهؤلاء فقط حكمهم النجاسة العينية، كأولئك الذين يعبدون الأصنام من دون الله.

اللحوم
قد يواجه المغترب في البلاد الغير المسلمة مشكلة مصادر اللحوم التي تتواجد في الأسواق، وبما أن حلية اللحم وطهارته متوقفة على التذكية الشرعية، فاللحم يعتبر في البلاد غير الإسلامية بحكم الميتة وغير المذكى إلا إذا تأكد المسلم من مصدره ووثق بذكائه، وعليه فإن كتابة شعار حلال على اللحم لا تفيد الحلية ما لم يثق المكّلف بمصدر اللحوم4.

الجلد
بما أن أكثر الجلود التي تباع في الأسواق غير الإسلامية، والتي تدبغ في تلك الدول تكون من الحيوان غير المذكى فإن للمكلف معها حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون المكلّف في شك من أنها طبيعية أم غير طبيعية (اصطناعية) فهنا يجوز له الحكم بطهارتها كما يجوز له الصلاة فيها بلا أي إشكال.
الحالة الثانية: أن يعلم أنها من الجلد الطبيعي ولكن يشك في كونها مذكاة أم ل، فهنا يجوز له الحكم بطهارتها إلا أنه لا يجوز له الصلاة فيها.

لو صلّى في الجلد المشكوك بتذكيته، جاهلا بأن حكم الجلد الطبيعي في الأسواق غير الإسلامية عدم صحة الصلاة فيه ثم علم بالحكم فلا تجب عليه إعادة الصلوات السابقة5.

ملاحظة: تستعمل بعض الشركات شعر الخنزير في بعض منتجاتها كفراشي الطلاء والتخطيط والرسم، وينبغي التنبه إلى ما يلي:
1- شعر الخنزير نجس.
2- لا يجوز الاستفادة منه في الأمور التي تعتبر فيها الطهارة شرعا كتابة آيات الله الكريمة به، وأما استخدامها في الأمور غير المشروطة بالطهارة فلا إشكال فيه6.
3- الريشة أو الفرشاة ونحوها إذا لم يكن معلوما أنها صنعت من شعر الخنزير أم ل، فاستخدامها حتى في الأمور المشروطة بالطهارة لا إشكال فيه.

الكحول
إن الخمر والمواد المسكرة فضلا عن كونها من الأمور التي تضر الجسد والعقل وبإجماع علماء الطبيعة، هي من المحرمات الكبيرة التي حرمها الإسلام، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا...7.

وجاء في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام:... وأما الخمر فإنّه حرمها لفعلها وفساده، وقال: مدمن الخمر كعابد وثن يورثه الارتعاش، ويذهب بنوره، ويهدم مروءته، ويحمله على أن يجسر على المحارم من سفك الدماء، وركوب الزنا ولا يؤمن إذا سكر أن يثب على حرمه وهو لايعقل ذلك، والخمر لا يزداد شاربها إلا كل شر8.

وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لهن فيها عشرة: غارسه، وحارسه، وعاصره، وشاربه، وساقيه، وحامله، والمحمول إليه، وبائعه، ومشتريه، وآكل ثمنها9.

يحرم تناول كل ما يسكر سواء كان سائلا كالخمر أو جامدا كالأقراص...10
الكحول المائع ( السائل ) بالأصل والذي يورث الإسكار من النجاسات، وأما الكحول غير المائع بالأصل كالحشيشة، فهو ،إن كان محرّما إلا أنه محكوم بالطهارة، حتى لو تمت إذابته وتحويله لمائع 11.

قد تستعمل بعض الشركات الكحول ضمن سلعها الاستهلاكية كبعض أنواع الأشربة، فالكحول الموجود في المادة المنتجة إذا كان مسكرا في نفسه فهو نجس وحرام، حتى لو لم يكن مسكرا للمستهلك بسبب قلة المقدار والامتزاج بالمادة المنتجة، ولكن إذا كان هناك شك وترديد في كونه مسكرا في نفسه، أو في كونه مائعا بالأصالة فيحكم بالطهارة12.
يجوز شرب المشكوك ما لم يحصل عند المكلّف يقين بأنها ملوّثة بالكحول المسكر المائع بالأصالة13.

* فقه المغترب، سلسلة الفقه الموضوعي، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- بحار الأنوار، ج64 ص136.
2- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص93.
3- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص103.
4- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص83.
5- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص131.
6- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص83.
7- سورة البقرة الآية: 219.
8- وسائل الشيعة (آل البيت ) الحر العاملي، ج42 ص 99.
9- تحرير الوسيلة للإمام الخميني ج2 ص146.
10- تحرير الوسيلة ج2 ص166 مسألة 16.
11- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص91.
12- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص 92.
13- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص93.
14- ينابيع المودة لذوي القربى – القندوزي – ج1 ص44.

06-02-2013 عدد القراءات 6862



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا