31 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 14 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: السير والسلوك

قاعدة الموازنة في ضوء الشريعة الغرَّاء



في ضوء الشريعة الغرَّاء التي هي ميزان السير والسلوك - تتّضح قاعدة أساسيّة فيه، ألا وهي الموازنة بين أمرين اهتمّت الشريعة بهماً معاً، ورفضت الاكتفاء بواحد منهما دون الآخر، وهما:
1 ـ الاهتمام بالمعنويّات الفرديّة.
2 ـ الاهتمام بالحياة الاجتماعيّة.

فقد رفض الإسلام الاقتصار على جانب التنمية الروحيّة الفرديّة بالابتعاد عن المجتمع والعزلة عنه، فرسم الرسول الأكرم خطَّاً عريضاً واضحاً في ذلك حينما قال: "لا رهبانيّة في الإسلام".
وحينما قال: "من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم".

كما رفض الإسلام الاقتصار على العمل الاجتماعيّ بعيداً عن الجانب الروحيّ والمعنويّ الفرديّ داعياً إلى تعزيز هذا الجانب باعتباره خير منطلق لعمل الإنسان.

والتفصيل في قاعدة الموازنة هذه يظهر فيما يلي:
الاهتمام بالحياة المعنويـّة
في ظلِّ الحياة الماديّة التي يعيش الإنسان في أجوائها دعا الإسلام إلى تعزيز حالات المعنويّة وترقيق حجاب المادّة لتحلّق الروح في رحاب الله تعالى، وذلك في مواطن عديدة منها:

صلاة اللّيل
حيث يقوم الإنسان في خلوته مع الله تعالى ليصلّي في جوف اللّيل متهجّداً متبتّلاً لله تعالى. وقد ورد في فضلها الأحاديث الكثيرة منها: ما ورد عن الإمام الصّادق عليه السلام : "ما من عمل حسن يعمله العبد إلّا وله ثواب في القرآن إلّا صلاة اللّيل فإنّ الله لم يبيِّن ثوابها لعظيم خطره عنده فقال: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربَّهم خوفاً وطمعاً وممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون".

وقد أشار القرآن الكريم إلى عظمة الاختلاء بالله تعالى في اللّيل وصلاته بقوله: أمن هو قانتٌ آناء اللّيل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه.
وقد فسَّر الإمام الباقر هذه الآية بصلاة اللّيل.
وكذا فسَّر بصلاة اللّيل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ.
وكذلك قوله تعالى في أوصاف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا

ولأهميّة الخلوة مع الله تعالى في صلاة اللّيل ورد عن النبيّ قوله: "ركعتان يركعهما العبد في جوف اللّيل الأخير خير له من الدنيا وما فيها، ولولا أنّي أشقُّ على أمّتي لفرضتها عليها".
من هنا كانت صلاة اللّيل الوصيّة النبويّة لأمير المؤمنين حين قال له: "يا عليّ، أوصيك في نفسك بخصال احفظها عنيّ، ثمّ قال: اللهمَّ أعنه ـ إلى أنّ قال ـ وعليك بصلاة اللّيل، وعليك بصلاة اللّيل، وعليك بصلاة اللّيل...".

آثار صلاة اللّيل
وكثرت الروايات المخبرة عن آثار هذه النافلة العظيمة، ومنها ما يظهر من خلال ما يلي:
ـ سئل الإمام عليّ بن الحسين: ما بال المتهجّدين باللّيل من أحسن الناس وجهاً؟
قال: "لأنَّهم خلَوْا بالله فكساهم الله من نوره".
وعن الإمام الصّادق: "إنّ البيوت التي يُصَلّى فيها باللّيل بتلاوة القرآن تُضيءُ لأهل السماء كما تُضيء نجوم السماء لأهل الأرض".
ـ وعن الإمام الصّادق: "صلاة اللّيل تحسّن الوجه، وتُحسّن الخُلُق، وتُطيِّب الريح، وتدرّ الرزق، وتقضي الدَّيْن، وتُذهب الهمّ، وتجلو البصر".

المناجاة
فقد دعا الإسلام أنّ يناجي العبد ربَّه كحالة الحديث عن السرّ الذي هو معنى النجوى ، وهذا ما يكون في حالة الاختلاء مع الله تعالى.
ولعلّ من أروع المناجاة ما كان يؤكّد عليها الإمام الخمينيّ وهي المناجاة الشعبانيّة التي ورد فيها: "إلهي هَبْ لي كمال الانقطاع إليك، وأَنِرْ أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتّى تخرُقَ أبصارُ القلوب حُجُبَ النور فتصلَ إلى معدِن العظَمة، وتصيرَ أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك".

الاعتكاف
فقد دعا الإسلام إلى خلوة خاصّة أقلُّها ثلاثة أيّام في مكان خاصّ هو بيت الله ، بشروط خاصّة منها الصيام وإطالة عدم الخروج من ذلك المكان، بأحكام خاصّة حيث لا التذاذ بالطيِّب ولا بيع ولا شراء، إنّها عبادة يبتعد فيها الإنسان عن ملذّات الدنيا، وعمّا اعتاده من شؤون حياته ليختلي مع الله تعالى هادفاً ترقيق حُجُب المادّة.

قال الشهيد السعيد السيّد محمّد باقر الصدر: "يبدو أنّ الشريعة الإسلاميّة بعد أنّ ألغت فكرة الترهّب والاعتزال عن الحياة الدنيا، واعتبرتها فكرة سلبيّة خاطئة وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا، شرّعت الاعتكاف ليكون وسيلة موقوتة وعبادة محدودة تؤدَّى بين حين وآخر، لتحقيق نقلة إلى رحاب الله يعمّق فيها الإنسان صلته بربّه ويتزوّد بما تتيح له العبادة من زاد، ليرجع إلى حياته الاعتياديّة، وعمله اليوميّ، وقلبُه أشدّ ثباتاً، وإيمانه أقوى فاعليّة"1.


1-كتاب السير والسلوك/ الشيخ أكرم بركات.

20-05-2013 عدد القراءات 4054



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا