29 أيار 2020 م الموافق لـ 06 شوال 1441 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: السير والسلوك

مكاشفات وخوارق الكفّار



وفي مقام الجواب عن مثل هذه الحالات نعرض بعض الكلمات المنسوبة إلى عرفاء معروفين، ففي الرسالة المنسوبة إلى السيّد بحر العلوم: "ويجب الحذر، وعدم الانخداع بظهور خوارق العادات، وبيان دقائق النّكات، وإظهار الخفايا الآفاقيّة، والخفايا الأنفسيّة، وتحويل بعض حالاته بمتابعة حالات ذلك؛ لأنّ الإشراف على الخواطر، والاطّلاع على الدقائق، والعبور على الماء والنار، وقطع الأرض والجوّ، والإخبار عن المستقبل، وأمثالها، تحصل في مرحلة المكاشفة الروحيّة، والطريق من هذه المرحلة إلى الهدف طريق بلا نهاية، والمنازل والمراحل كثيرة، وكثيرون قطعوا هذه المرحلة، وبعد ذلك انحرفوا عن الطريق إلى وادي اللّصوص والأبالسة، ومن هذا الطريق يحصل لكثير من الكفّار اقتدار على كثير من هذه الأمور".

إذاً يصرِّح صاحب هذا النصّ بأنّ الحالات الخارقة تكون مشتركة بين المؤمن والكفر، ولا يدل ثبوتها على الكمال.
مكاشفات وخوارق المضلّين وفي كلام آخر في هذه الرسالة يقول: "ومن الحالات التي يحظى فيها أغلب الناس المتديّنين أنّ يحسب الاشتغال بالختومات والأوراد المختلفة سيراً معنويّاً، ومقامات روحانيّة، ويستهلك أوقاته الثمينة باسم الذكر والورد والختم في أهداف دنيويّة وأغراض نفسانيّة.

ويمكن الادّعاء بأنّ أغلب أمثال هؤلاء الأشخاص يستهلكون عمرهم العزيز في هذه البرامج، ويسيئون الاستفادة من هذه الأمور، ويقومون بأعمال على خلاف الحقّ، وتظاهرات نفسانيّة، وإضلال الآخرين، وإهانة الحقائق والمعارف الإلهيّة قولاً وعملاً، ينحرفون، ويضلّون تماماً عن صراط الحقّ والسير الإلهيّ الخالص.

فيجب أنّ يكون السالك منتبهاً جيداً، ولا ينخدع بهؤلاء الأفراد، وليعلم أنّ هؤلاء من قطّاع طريق الحقيقة والإخلاص، وإنْ أظهروا من أنفسهم خوارق وغرائب، وهذا النوع من الأفراد موجود في جميع الأقوام والشعوب، حتى عند الأقوام الوثنيّة، الذين يصلون إلى مقام مكاشفات روحانية ونفوذ روحي بأوراد ورياضات صعبة، ولكنّهم محرومون تماماً من مقام القرب والعبوديّة والإخلاص، والمعارف الإلهيّة
".

مكاشفات وخوارق عبدة البقر
وقد أورد البعض أنّ أحدهم سأل السيّد هاشم الحدّاد ما يلي: لقد ثبت أنّ بعض مرتاضي الهند من عبدة البقر يخبرون بحسب حركات البقر وسكناته عن بعض المغيّبات. كوقوع الثورة في كذا مكان من أقصى نقاط الشرق أو الغرب، ثمّ تنكشف صحة الخبر، فما علاقة ذلك بحركات البقر؟

فأجاب الحدّاد: أنّ ذلك راجع إلى الارتباط الوثيق الثابت فيما بين موجودات العالم، وبما أنّ هذا المرتاض وصل، عن طريق الرياضة، إلى مستوى كشف وحدة النظام الحاكم على العالم، أصبح باستطاعته الإخبار بوساطة أيّ حركة أو سكون، ولو كان بشكل لا ترى له أهميّة، عن جميع التغييرات والتبديلات والحركات والسكنات في العالم. وكما أنّ هذا المرتاض الهنديّ ارتبط بوساطة الرياضات النفسانيّة، بالروح الكليّة للبقر، فاستطاع أنّ يرتبط بذاك النظام الواحد عن طريق أرواح البقر، فأصبح يخبر عن الرموز الخفيّة بوساطة شبكة البقر. كذلك بإمكان أحد أنّ يصل إلى نفس المستوى بعبادته للطير أو الهرّ أو النجوم أو الشمس أو القُمّر، وبالرياضة النفسانيّة التي توصله إلى النفوس الكليّة لأحد هذه الأمور أو غيرها، فيستدلّ ـ عندئذٍ ـ عن طريق ذلك الشيء الذي... فيه على ما يحكمه ذاك النظام الوحدانيّ، ولكن بما أنّ الإنسان أشرف المخلوقات، لا ينبغي له أنّ يفني نفسه في نفوس أنزل من نفسه أو فيما يساوي نفسه، فإنّ هذا الفناء مستلزم لسقوط الإنسان وانحطاطه عن درجة الإنسانيّة، ولهذا نهى الإسلام عن عبادة البقر والنجم والحجر والملائكة والجنَّة وعبادة إنسان آخر وما إلى ذلك.

وهذا الكلام الذي هو على عهدة من تكلّم به يدلّ على اعترافه بأنّ لا علاقة بتقوية جنبة الروح وصدور بعض الخوارق مع القرب من الله تعالى والسير الحقّ الصحيح.
كلّ ما هنالك أنّ ما يحصل منهم يكون "نتيجة المشي على بعض قوانين الطبيعة، ويصل إليها كلّ إنسان يتلزم بسلوك ذاك الطريق الطبيعيّ من دون فرق بين أنّ يكون مسلماً أو ملحداً أو مشركاً" ، وهذا يختلف عن معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء.

الخيَّاط وخوارق العادات
وفي كتاب كيمياء المحبة الذي كتب فيه العلامة محمّدي الريشهري لمحات من حياة العارف الشيخ رجب عليّ الخيَّاط الطهراني نقل عن الأخير قوله: "لا توقنوا بالمكاشفات ولا تعتمدوا عليها إطلاقاً، وإنّما يجب أنّ تتخذوا من أقوال الأئمّة وأفعالهم قدوة لكم على الدوام".

وفي الكتاب نفسه ينقل أحد أبناء الشيخ رجب: "ذهبت ذات مرّة برفقة أبي إلى جبل "بي بي شهربانو" وفي الطريق التقينا شخصاً من أهل الرياضة الروحيّة، وكان يدّعي بعض الادّعاءات، فسأله أبي: ما حصيلة رياضتك؟ فانحنى ذلك الرجل والتقط حجراً من الأرض وحوّله إلى كمّثرى، وقال لأبي: "تفضل كُل"! فقال له أبي: حسناً فعلت هذا العمل لي، ولكن قل لي: ماذا عملت لله؟ وماذا قدَّمت له؟ وعندما سمع المرتاض هذه الكلمات من أبي بكى!"1.


1-كتاب السير والسلوك/ الشيخ أكرم بركات.

20-05-2013 عدد القراءات 6243



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا