31 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 14 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: هكذا تكون سعيداً

معنى ذكر الله تعالى



نقل العلاّمة الطريحي في مجمع البيان عن الشيخ أبي علي أن الذكر هو حضور المعنى في النفس.

ثمَّ أوضح مفهوم الذكر أكثر بتصريحه أنَّ الذكر هو نقيض النسيان1.

بناءً على هذا فإن مفهوم الذكر يتضمن معنيين:
1- المعرفة
2-عدم النسيان

وعليه فإننا سنتحدث عن كلا الأمرين تباعاً لنفهم جيداً معنى ذكر الله الذي يحقّق الاطمئنان, وبالتالي السعادة.
أ- المعرفة
إنّ معرفة الله تعالى على مراتب, نذكر منها ثلاثاً:
1- المعرفة الكامنة
فقد فطر الله تعالى كل إنسان على معرفته, لكنها ليست معرفة ذات وضوح وظهور عام, بل هي كامنة مستترة في النفس البشرية, فـ: "كل مولود يولد على الفطرة, يعني على المعرفة بأن الله عزّ وجل خالقه"2 كما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

إنها ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا3.
نعم قد لا يشعر الإنسان بوجوده تعالى لشدَّة ظهوره، فيكون حاله كحال تلك السمكة التي سمعت يوماً أن الماء هو إكسير الحياة, فبحثت عن الماء فلم تتعرف عليه, وبقيت تبحث عن الماء وهي تسبح فيه متعجبة كيف يكون الماء إكسير الحياة, وهي تشعر بحياتها لكنها لا تشعر بذلك الماء, مع أنَّه يحيط كل كيانها؟!

هكذا هو حال الكثير من الناس غير الشاعرين بوجود الله تعالى.
وقد تحجب ذنوب الإنسان هذه المعرفة وتسترها عنه إلا أنَّ تلك الحجب والستائر تتمزَّق حينما يقع في ورطة عظيمة يشعر فيها أن نفسه تتوجه نحو شيء قادر على إنقاذه، كحال ذلك الرجل الذي سأل الإمام الصادق عليه السلام عن الله تعالى فقال له الإمام عليه السلام: "يا عبدالله، هل ركبت سفينة؟ قال: بلى, قال عليه السلام: فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك, ولا سباحة تغنيك؟, قال: بلى, قال عليه السلام: فهل تعلّق قلبك هناك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟ قال: بلى, فقال عليه السلام فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجيَ, وعلى الإغاثة حيث لا مغيث"4.

وقد أكدَّ القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ5.
إنها معرفة كامنة لكنها ليست ذِكْراً.

2- معرفة الله بوساطة آثاره

قد تخرج المعرفة الكامنة بالله تعالى عن مخبئها الفطري من خلال التأمّل بصنعة الله تعالى والنظر في عالم الخلق البديع الذي قد يكون بسيطاً.
- كقول الأعرابي حينما سُئل عن وجود الله تعالى فأجاب: "البعرةُ تدل على البعير, والأثر على المسير, أسماءٌ ذات أبراج, وأرض ذات فجاج, ألا يدلاّن على اللطيف الخبير؟!"

- وكإرشاد الإمام الصادق عليه السلام لذلك المنكر لوجود الله تعالى إلى التأمل بالبيضة قائلاً: "يا ديصاني، هذا حصن مكنون له جلد غليظ وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق, وتحت الجلد الرقيق ذهبة مايعة وفضة ذائبة, فلا الذهبة المايعة تختلط بالفضة الذائبة ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المايعة هي على حالها لم يخرج منها مصلح فيخبر عن صلاحها ولا دخل فيها مُفسد يخبر عن فسادها, لا يُدرى للذكر خلقت أم للأنثى, تنفلق عن مثل ألوان الطواويس, أترى لها مدبراً؟!" قال: فأطرق ملياً، ثم قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له..."6

- وكإرشاد الإمام علي عليه السلام إلى التأمّل بالنملة قائلاً: "ألا ينظرون إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه, وأتقن تركيبه, وفلق له السمع والبصر وسوَّى له العظم والبشر7. انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها, لا تكاد تُنالُ بلحظ البصر, ولا بمستدرَكِ الفكر, كيف دبّت على أرضها, وصُبَّت على رزقها, تنقل الحبة إلى جُحرها, وتُعدُّها في مستقرِّها, تجمع في حرّها لبردها, وفي وُرُودها لصَدَرِها8مكفولةٌ برزقها, مرزوقة بوِفِقها, لا يُغفلها المنّانُ, ولا يَحرِمها الديّان ولو في الصفا اليابس والحَجَر الجامس9. ولو فكرت في مجاري أَكْلها في عُلْوِها وسُفْلِها, وما في الجوف من شراسيف بطنها10وما في الرأس من عينها وأذنها, لقضيت من خَلقِها عجباً, وَلَقِيْتَ من وصفِها تعباً, فتعالى الذي أقامها على قوائمها, وبناها على دعائمها, لم يَشْرَكهُ في فطرتها فاطرٌ, ولم يُعِنْهُ في خلقها قادرٌ11.

3- معرفة الله أولاً

إنّ ما ينتج عن التأمل بالخلق هو معرفة بالله تعالى، إلا أن هناك معرفة أعلى مقاماً من هذه المعرفة وهي تلك المعرفة التي رفض الإمام الحسين عليه السلام أثناء بيانها أن يكون المخلوق دليلاً على الخالق قائلاً في دعاء عرفة: "كيف يُستدَلَّ عليك بما هو وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلُّ عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟ عميت عينٌ لا تراك..."

رحم الله من صوّر هذه المعرفة ببيتي شعر قائلاً:
لقد ظهرْتَ فلا تَخفى على أحدٍ             إلا على أكمهٍ لا يعرف القمرَ
لكنْ بطنتَ بما أظهرْتَ محتجباً           وكيف يُعرفُ من بالعارف استترَ؟!


ذكر الله بين مراتب المعرفة

إنَّ ما تقدّم حول معرفة الله تعالى يوضّح كون معرفة الله تعالى بمراتب عديدة تبدأ بالمعرفة المكتومة وتندرج إلى معرفته تعالى بواساطة الأشياء لتنتهي إلى معرفة الأشياء به لأنه الأظهر من كل شيء. ومن الواضح أن ذكر الله تعالى لا ينطبق على تلك المعرفة الكامنة غبر الملتفَت إليها, إذ المعرفة لا بدّ لها - لتكون ذكراً - من حضورها اليقظ الذي يقابل النسيان، وهذا ما يُدخلنا في الشق الثاني المتضمن مفهوم الذكر وهو:
ب- عدم النسيان
ذكر العلاّمة الطباطبائي رحمه الله في تفسير الميزان أنَّ النسيان يأتي بمعنيين:
الأول: معنى مطابق له وهو زوال صورة المعلوم عن النفس بعد حصولها فيها, وبعبارة أخرى غياب المعرفة بعد حضورها.

الثاني: الإعراض عن المعرفة بعدم ترتيب الأثر عليها, ومثاله قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ12, فنسيان الله قطعاً ليس بمعنى غياب المعرفة, فهو العالم الذي لا يغيب عن علمه شيء, ونحن في استعمالاتنا المعرفية نستعمل النسيان, بمعنى عدم ترتيب أثر المعرفة, فمثلاً حينما لا أريد من الآخر أن يرتّب أثراً على موضوع ما أقول له: انسَ الموضوع, أي لا ترتّب أثر معرفته.

وعليه فالإعراض الوارد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي13 يُعدّ مصداقاً للنسيان بهذا المعنى.

وبناءً على ما تقدّم فإن الذاكر لله تعالى ليس هو من يستحضر الله تعالى في عقله فقط, فقد يستحضر الإنسان ربه في عقله وهو يمارس الحرام بدون أن يردعه ذلك الاستحضار عن فعله, فهذا ليس ذكراً, بل الذكر هو الاستحضار الذي يواكبه ترتيب أثر المعرفة الحاضرة.

من هنا فإن المعرفة العقلية النظرية التي لا تتجلى في ممارسة الإنسان ليست ذكراً, بل هو تلك المعرفة التي يكتبها قلم العقل على لوح القلب بحسب تعبير الإمام الخميني قدس سره, وحينها تتجلّى في سير الإنسان وسلوكه.

الخلاصة: ذكر الله هو معرفة الله الحاضرة في العقل والقلب التي تتجلّى في اتجاهات الإنسان وسلوكه.

* كتاب هكذا تكون سعيداً، سماحة الشيخ أكرم بركات.


1- الطريحي, مجمع البحرين, تحقيق أحمد الحسيني, ط2, قم, مكتبة النشر والثقافة الإسلامية, 1408هـ, ج2, ص 1085.
2- انظر, شبَّر, عبدالله, حق اليقين في معرفة أصول الدين, ط1, بيروت, دار الأضواء, 1404هـ, ص 35.
3- سورة الروم, الآية 30.
4- انظر, شبَّر, عبدالله, حق اليقين في معرفة أصول الدين, ص 34-35.
5- سورة الأنعام, الآيتان 40-41.
6- الصدوق, محمد بن علي, التوحيد, تحقيق هاشم الحسنيي الطهراني, (لا,ط), قم, جماعة المدرسين, ص 124.
7- جمع بشرة وهي ظاهر الجلد الإنساني.
8- الصدر, محرَّكاُ, الرجوع بعد الورود. وقوله بوقفها بكسر الواو أي بما يوافقها من الرزق ويلائم طبعها.
9- الجامس: الجامد.
10- الشراسيف: مقاط الأضلاع وهي أطرافها التي تشرف على البطن.
11- الإمام علي, نهج البلاغة, جمع الشريف الرضي,تحقيق محمد عبده, ط1, قم, دار الذخائر, ج2, ص 117.
12- سورة الجاثية الآية 34.
13- سورة طه, الآية 124.

16-06-2014 عدد القراءات 7468



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا