28 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 11 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: الصوم

صوم الخواص



الصوم للَّه، وهو يجزي به كما ورد في الخبر، فينبغي للسالك إذا صام أن يصوم معه جوارحه، كما روي ذلك عن الصادق عليه السّلام: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك - وعدّ أشياء غير هذا - فانّ في عدّ الجلد والشعر كفاية في لزوم صوم جميع الجوارح، وبالجملة فإنّ صوم الخواصّ ليس من البطن والفرج خاصّة بل يعمّ سائر الجوارح كما أنّ صوم خواصّ الخواصّ بضمّ القلب على الجوارح فهو أن يصوم جوارحه عن مخالفة إرادة اللَّه وقلبه عن الهمم الدنيّة، الأخطار الدنيوية ويكفّه عمّا سوى اللَّه بالكلَّيّة.

أقول: الصوم وكذا كلّ عبادة إنّما يعدّه العوامّ تكليفا، ويعمل به تكلَّفا ولكنّ الخواصّ يرونه تشريفا ولطفا من اللَّه جلّ جلاله ويرون أنّ اللَّه في جعل العبادات وإيجابها منّة عظيمة ونعمة جسيمة على عباده، ويستقبلونها استقبال التشريف لا التكليف، بفرح وسرور ونشاط، بل ولذّة وحبور من الخطاب.

روي عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام قال: لذّة الخطاب ذهب بالعناء.

هكذا يجب أن يكون العبد العارف باللَّه وبحقّ اللَّه، فإنّ العبد إذا عرف اللَّه أحبّه وإذا أحبّ اللَّه أحبّه اللَّه، فتصير جميع معاملاته مع اللَّه معاملة الحبيب مع حبيبه، وهل رأيت حبيبا مستثقلا عن خدمة حبيبه، لا سيّما إذا كانت الخدمة لطفا من الحبيب وتشريفا، بل دعوة لمجلس المؤانسة وكرامة، يلتذّ من خطاب التكليف، ويفديه بنفسه ومهجته على قدر محبّته، ويراقب في إتيان تمام مراده، ويجتهد في تحصيل كلّ محابّه، وإن لم يردها منه، ولا يرى سعيه واجتهاده في ذلك إلا لذّة وسعادة، فيكون الإتيان بمحابّ اللَّه جلّ جلاله من أهمّ محابّ نفسه ومراداتها، فيعمل بها بالشوق التامّ الكامل، والامتنان من إذن اللَّه - جلّ جلاله - له في ذلك، ولا يوجد في قصده غير اللَّه تعالى وغير رضاه، لا يشوبه قصد جزاء وثواب وجنّة ونعيم من نعم اللَّه تعالى فضلا عن شوب الرياء والسمعة واطَّلاع الغير وتحصيل رضاه.

وتفكَّر يا عاقل في هذا الصوم المعيّن الخارجيّ لو أتيت به على ما وصفناه من النيّات والقصود، فزت بجميع ما ورد من الكرامات السنيّة، والمقامات العليّة للصّائمين والمخلصين وأزيد، لأنّ فضل اللَّه وكرامته لا يقدّر بالبيان، ويخدمك ملائكة الرّحمن، بل يطعمك ويسقيك في قيلولتك الملك المنّان.

وإن أتيت به رياء وسمعة وجب لك الخذلان، وكنت من عبدة الشيطان، ونوديت بأربعة أسماء: يا غادر يا فاجر يا كاذب يا مرائي واستحققت بذلك النيران فيا سبحان اللَّه هذا عمل واحد شخصيّ فما هذا الفرق العظيم إلا من جهة أمر القلوب والنيّات.


* كتاب المراقبات / العارف اليزدي.

11-07-2014 عدد القراءات 4280



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا