20 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 03 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: الغزو الثقافي

نهوض المسلمين لإحياء حاكمية الاسلام



ما أقوله للشعوب الإسلامية 1، وللمسلمين واحدا واحدا: إنّ سبيل علاج جميع آلام الشعوب الإسلامية ومشكلاتها وعثراتها يكمن بالعودة الى الإسلام والحياة في ظل النظام الإسلامي وفي إطار أحكام الإسلام، فهذه العودة هي التي تبعث في المسلمين عزّتهم وتعزّز شوكتهم، وتجعلهم يرفلون بالنعم العظيمة التي تأتي على أرضية الأمن والرفاه.. وهذه العودة هي التي تحمل المسلمين بمنأى من السقوط الى هوة المصير البائس الذليل الذي يدبّره رموز الاستكبار للأمة.

بمقدور الإسلام أن ينقذ المسلمين والإنسانية جمعاء. بشرط أن يعرف معرفة صحيحة، ثم يطبق على نحو سليم.. النظام الإسلامي في إيران هو بفضل الله مظهر يكشف اقتدار الإسلام، وتجربة عملية تعكس مثالا مجسدا، للمسلمين.. لقد حصل ذلك حصل كلّة مع أن ثماني حرب خطّط لها الاستكبار الشرقي والغربي، وفرضت عليها، ولم تكن قد وقفت أمواج العداء عند حدّ، قبل الحرب ولا بعدها 2.

يجب أن تنهض الشعوب الإسلامية لاحياء الإسلام، بالاتكال على الله وتجديد حياة الإسلام العملية.. عليها أن تنهض لقطع نفوذ العدو وتأمين استقلال الشعوب المسلمة وتحقيق الوحدة الإسلامية الكبيرة التي تأذن بولادة قوة كبيرة بمقدور المسلمين أن يقوموا بإيجادها.. هذه النهضة هي مسؤولية تقع على عاتق كل فرد من أفراد المسلمين وتتأكد أكثر بالنسبة للعلماء والمثقفين والخطباء والشباب الواعي، وجميع من له القدرة على المساهمة في هذه المسؤولية.

الإسلام دين التوحيد، ومعنى التوحيد هو تحرّر الإنسان من قيود العبودية لأي شيء والتسليم لله وحده.. التوحيد يعني التحرّر من قيود الأنظمة وضروب السلطة البشرية.. ويعني كسر حاجز الخوف من القوى الشيطانية والمادية.. كما يعني الاتكاء على طاقات الإنسان التي لا حدّ لها، والتي أودعها (سبحانه) في وجود الإنسان وأراد له تفعيلها وعدّ التخلّف عنها تخلفا عن فريضة واجبة. ومعنى ذلك أن تحقق الوعد الإلهي بانتصار المستضعفين على المستكبرين لا يكون إلاّ بشرط النهوض والجهاد والاستقامة.. والتوحيد يعني وصل القلوب بالله وعدم الخشية من احتمال الهزيمة.. هو يعني استقبال المشكلات والأخطار التي تواجه الإنسان في طريق تحقيق الوعد الإلهي..كما يعني احتساب المشاق والمتاعب في سبيل الله وعدم اليأس من النصر النهائي كمقولة حتمية.. ويعني التوجه الى الله وحده في طريق تحقيق هدف انقاذ المجتمع من الظلم والتمييز والجهل وضروب الشرك،والتوحيد يعني أن يشعر الإنسان إنه على صلة بقدرة إلهية مطلقة لا أمد لها، والارتباط بمنبع الحكمة.. والسير بشوق ودون حيرة واضطراب نحو هدف أعلى.

إن ما وعد المسلمون به من عزة واقتدار لا يكون إلاّ في ظلال إيمان مثل هذا، وفي إطار ادراك عميق وواضح للتوحيد.
فمن دون الارتباط العقيدي والعملي بالتوحيد الصحيح وعن مفهوم الحياة تعني فيما تعنيه فتح الأبواب لأوثان الاستعمار، وفتح السبل أمام هجوم آلهة المال والقوة والزور 3.

لا يتوهم أحد أنّ القوى الكبرى مالت للمصالحة مع الإسلام.. ولا يظنّن أحد أن الأمة الإسلامية لم تعد بحاجة اليوم للوقوف بوجه القوى العالمية المتسلطة، ومواجهتها.. فقد جهدت هذه القوى على أن تفعل بالأمة الإسلامية ما تستطيع فعله.. وما لم تستطع فعله نبىء عن عجزها، لا عن عزوفها عن مواجهة المسلمين.

عليها ان ننتبه وأن نكون على حذر.. علينا أن نلتزم اليقظة ونكون على أهبة الاستعداد.. علينا أن لا ننسى ما يريده القرآن مناّ 4 علينا أن نقدم أرواحنا على الأكّف، وكلّ عزيز نملكه، في كلّ مرة تهدد فيه الأخطار نظام القيم الإسلامية.. وعلينا أن ندافع عن حاكمية الإسلام التي هي رصيد العزة والشرف والحرية. فليس ثمّ ملجأ في وسط ظلمات السلطة الاستكبارية وظلمها الممتد على العالم، يستطيع أن ينقذ الشعوب، سوى الإسلام والقرآن.

على هذه الأرضية دخلت القوى العالمية الطاغوتية معركتها مع الإسلام، وهي تبذل ما تستطيع للحيلولة دون بسط حاكميته.. وما التكالب الذي تبديه تلك القوى في مواجهة الجمهورية الإسلامية بكل ما تستطيع، وبجميع ما تقدر عليه من وسائل علنية وخفية، إلاّ لكونها تجربة ناجحة لانتصار حكومة الإسلام.

واليوم لا يمكن الدفاع عن الإسلام إلاّ بتقديم التضحيات وضروب الفداء تماما كما حصل في صدر الإسلام.. ولا يملك المسلمون الصادقون إلاّ أن يقدموا أرواحهم وأموالهم وفكرهم ووجاهتهم ومعارفهم، وجميع ما يملكونه، في المنافحة عن هذه الحقيقة الناصعة المقدّسة كلما كانت ضرورة لذلك 5.

لم يعد مقبولا بأي وجه أن يعتذر الإنسان عن الدفاع عن الإسلام والسعي لتجسيد حاكميته، متعللا بالخوف من بطش الأعداء وقوتهم. فالشعوب ـ بحمد الله ـ استيقظت ووضعت أقدامها على طريق الإسلام، والمثال الحي لهذه اليقظة هي ما تشهده شعوب شمال افريقيا، وبالأخص الجزائر والسودان.

إنّ الجهاد الذي تبديه هذه الشعوب وقبولها لضروب البلاء التي ذكرت في القرآن، لا يمكن أن يقود إلاّ الى النصر الحتمي. يقول تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ البقرة / 155 6.

إنّ تحقيق الكثير من الأشياء في الحياة الدنيا، أمر غير ممكن أو صعب، والبلاء الكبير الذي يصيب البشر، هو توهمهم أن انجاز الأعمال والآمال الكبيرة هو أمر متعذّر.. هذا بلاء كبير.. فاليأس هو أعدى أعداء الإنسان الذي يريد تحقيق أهداف يومها.. إذا قال الإنسان محدّثا نفسه: ما فائدة الجهود التي أبذلها إذا كانت لا تحقق المطوب؟ فاعرفوا يقينا إنه لن ينجز العمل الذي يريده.

اليأس من وجهة نظر الإسلام، هو من الأمور السلبية، وبعض ضروب اليأس هي من الذنوب الكبيرة، كاليأس من روح الله، أي اليأس من لطفه وفضله، فإذا يأس الإنسان من ذلك يكون قد سقط في هوة الذنوب الكبيرة.. لا يحق لنا أن نيأس، فاليأس من رحمة الله هو من الذنوب الكبيرة، ولا يحق لأحد أن ينفض يده من هذه الرحمة مهما كانت موانع الرحمة كبيرة.. وقد لا يكون اليأس من الذنوب الكبيرة في بعض الحالات، ولكنه يكون من الموانع الكبيرة 7.

دلّت الثورة الإسلامية العظيمة على أنّ مفتاح الحل المشكلات الكبيرة، هو بيد الشعوب.. وأن الإرادة الإنسانية تستطيع أن تنتصر على إرادة القوى المتسلطة إذا اعتمد الإنسان على الله وصدّق بالوعد الإلهي 8.

الثورة هي القيم، وأولئك الذين يسعون أن تتحوّل الثورة ضدّ القيم، هم أنفسهم الذين تلقوا من الثورة أوجع الضربات.. الشك في المفاهيم الثورية هو عمل ضدّ القيم.. والتشكيك في خط مواجهة القدرات الظالمة هو أيضا ضدّ القيّم.

طريق نجاة الشعوب يتمثل باستقلالها عن القوى الظالمة.. والقوى الظالمة تدأب باستمرار على أن تلقي في وعي الشعوب أنها على خطأ في هذا الطريق.. طريق المواجهة..وأنه لا أمل ولا نتيجة من التحرك والمقاومة.. وهي تحاول أن تلقنها بأنّ طريق الخلاص يتمثل بالانضواء تحت جناحها، وتلقى في روعها بأن عليها أن تعرج من صعيدها لتبلغ المرامي المادية والسلطوية التي ترى بأنها حق.

يجهد الأعداء من خلال اصطناع الجو المثقل بالحيل والدعائية أن يحذّروكم من الحكومة الإسلامية واسم النظام الإسلامي. وبعض السذّج يفكر أن من الأفضل عدم الجهر بهدف الحكومة الإسلامية، لكي لا تثأر حفيظة أميركا والدول الغربية. والذي أوصي به إزاء ذلك، هو اجتناب هذا الضرب من التفكير بالمصلحة الذي يعدّ بنفسه خلافا للمصلحة.

يجب إعلان الهدف بوضوح وتكراره باستمرار وفي جميع الظروف والهدف هو تشكيل النظام الإسلامي وتحقيق في قيمومة القرآن وحاكمية الإسلام.. ينبغي أن لا يطمع العدو بالنأي عن اعلان هذا الهدف والتصريح به.. ويجب الابتعاد في هذا المجال عن الغموض، بحيث لا يحيط بالهدف أي ابهام أو عدم وضوح.

لقد تجّرع الإسلام والحركات الإسلامية باستمرار، ضربات أشد من جبهة النفاق، فاقت ضربات الكفر.. واليوم لا يقل خطر "الإسلام الأميركي" عن خطر الأدوات العسكرية والسياسية الأميركية أن لم يزد عليها. والذي نعنيه ب"الإسلام الأميركي" هو التظاهر بنوع من الإسلام يكون بخدمة الطواغيت وفي خدمة أهداف أميركا وبقية المستكبرين.. عليكم أن تلتزموا جانب الحذر من حملة راية "الإسلام الأميركي" سواء ظهروا بزي علماء الدين.. أو انطلقوا من مواقع السياسة وكانوا من الساسة.. ينبغي الإشارة الى هؤلاء بأصبع الاتهام صراحة وكناية.. ولا تفكروا أبدا باستمداد الهون منهم.

عليكم أيضا أن لا تبقوا من عزلة بعيدا عن تجارب بقية الحركات الصلات في البلدان الأخرى.. تعرفوا على أوضاعهم.. ووثقوا بهم الصلات على رغم رغبة الاستكبار في عدم تحقيق ذلك.

اجعلوا ما يفيض به قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا آل عمران /103 من التمسك بالدين ومراعاة وحدة الكلمة نصب أعينكم دائما وكونوا في هذا الجانب على حذر من كيد العدو 9.

تدرك جبهة الكفر والاستكبار أنّ المستقبل للإسلام وليس بمقدور أية قدرة أن تقف بوجه تزايد قوة الإسلام وتناميه ورواج الشعارات والمظاهر والقيم الإسلامية، بصيغة مطّردة بين المسلمين 10.

تبيين الحقائق الإسلامية عن طريق الفن والوسائل الأدبية

وصيتي الى جميع المسلمين في العالم أن يؤكدوا بشكل متزايد على شخصية النبي في مختلف أبعاد حياته.. سيرته.. أخلاقه والسنن المأثورة عنه، وما ورد عنه من النصوص، لقد تعرضت شخصية الرسول الأكرم الى هجوم دعائي متزايد في الوسط الغربي وفي العالم المسيحي بعد القرون الوسطى 11.

علينا أن نعمل على تعريف الأبعاد المختلقة لشخصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وتسلّط الأضواء على جوانبها المختلفة: الإخلاق ومناهج الحكم وادارة الرعية والعبادة والسياسة والجهاد.. والتعاليم الخاصة. علينا أيضا أن نعالج السيرة وليس من منطلق تأليف الكتب وحدها بل علينا ان نوظف الأدب والفن ووسائل التبليغ.. والوسائل الجديدة ونستفيد من التكنيك والتقنية الموجودة في العالم. والاهتمام بشخصية النبي الأكرم لا يجب ان يقتصر على الجمهورية الإسلامية وحدها بل ينبغي أن يشمل العالم الإسلامي.

كثيرون في الدنيا، أولئك الذين إذا عرفوا عن نبي الإسلام ما يعرفه المسلمون عنه ـ أو حتى أقل من ذلك ـ تتغيّر عقائدهم ويمكن ضمان ميلهم الى الإسلام والى عالم المعنى في هذا الدين.. وفي الواقع لو أشرقت لمحة من هذه الشخصية النورانية على قلوب أولئك لمالوا الى الإسلام.

علينا ان نشتغل على هذه المسألة كثيرا.. وربما كانت أفضل وسيلة للدعوة الى الإسلام هو أن نبيّن للآخرين شخصية نبي الإسلام..
يحسن بنا في هذا المضمار أن نستبق الآخرين فقبل أن يدخل الآخرون الساحة لتشويه شخصية نبي الإسلام في أذهان من لا يعرفه من أبناء البشرية، مستفيدين في ذلك من مناهجهم الثقافية المعقدة ومتوسلين بالوسائل الفنية والأدبية، على مسلمي العالم أن يبادروا الى ذلك، فيدخل الأدباء والفنانون الميدان ليجلّوا أبعاد هذه الشخصية العظيمة الكريمة بمختلف وسائل الدعوة والبيان، وينتحوا أعمالا ثقافية وأدبية وتبليغية 12.

الفن هو امر يستفيد منه كل ذي شعور في العالم.. بل يمكن أن يقال بأنه ليس هناك عاقل لا يريد أن يستفيد من الفن والأدب، لذلك سيكون طبيعيا أن يستفيد منه ذوو الفكر المنحرف وأهل الأهواء.

من سبل الاستفادة وضروبها أن يبادر ذوو الفكر المنحرف لصبّ ما يرومون إليه ويبغون إيصاله الى ذهن الناس بوسائل فنية وقوالب أدبية.. وأهل الفكر المنحرف يستفيدون من الفن وتوظيفه، كمثل إفادتهم من المال والسلاح.

لا يمكن الحيلولة دون أولئك وما يصبون اليه من توظيف الفن والافادة منه، ولكن يمكن أن نضع ـ هذه الوسائل وأدوات التعبير ـ بقوة في خدمة الفكر المقدّس والسليم.

وإذا قدّر للفكر العالي المقدس وأن عجز عن توظيف الأدب وهدر هذا الرصيد فسيبقى متخلفا، على سبيل المثال إذا قرّر إنسان فاسد أن يقوم بجريمة ي نقطة من نقاط العالم، كأن ينفذ سرقة أن يقتل مجموعة من الناس فيستفيد من السيارة أو طائرة " جت" وإذا أريد الحيلولة بينه وبين جريمته، فلا بدّ من الاستفادة من الطائرة أيضا لبلوغ المكان المقصود قبله، أو الوصول إليه بوقت واحد فالإفادة هنا من الطائرة أو السيارة هو شرط لدرء الخطر وعدم التخلف.

وهذه المسألة بدرجة من الوضوح بحيث لا يحتاج الى بحث، وجميع كلامي انطلق من التأكيد على هذا الجانب الماثل بالافادة من نفس وسائل العدو لاستباقه ودرء خطره وإلاّ بقي الإنسان متخلفا عن اللحوق 13.

آمل أن تقطع أيادي الكفار والمستكبرين عن المجتمعات الإسلامية ببركة الاستقامة وبفضل وعي المسلمين، لاسيما العلماء.. والمفكرين..
المثقفين.. الكتاب.. الشعراء.. الأدباء والفنانين في مختلف بلاد المسلمين. كما آمل أن تعود للمجتمعات الإسلامية العزة التي قدّرها الله لها، إنه ولي التوفيق 14.
على المسلمين في جميع أنحاء العالم أن يلتزموا جانب الحذر واليقظة الكاملة إزاء مخططات الأعداء لإضعاف الإسلام والإساءة إليه، وعليهم بالذات أن يلتزموا جانب اليقظة والحذر فيما يتعلق بالتآمر الثقافي المضاد الذي يعكس نفسه في ممارسات من قبيل تأليف الكتب.. انتاج الأفلام والتمثيليات المنافية للقيم الإسلامية.

ولا ريب أن المسؤولية الأساسية تنصرف في هذا المضمار الى الكتّاب والأدباء والفنانين الذين تنبض قلوبهم من أجل الإسلام، وهم على وعي بمقدار الحقد والبغض اللذين تحملهما الأجهزة الاستكبارية للإسلام والمسلمين. فهؤلاء هم الخندق الأصيل في خط المواجهة. وعليهم تقع المسؤولية العامة في تهيئة المقالات والكتب والآثار الفنية التي تبيّن الإسلام وتدعو إليه، وتكشف عن مؤامرات الأعداء، وتدافع عن حقوق مسلمي العالم.

بديهي أن المسؤولية العامة على الجميع واضحة إزاء ما تتعرض له المقدسات الإسلامية من إهانة.. وحكم الإمام الراحل القاضي بوجوب قتل الكاتب المرتد التافه مؤلف " الآيات الشيطانية " يوضح ما ينبغي أن يكون عليه تكليف الجميع في المواطن المشابهة. وأما حكم إمام الأمة إزاء هذا الكاتب السيء الحظ، فهو باق بقوته،وعليه أن يرقب تنفيذ الحكم في اللحظة المقدّرة.

على المسلمين أن يوظفوا الاجتماعات الكبيرة، بالذات اجتماع الحج العظيم، ويستفيدوا منها في إعلان معارضتهم للمؤامرة الثقافية التي يمارسها الاستكبار ضدّ الإسلام، وعليهم أن يستثمروا هذه التجمعات إلى أقصى حد ممكن في التعبير عن موقفهم الحساس ازاء ذلك.

إنّي على اطمئنان أن مواقف المسلمين الغيورين ستكون حازمة إزاء ما سيتعرض له الإسلام على هذا الصعيد، تماما كما كان موقفهم حاسما في الاستجابة لنداء إمام الأمة، أعلى الله كلمته 15.

اتفاق المسلمين ووحدة كلمتهم

كان من طليعة أهداف الاستعمار أوائل نفوذه في البلاد الشرقية والإسلامية هو إيقاع الفرقة بين المسلمين، لقد سلك وسائل مختلفة في إيجاد الفرقة بين الأخوة المسلمين في الأقطار الإسلامية، بدءا من ترسيخ المشاعر الوطنية وإذكاء دوافعها على نحو غير طبيعي (متطرف) وانتهاءا بتسعير نار الاختلافات المذهبية وغيرها. بديهي أن دور الأنظمة الفاسدة التابعة للاستعمار، كان كبيرا جدا ومؤثرا الى أبلغ حد إذكاء هذه الفرقة.

إننا اليوم نشكل مجموعة تصل الى المليار مسلم، هي تعيش في مختلف النقاط التي يحتاج إليها العالم. بيد أننا نلاحظ أن المسلمين يعيشون مع ذلك أوضاعا غير طبيعية على الصعيد الاجتماعي السياسي دون المستوى المطلوب سواء، في البلاد التي يشكل المسلمون فيها ألأكثرية الغالبة، أو في البلاد التي يعيشون فيها كأقلية. يحصل ذلك في الوقت الذي يحث فيه الإسلام والقرآن المسلمين ويسوقهم نحو بلوغ أنواع الكمالات البشرية، ويدفعهم الى العالم والفضائل الاخلاقية العدالة الاجتماعية والعزة والقوة والاتفاق والوحدة وعدم الاستسلام أمام الضعوطات وأمثال ذلك مما إذا عملت به أمة من الأمم فإنها لن ترضى أن تعيش بمثل الوضع الذي يعيش فيه المسلمون اليوم.

يتضح إذا أن الوضع الذي يعيشه المسلمون اليوم في العالم الإسلامي وفي مختلف أنحاء العالم هو وضع غير طبيعي، كما انه لم يظهر نتيجة الصدفة، وإنما فرض على المسلمين.

منذ اليوم الأول الذي انطلقت فيه النهضة في إيران بقيادة إمامنا الكبير (الإمام الخميني) كان في طليعة الأهداف الأصلية التي تدعو إليها هي وحدة المسلمين في أنحاء العالم، قطع دابر القوى الظالمة عن ديار المسلمين، ولا زال هذا الهدف هو رسالة ثورتنا.

دأبت أجهزة الدعاية الصهيونية على إثارة الضجيج حولنا وهي تنسبنا الى الأصولية والأصولية إذا كانت بمعنى العودة الى الأصول والقواعد الإسلامية الأساسية، فهي تعد أعظم مفاخرنا. وعلى المسلمين في أي مكان من العالم يخشوا من اسم الأصولية أو يتجنبوه، ذلك أن أصول إسلام المقدسة هي ضمان سعادة الإنسان.

لقد دأب الاستعمار على تضعيف ارتباطنا الحياتي بالأصول. ذلك نحن نفخر بالعودة الى أصول الإسلام والقرآن 16.
حين ننظر الى الساحة العالمية نحسّ أن هناك حركة إسلامية عظيمة تتنامى وتقوى على الأيام، فالمسار الزماني (العصر) يتحرك صوب القيم الإسلامية والمعنوية، ومسلموا العالم استيقظوا ولا زالت اليقظة تزداد، سواء أذعن الجبابرة المستكبرون لذلك أم لم يذعنوا،وسواء رضيت امريكا أم لم ترض. فهذه هي الحقيقة التي تقع في عالم اليوم. لذلك علينا أن نرصد أخطار هذه المرحلة.

على مدى قرون ترك المستبدون والمستعمرون والحكومات التابعة واعداء الإسلام، المسلمين في ذل وضعف حيث تتحرك القافلة باتجاه عزة المسلمين ويقظتهم علينا أن نكون على ثقة بأنّ الأعداء سينصبون كمائن خطيرة في الطريق، علينا أن نكون منها على حذر. واحدة من هذه الأخطار هي اختلاف الكلمة بين المسلمين.. الاختلاف بين الطوائف والمذاهب الإسلامية.. والاختلاف بين القوميات التي يتشكل منها المسلمون.

هل توجد في الدنيا المسلمين بقعة تخلو من أيادي الخونة وسعيهم لايجاد الفرقة وبث الاختلاف؟ وهل يوجد في العالم الإسلامي مكان لم توظف فيه العقول الاستكبارية النتنة، البسطاء والضعاف لخدمة أهدافها؟
هدفنا القريب وخطوتنا الكبرى التي علينا أن نخطوها تتمثل بإيجاد الوحدة بين الطوائف والمذاهب الإسلامية، وبين مختلف جماعات المسلمين، بيد أنّ البعض اختار ان تكون رسالته هي ضرب طريق العزة الإسلامية من خلال إيجاد الفرقة.علينا أن نتعرف على هؤلاء ونواجههم بذكاء وحكمة.

لو انتبه المسلمون، واعتبروا عزتهم من عزة الإسلام، وقوتهم بقوته. فلا ريب أن هذه الحركة ستنجح في بلوغ أهدافها 17.
اإذا اريد للقيم الإسلامية أن تتجسّد في العالم بصيغة نظام قيمي متكامل يمكن عرضه الى الآخرين، يكون بمقدور أن يجذب القلوب وأن يغيّر حياة المسلمين، فإن هذا الهدف لا يمكن بلوغه من دون وحدة المسلمين، وهذه الوحدة لن تكون ممكنة والمسلمون موزعون فرقة فرقة، تأتلفهم أواصر العداء والنزاع الفرقي.

بديهي إننا لا نقول للفرق والمذاهب الإسلامية، اتركوا عقائدكم المذهبية الخاصة، واقبلوا عقائد الفرق الأخرى، وإنما دعوتنا للمسلمين جميعا هي أن يلتقوا على المشتركات، فالعناصر المشتركة بين فرق المسلمين ومذاهبهم أكثر، وهي أهم وأمضى من عوامل الفرق والاختلاف.

أنّ العدو يعتمد على نقاط الاختلاف، في حين علينا ان نعتمد على عناصر الاتفاق والعوامل المشتركة، لكي لا نعطي العدو الفرصة ولا نمنحه الذريعة من فرقتنا كي يمارس ضغطه على كيان الأمة الإسلامية.

من حسن الحظ أستطعنا أن نحل هذه المشكلة ونتجاوزها في إيران. وفي بقاع مختلفة من العالم الإسلامي، استطاع الكثير من اخوتنا حل هذه المشكلة وتجاوزها، أو أنهم اقتربوا نحو الحل، بيد أنّ العدو لم ييأس بعد، فالاستعمار اشتغل على قضية الفرقة منذ بداية نفوذه إلى بلاد المسلمين قبل 150ـ 200 سنة.

علينا أن نلتزم جانب الحذر، وعلى الشيعة والسنّة أن يعتبروا انفسهم مسؤولين إزاء قضية تقريب الفرق الإسلامية الى بعضها بعض. وأن يكونوا حرّاس المحبة وحماتها، وأن يتعاضدوا بالأخوة ويبذلوا المساعي في هذا السبيل18.

إن نقطة تمركز المسلمين، هي نفسها المنطقة الفاصلة بين الشرق والغرب والتي تحتل موقع الوسط في العالم، فالمسلمون يعيشون في منطقة هي أكثر حساسية بين بقاع العالم من الوجهة الاستراتجية.. اللوجستيكية.. الموقع الجغرافي.. الموقع الإقليمي.. المناخ ومصادر المياه، ومن الوجهة الحضارية، فإنّ هذه المنطقة هي موئل جميع الحضارات القديمة التي بزغت في دنيا الناس، فأعمق الثقافات هي تلك التي انبثقت من الموقع الذي يعيش فيه المسلمون، وفي حين كان العالم الآخر يعيش الوحشية، كانت شعوب هذه البقعة تدير العالم بعلمها وبما تبثه من معارف.

الشعوب الإسلامية على هذه البقعة تحمل مزايا من قبيل التجمع العضوي للسكان.. اقتراب البلدان ومجاورتها بعضها لبعض.. تقارب الثقافة، علاوة على أن للمسلمين تواجدا في جميع أرجاء العالم.

أيها المسلمون في العالم وفي أي مكان كنتم ! إذا لم تحاربوا بعضكم بعضا، ولم تتعادوا بل إذا تحاببتم فيما بينكم بدلا من التباغض وغرفتم أعداءكم، فإنّ حياتكم ستختلف عما هي عليه الآن من تشتت وضعف وتخلّف هذه هي دعوتنا.

إن البلاد الإسلامية تعاني اليوم في الأغلب من الفقر والتبعية، وأعداء الإسلام يسعون لاخراج الإسلام من الميدان في هذه البلدان والدفع بها على الهامش.
أبناء الأمة من المسلمين تعيش قلوبهم للإسلام وتنبض لله، بيد أنّ القوى الكبرى تحاول عبر الأنظمة التابعة أن تبعد الشعوب عن الإسلام وتزوي به بعيدا. وإذا قدّر للمسلمين أن ينبذوا الفرقة والشحناء والتباغض فيما بينهم، ولا يستهلكوا جهودهم في هذا السبيل، فسيكون بمقدورهم أن يحشدوا طاقاتهم على شكل سدّ منيع في مواجهتهم للسياسات والقوى الخارجية، وأن يحققوا ما فيه نفعهم في دينهم ودنياهم.

طبيعي نحن لا نقول للسنّة اتركوا مذاهبكم وتحولوا لتشيع، ولا نقول للشيعة تخلوا عن عقائدكم. فالانسان السني، أو أي إنسان آخر ينبغي أ يعمل بمقتضى ما وصل إليه بعد البحث والتفتيش، وهو مكلف أمام ربّه.

نداؤنا في أسبوع الوحدة أن يتحد المسلمون وأن لا تعادوا.. وهذا نداء لا ضير فيه يقبله الإنسان العاقل الذي يتسم بالإنصاف والخالي عن الغرض، ومحور هذه الوحدة هو كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والشريعة الإسلامية.

ومثل هذه الدعوة كان لها وجود، وإن لم يكن مكثفا قبل الثورة بسنوات إلا أن الأجهزة المرتبطة بالاستكبار العالمي كانت تعارضها.
وحين انتصرت الثورة الإسلامية، أحسّ مستكبروا العالم أن حديث والوحدة والدعوة الى اتحاد المسلمين لو عمّا المسلمين وراجا بينهم، فإن انظار المسلمين ستتعطف نحن القاعدة والمركز.. صوب أم القرى في العالم الإسلامي.. نحو المسلمة. لذلك أنفقت الدول الرجعية والمرتبطون بالاستكبار أموال كثيرة لبث الفرقة، كي لا تسود الوحدة في مختلف البلدان الإسلامية، سواء العربية أو الناطقة بالأردو، أو حتى داخل كل بلد إسلامي على حدة، ولكي يحولوا دون نفوذ رسالة الثورة ورسالة الإسلام 19.

ينبغي أن تتلاقى قلوب أبناء الأمة الإسلامية الكبيرة وتتقارب يوما بعد آخر، ويجب أن لا تترك الفرصة لأدوات الفرقة والاختلاف التي فرضها الأعداء وبثوها بين الشعوب الإسلامية أن تأخذ مداها وتكون لها الفاعلية في جو مفعم بالوعي كالجو الذي يعيشه المسلمون اليوم.

ثم إنّ على المسلمين أن يكونوا رغم اختلاف اللغات وتباعد المناطق الجغرافية والتنوّع الإثني والقومي. قلبا واحدا، يتحدثون بلسان واجد، ويلتقون على تفكير واحد منسجم، وأن يتحركوا ـ إن شاء الله ـ صوب الأهداف الإسلامية الكبيرة.

علينا أن نعتني اليوم بوحدة المسلمين أكثر من أي وقت مضى، ولكن لماذا؟ لأن الفرقة وبث الاختلاف هما طريقان من بين الطرق التي اعتمدها الأعداء في النفوذ الى المجتمعات الإسلامية، وكان لهم وسائل مختلفة في إيجاد الفرقة، بعضها بعيد الأمد (استراتيجي)، من قبيل اصطناع " مذهب استعماري" يبغي بث أسباب الفرقة بين المؤمنين والمسلمين على المدى البعيد ـ مائة سنة أو مائتين وحتى خمسمائة سنة ـ ويكون بمثابة الجرح الراكز في الجسم الإسلامي، عصي على الالتئام، مثل هذه المذاهب المصطنعة، والمذهب الوهابي من بينها تهدف الى إيجاد الفرقة بين المسلمين.

لقد وظف الاستعمار هذه الخلافات واستغلها في دنيا المسلمين باشكال مختلفة، وإذا قدّر ـ لناـ أن نرصد تأريخ عمل الاستعمار في هذا المجال فإن الحصيلة ستقع في كتاب.تمتد خلفية هذه المسألة الى ما بين 80ـ 100 سنة مضت، وأنا 20على وعي بالقضية، عارف بتفاصيل بعض نماذجها التي حدثت قبل مائة سنة أو أكثر، واستخدمت فيها حرية الوهابية، أو بعكس..استخدمت فيها حرية الاتهام بالوهابية، لايجاد الفرقة وترسيخها. لذلك علينا أن نكون بمنتهى الحذر.

يستخدم العدو إذا وسائل مختلفة لايجاد الفرقة بين المجتمعات الإسلامية وبث عوامل الاختلاف فيما بينها.
لذلك كلّه يعتبر اتحاد المسلمي اليوم وتلاقي القلوب فيما بينها، شرطا اساسيا لإعلاء كلمة الإسلام، نعم. إذا كان الإنسان لا يرغب بعلو كلمة الإسلام، فشأنه.. لا يجب عليه تحقيق هذا الشرط، أمّا إذا صدق اتباع القرآن والإسلام، من آية فرقة ومذهب كانوا، وعاشوا لوعة صادقة من أجل أن يبقى الإسلام عزيزا والقرآن منيفا ساميا ـ في دورة القيمومة على الحياة ـ فعليهم أن يعوا تماما أن تلك الصرخات، والأقلام المأجورة، والأموال الحرام التي تغدقها بعض البلدان من أجل بث الفرقة، إنما يراد منها أن يبقى الإسلام منكفئا، وهي التي تحول دون عزته، وهذه الممارسات، هي من عمل العدو 21.

نحن جادون في قضية الوحدة، وقد بيّنا الذي نعنيه من اتحاد المسلمين. فاتحاد المسلمين لا يعني بنظرنا انصرافهم عن عقائدهم الكلامية والفقهية الخاصة، وإنما يتأمّن الهدف الذين نقصده لاتحاد المسلمين بالعنيين التاليين:
المعنى الأول: أن يكون المسلمون يدا واحدة على أعداء الإسلام، يتلاقون على كلمة واحدة وقلب واحد في مواجهة العدو، لا فرق في ذلك بين مذاهبهم سنية أو شيعية، واتجاهاتهم الكلامية والفقيهة.

المعنى الثاني: أن تتحرك الفرق الإسلامية المختلفة للتقرب الى بعضها بعض بايجاد أرضية للتفاهم، بحيث تتقارب الرؤى الفقهية وتتطابق مع بعضها بعد الدرس والمقارنة. ففي هذا المجال ثمّ الكثير من فتاوى الفقهاء إذا خضعت للبحث الفقهي العلمي يمكن أن تقود بتغيير ضئيل، إلى تقارب فتاوى مذهبين من المذاهب 22.

واحدة من المسائل المهمة في عصرنا هي مسألة الاختلاف بين فرق المسلمين، بديهي أنّ هذه المسألة ليست جديدة في دنيا المسلمين وإنما عرف المسلمون النزاع والتخاصم حول المسائل الكلامية والفقهية منذ القرن الأول، ولم يغب الاختلاف الفرقي منذ ذلك القرن.

بيد أنّ الذي حصل بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران واتساع دائرة نفوذها الفكري في آفاق العالم الإسلامي، هو أن الاستكبار سعى ـ في أحد وسائله لمواجهة المدّ الإسلامي ـ أن يظهر الثورة الإسلامية من جهة بأنها مجرد حركة شيعية بالمعنى المذهبي الضيّق ـ وليس بالمعنى الإسلامية العام ـ وسعى من جهة ثانية سعيا بليغا لالقاء عصى الفرقة والشقاق بين الشيعة والسنة.

وبإزاء هذا المكر الشيطاني كنّا نصرّ منذ البداية على وحدة جميع فرق المسلمين، وحاولنا أن نطفيء هذه الفتنة، وقد كان حظنا في هذا السبيل وافرا ـ بحمد الله وفضله ـ حيث ظهرت آخر تجليات هذا الوفيق بتأسيس المجمع العالمي للتقرب بين المذاهب الإسلامية.

والذي نلمسه الآن في جميع العالم الإسلامي هو تبادر العلماء.. المثقفين.. والشعراء.. الكتّاب، وعامة الناس من جميع المذاهب الإسلامية لنصرة الثورة الإسلامية بقلب واحد وهمة واحدة والدفاع عن الجمهورية الإسلامية انطلاقا من هذا الموقع.

ولكن العدو مجهّز بالمال والخطط الدعائية المضادة، وبالخبث، لذلك تراه يبذل مساعيه في بعض المناطق من العالم، ليكسب الى صفه أفرادا يغويهم بالمال أو يستغل غفلتهم وجهلهم، فيسيطر على عقولهم وألسنتهم.

لذلك نسمع بين فترة وأخرى سياسيا في بلد ما وآخر يتلبّس بزي العلماء أو يتظاهر بالثورية يحمل على الشيعة بالقلم أو باللسان ويشنّع عليهم بأقذع الكلام، ويتحامل على الشعب الإيراني الذي قام بأكبر ثورة معاصرة، وحافظ عليها بشكل ثار دهشة الآخرين وعجبهم !.

وقد يشتري العدو الذمم بالدولار كما يفعل في باكستان المسلمة، الذي يعدّ شعبها من أعزّ الشعوب علينا، وهو دائما في خطّ الدفاع الأول عن الإسلام والجمهورية الإسلامية، ويدير هناك الاجتماعات التي تتحرك في خط العداء للإسلام والوحدة الإسلامية، فتؤلف الكتب وتحاك المقالات ضدّ الشيعة والتشيع، وبالتحامل على المقدسات وعلى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

إننا ننزّه الشعوب والعلماء الصالحين عن هذه الممارسات التي نعتقد أنها تدخل في حساب أميركا وأياديها ومرتزقتها.
ومع تنزيهنا للشعوب والعلماء الصالحين، واعتقادنا بأنّ اميركا وأياديها يقفون خلف المشهد، إلاّ أننا نعتقد أنّ هذه الممارسة هي من بين القضايا التي تحتاج الى وعي المسلمين ونباهتهم في علاجها، لكي لا نعطي الفرصة لهجوم أعداء الإسلام 23.

على المسلمين أن يكونوا حذرين لا تخدعهم الحيل الدعائية للعدو، إن وحدتنا وتلاقي قلوبنا وانسجامنا هي ما تستهدفه أمواجهم المعادية. ينبغي أن لا نسمح للاختلاف أن يدبّ بيننا بذريعة التعدّد المذهبي وتنوّع الفرق.. ويجب أن لا تترك الفرصة لضغوطات الاستكبار المقترنة بالوعود أن تفت الإرادات وتصيبنا بالضعف.. كما لا ينبغي السماح لذلك النفر البعيد عن الإسلام أن يبادروا لبيان حلال الله واحرامه، ويخوضوا في تفسير آيات الله بلا طائل، ويشرحوا الإسلام ويبينوا المراد بشكل منحرف، خلافا لدعوة الإسلام ورسالته وبعيدا عن أهداف القرآن.

إذا تمّ الالتزام بهذه الجوانب ـ وسيتم ذلك ـ فسيكون بمقدور الإسلام أن يمدّ رايته لإنقاذ البشر في بقعة عظيمة من العالم 24.
إنّ كل ما يقع بنفع الإسلام اليوم، يكون مبغوضا من أعدائه، كل ما يساهم في تعزيز عظمة الإسلام ومجده، يكون مدارا لهجوم أعداء الإسلام أكثر مما سواء. هذه قضية كليّة.

يمكن الاستشهاد بمسألة الوحدة كمصداق دال على هذه القاعدة الكلية. فإذا كان اتحاد المسلمين مع بعضهم في العالم، هو أمر ضروري، وإذا كان الاتحاد ينفع الإسلام والمسلمين ـ وليس ثمّ من يشك من عقلاء العالم الإسلامي ومصلحيه بهذه المسألة ـ فعلينا أن نكون على ثقة أن مؤامرات الأعداء التي تستهدف هذه الوحدة، ستكون اليوم أكثر من أي وقت مضى 25.

تبذل اليوم جهود مضاعفة للحيلولة دون وحدة المسلمين، ولدفعهم للعمل ضدّ بعضهم بعضا. ومع هذه الجهود المعادية تزداد حاجة المسلمين للوحدة الآن أكثر من أي وقت مضى، وهدف الأعداء من هذه المساعي هو الحؤول دون تحقق حاكمية الإسلام وسيادته، هذه الحاكمية التي أضحت قريبة من مراحلها العملية. والشيء الطبيعي أن حاكمية الإسلام ورغبة المسلمين في التمسك بالإسلام لا يمكن أن يتحققا في ظل الاختلافات القائمة.

إنّ من أفجع العقبات التي تحول بين حاكمية الإسلام وسيادته، هي هذه الخلافات التي تصرف المجتمعات الإسلامية لخوض معركة داخلية فيما بينها، سواء أكان ذلك على مستوى البلد الإسلامي الواحد، أم على مستوى عدد من البلدان.

فلو قدّر وأن هاجمت منشورات وصحافة إحدى البلدان الإسلامية مذهبا من مذاهب الإسلام في بلد آخر، فستبادر منشورات وصحافة البلد المهاجم لشن هجوم إعلامي مضاد على البلد المهاجم. ومعنى ذلك أن معارك السياسة أقحمت في المجال الفكري والمذهبي والديني. وأخذت معركة التناحر والتقاتل بين المجموعات المختلفة، تأخذ من الفكر الديني والتعصب الديني غطاءا لها.

وهذه أكبر الموانع التي تحول دون تجسيد المسلمين عمليا لقضية سيادة الإسلام.
يتضح مما مرّ أنّ قضية التقريب بين المذاهب الإسلامية تشكل اليوم هدفا عاجلا وإلهيا، وهي مسألة حياتية مصيرية يجب السعي لتحقيقها، وهذا الفراغ الذي نواجهه في عصرنا الراهن تستدعي أن نملأه أكثر من أي زمان آخر. وما أسعد الإنسان الذي يستطيع أن يملأ فراغات عصره ويدرك احتياجات لحظته ويلبّيها.

بعض الأعمال لها لحظة خاصة، فإذا نفّذت في لحظتها أصبحت مفيدة، أمّا إذا تخلّف عنها تلك اللحظة، فلا يكون لها مثل ذلك الفائدة 26.
السادة العلماء، إذا أردنا أن ندافع عن الإسلام الذي أضحى له في دنيا السياسة، المعاصرة كل هذه القوة، فإن على كل جماعة مسؤولية ينبغي أن تنهض بها. فوظيفتنا نحن المعممين، أن نسوق حركة المجتمع صوب المعنوية وعالم المعنى.. والمعنوية المنطقية الصادقة.

ينبغي أن لا يرشح عن حملة راية الدين ينبىء عن الابتعاد عن المعنوية، وإلاّ عاد ذلك بالضرر على مسار الحركة نحو المعنوية وعالم المعنى.
وإذا ترشحت في النهج العملي لحملة راية الدين قضايا من قبيل العلاقة بالدنيا وزخارفها، وعبادة الذات وتضخيم (الأنا)، والنزاع على أمور الدنيا، فإنّ ذلك سيعود بالضرر على المسار.

أوروبا اليوم تتحرك نحو الدين وعالم المعنى.. فها هي الكنائس والقسس والآداب الدينية تعود للظهور في بلدان لم تكن تعرف هذه الممارسات في فترة تراوحت بين 30ـ 50 سنة، باختلاف البلدان، وهي تكتسب هناك اتجاها عاما بين الناس.

والترقب المنطقي يملي على الفكر الإسلامي أن يكون هو المنقذ في تأمين الرصيد المعنوي (الذي تحتاج إليه الإنسانية) ويجب أن تبذل المساعي أكثر في هذا الاتجاه إن شاء الله.

والشرط الأساس لذلك هو الاتحاد وحدة الكلمة سواء على مستوى العالم الإسلامي حيث يتمثل الجهد يحذف الاتجاهات الوطنية والقومية المتعصبة، عربية وفارسية وتركية وتجاوز نزعاتها التجزيئية. أم تمثل ذلك على مستوى الاختلافات المذهبية بين الشيعة والسنة، وفيما يبرز من اختلافات بين فرق السنة واتجاهاتهم، وفرق الشيعة واتجاهاتهم.

ينبغي أن نتكىء على نقاط الاشتراك، وتبقى نقاط الاختلاف أيضا، ذلك أنّ الاختلاف لا يعني في جميع الحالات التخاصم والتنازع. فمن أشكال الاختلاف التي لا تبعث على التخاصم، أن يتبع أحدهم فقها معينا ويتبع الآخر فقها آخر، أو أن يقوم بعضها باتباع منهج كلامي معين، فيما يقوم الآخرون باتباع مذاق ونهج آخر.

العصر الراهن لم يعد شبيها بما كان في عصر بني العباس ـ مثلا ـ حيث احتدم الصراع بين الاتجاهات الكلامية المختلفة، من قبيل الحروب التي انبثقت بين الأشاعرة والمعتزلة، أو الصراع المذهبي الذي حصل في الإسلام بين الشيعة والسنة. ينبغي أن يكون المسلمون اليوم يدا واحدة 27.

تصدير الثورة معناه بث الثقافة الإسلامية الأصيلة

ما انتصار الثورة الإسلامية، انبثقت حركة لم تنته بنهاية الحرب، ولم تتوقف بوفاة الإمام ـ رضوان الله عليه ـ كما أنها لا تنتهي بوقوع الحوادث المختلفة. هذه الحركة ما زالت مستمرة ونحن بعد في وسط الطريق. وإذا أراد الله (سبحانه) فسنرى وقائع ومراحل مختلفة وسنشهد أشياء كبيرة تقع في المستقبل.

التأريخ في طور التحوّل، وأنا وأنتم نعاصر احدى المنعطفات المهمة في حركة التأريخ، والمنعطفات تطوى في سنوات متمادية، ولكن يحصل في حركة التأريخ أحيانا، أن عمر جيل كامل أو جيلين يكون معادلا للحظة واحدة (كناية عن سرعة التحولات التأريخية) ونحن اليوم نعاصر أحد أهم هذه المنعطفات الأساسية، ونعيش في نقطة التغيّر.

إذا أردنا أن نعود القهقرى الى عصر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لرأينا ذلك العصر قد شهد مثيلا لهذه التحولات الأساسية والسريعة، وذلك برغم أن الذين كانوا يعيشون الحدث عن قرب ويتماشون معه، لم يكونوا يدركوا ـ باستثناء ثلة من الأذكياء ـ قيمة أعمالهم وآثارها والطبيعة التي تكتنهها هذه الأعمال. ولكن بمقدوركم اليوم أن تدركوا جيدا طبيعة الحركة التي انجزت في عصر صدر الإسلام، وجوهر الملحمة التأريخية التي كانت تصنع.

بديهي هذا الكلام لا يعني مقارنة ما يجري في العصور الأخرى، مع ما كان قد جرى في العصر النبوي الوضّاء. وإنما يعنينا أن نؤكد إننا اليوم صنّاع مرحلة تحوّل في التأريخ، بل من الأحسن أن نقول أنّ العالم اليوم على مشارف تحوّل ومنعطف تأريخي كالذي حصل في ذلك العصر.

المعاصرون لتلك المرحلة لم يكونوا يصدقون عمق التحوّل وأهميته، وعليكم ان لا تظنّوا بأنّ القوى المتسلطة على العالم آنئذ كانت ترى نفسها وقوتها، بأقل مما ترى أميركا نفسها، أبدا، كانت تلك القوى تعيش الاحساس بالقوى كما تعيشها القوى المعاصرة.

انتبهوا الى طبيعة تعامل أولئك مع الأنبياء. ماذا كانوا يقولون لهم.. وانظروا مقدار الاحتقار الذي كانت تحمله تلك الحضارات (البائدة) لمن يبشر بدعوة تختلف مع أهوائهم وانحرافاتهم.

الآيات الكريمة الآتية تحدثنا عن مثل لما جرى لثلاثة من الرسل بعثوا الى أهل انطاكية، يقول تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ*إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ يس /13-14 لم تكن الرسالة التي يحملها الخطاب النبوي موجهة لأناس مستضعفين من سكّان الجبال أو أهل الغارات، بل كان مخاطب الرسل الكرام، الإمبراطورية الرومية، بكل أبهتها وجلالها ومالها من آثار تأريخية عظيمة. قالت رسل الله لهؤلاء: ﴿إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ. وهذه تعدّ كلمة في البيان القرآني المبني على الايجاز، بيد أنّ المهمة لم تكن بهذه البساطة، أي أنّ رسل الله الثلاثة لم يجمعوا أهل انطاكية ويخطبوهم في مكان واحد. بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ. نستطيع أن ننعطف الى مثال معاصر يقرّب الصورة. فقد حمل إمامنا العزيز خلال عشر سنوات رسالة الانقاذ ذاتها الى البشرية، خاطب الانسانية: ايتها البشرية الغافلة ! أيّها الإنسان المغلول بأسر عدد من الاستقطابات السياسية والصناعية في العالم ! أيتها الشعوب المستضعفة المحتقرة ! جئنا نتحدّث إليك، نحمل لك كلمة الحق ورسالة الانقاذ.

لقد دأب الإمام الخميني الراحل على قولها عشر سنوات: ﴿إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُون. وربما كان أنبياء الله، قد بلّغوا كلمتهم هذه طوال مدة.

ولكن ماذا كان الجواب؟﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُون يس /15. كلمات استهانة وتكذيب واجهوا بها رسل ا لله.. ما هي رسالتكم، وما هو الجديد الذي تحملوه للبشرية؟ إنكم كبقية خلق الله، ليس لكم خصوصية ولا لكلامكم، وقد قلتم الذي قلتموه من عندكم !.

النغمة تلك التي تكلم بها أولئك، تعود بما يقوله الآن اصحاب الرساميل الماديون، كما يتقولها حملة راية الدفاع عن الشعوب.. كلامهم نفس الكلام، (تشابهت قلوبهم).

أجاب أنبياء الله: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ *وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِين يس /16-17.
قالت رسل الله: ارجعوا الى ضمائركم... الى أديانكم.. الى علمائكم الصالحين وإن وجدوا.. نريد أن نبث إليكم كلمة الهدى التي نحملها..

نحمل إليكم رسالة.. لنا معكم كلام، لا ينبغي أن ندور أطراف العالم، إنما نريد أن نخلق الدوافع لديكم.
إن تصدير فكر الثورة وثقافتها هو الشيء الذي يخشاه العدو ويخاف منه أكثر من أي شيء آخر.وكلما تحدّث الطرف الأول عن البلاغ المبين. تتنمر الجبهة المقابلة وتتجاوز هذه المرّة مستوى الردع بالكلام التافه الى الردع وانزال العذاب.

﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيميس /18. لم يقتصر الموقف المعادي لجبهة الأنبياء. على الضحك وإثارة السخرية، بل اصطفت القوى المعادية وتلاقت في جبهة واحدة.. توعدوا الرسل الكرام أن يكفوا عن رسالة الهدى التي يحملونها.. فرسالتهم كما يزعم أولئك هي بضرر البشرية، وعليهم أن ينفضوا أيديهم عن تبليغها، إلاّ سيكون العذاب الأليم بانتظارهم.

لم يترك رسل الله الساحة، بل واجهوا الموقف، ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُون يس /19.
هذه قاعدة مطردة، كانت وما تزال وستبقى، فقد وقف طلاب الدنيا وأهلها في مواجهة حركة النبوة، وواجهوا الأنبياء بقسوة، وعاملوهم بعنف.. بقلوب باردة. ولكن كانت الهزيمة في نهاية المآل هي من نصيب الجبهة المستكبرة دائما وفي جميع المواطن.

التأريخ يتكامل يوما بعد آخر، وهذا هو التفسير الإلهي للتاريخ ولتكامل التاريخ.
الماركسيون الغافلون الذين بلعوا الطعم، ومرروا على أنفسهم الفهم المنحرف. فعادوا يفسرون التكامل على أساس التعقيد. فذهبوا الى أنّ المجتمع المتكامل هو المجتمع المعقد، فكلما كان العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. والتقدم التكنولوجي (وسائل الانتاج) أكثر تعقيدا كلما أضحى المجتمع أكثر تكاملا.

في حين يعني التكامل، في رؤيتنا ـ الادراك الأفضل للمفاهيم العالية ـ وانتشار الاخلاق العالية، على مدى أوسع، بحيث يخطو ـ الإنسان والمجتمع ـ خطوة الى الأمام نحو المعرفة الصحيحة.

لقد تقدمت البشرية تدريجيا على هذا المسار. الى أن بلغت عصر نبوى الن

18-09-2014 عدد القراءات 5859



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا