11 كانون الأول 2019 م الموافق لـ 14 ربيع الثاني 1441 هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: سيرة النبي الأكرم(ص)

ألم يجدك يتيماً فآوى



يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى* وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى* وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ1.

تمهيد


كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوحي بين الفترة والأخرى، يسمعه كلام الله يثبّت به فؤاده، ويؤنسه ويفرحه، ويوصل إليه التعاليم الإلهيّة والإرشادات الربّانية، فكان يجد بذلك رسول الله أنساً لوحشته، وعوناً في تبليغ رسالته، وسكناً يرتاح إليه، وفجأة انقطع عنه الوحي لفترة من الزمن، لحكمة إلهيّة يعلمها الله ورسوله، فأثّر ذلك في قلب رسول الله واستوحش فيها لفقد كلام حبيبه، ومما زاد على قلب رسول الله أن بدأ بعض المنافقين يعيّرونه بذلك، ويؤذونه بأنّ الله قد قلاه وبغضه وودّعه وتركه، فكان أن أرسل الله إليه جبرائيل عليه السلام يسكّن اضطراب قلبه المشتاق، فكانت سورة الضحى.

ففي الرواية عن ابن عباس أنّه قال: احتبس الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسة عشر يوماً، فقال المشركون إنّ محمّداً قد ودّعه ربّه وقلاه، ولو كان أمره من الله تعالى لتتابع عليه، فنزلت السورة وروي أنّه لما نزلت السورة قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لجبرائيل عليه السلام: "ما جئت حتّى اشتقت إليك، فقال جبرائيل عليه السلام: وأنا كنت أشدّ إليك شوقاً ولكنّي عبد مأمور وما نتنزّل إلّا بأمر ربّك"2.

النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تغمره ألطاف اللّه في بداية السورة المباركة يوجد قَسَمان: الأوّل قسم بالنور، والثاني قسم بالظلمة، ويقول سبحانه والضحى وهو قسَم بالنهار - حين تغمر شمسه كلّ مكان. والليل إذا سجى أي إذا عمّت سكينته كلّ مكان. "الضحى" يعني أوائل النهار، أي حين يرتفع قرص الشمس في كبد السماء، ويعمّ نورها الأرض، وهو في الحقيقة أفضل ساعات النهار، لأنّه شباب النهار، وفيه لا يكون الجوّ حارّاً في فصل الصيف، ويكون الدفء قد عمّ في فصل الشتاء وتصبح خلاله روح الإنسان مستعدّة لممارسة النشاط.

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى3 أي سكن، والليلة الخالية من الرياح تسمّى "ليلة ساجية" أي هادئة4، والبحر حين يستقر ويخلو من الأمواج الصاخبة يسمّى "بحر ساج"5.

والمهمّ في الليل هدؤوه وسكينته ممّا يضفي على روح الإنسان وأعصابه هدوءاً وارتياحاً، ويعدّ الإنسان لممارسة نشاط يوم غد، وهو لذلك نعمة مهمّة استحقّت القسَم بها. وبين القسمين ومحتوى السورة تشابه كبير وارتباط وثيق. النهار مثل نزول نور الوحي على قلب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، والليل كانقطاع الوحي المؤقت، وهو أيضاً ضروريّ في بعض المقاطع الزمنيّة. وبعد القسمين، يأتي جواب القسم، فيقول سبحانه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى6. "قلى" من "قلا" - على وزن صدا -، وهو شدّة البغض7.

وفي هذا التعبير سكن لقلب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتسلية له، ليعلم أنّ التأخير في نزول الوحي إنّما يحدث لمصلحة يعلمها الله تعالى، وليست - كما يقول أعداء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم - لترك الله نبيّه أو لسخطه عليه. فهو مشمول دائماً بلطف الله وعنايته الخاصّة، وهو دائماً في كنف حماية الله سبحانه.

والله تبارك وتعالى يتابع خطابه لمحبوبه فيقول له: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى8، فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الدنيا مشمول بألطاف الله تعالى، وفي الآخرة أكثر وأفضل. وهو آمن من غضب الله في الأمد القريب والبعيد.

وباختصار هو عزيز في الدنيا والآخرة، وقيل إنّ "الآخرة" و "الأولى" يشيران إلى بداية عمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ونهايته، أي إنّك ستستقبل في عمرك نصراً ونجاحاً أكثر ممّا استدبرت.
 
الهبة الإلهيّة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مقام الرضا تأتي البشرى للنبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم لتقول له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى9، وهذا أعظم إكرام وأسمى احترام من ربّ العالمين لعبده المصطفى محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. فالعطاء الربّاني سيغدق عليه حتّى يرضى و حتّى ينتصر على الأعداء ويعمّ نور الإسلام الخافقين، كما أنّه سيكون في الآخرة أيضاً مشمولاً بأعظم الهبات الإلهيّة.

والنبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره خاتم الأنبياء عليهم السلام ، وقائد البشريّة، لا يمكن أن يتحقّق رضاه في نجاته فحسب، بل إنّه سيكون راضياً حين تقبل منه شفاعته في أمّته. ومن هنا جاءت الروايات لتؤكد أن هذه الآية أكثر آيات القرآن الكريم دلالة على قبول الشفاعة منه عليه وآله أفضل الصلاة والسلام. فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أشفع لأمّتي حتّى يناديني ربّي: أرضيت يا محمّد؟ فأقول: نعم يا ربّ رضيت"10.


الشكر على كلّ هذه النعم الإلهيّة

إنّ الهدف من هذه السورة المباركة تسلية قلب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبيان ألطاف الله الّتي شملته، وهذه الآيات المذكورة أعلاه تجسّد للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث هبات من الهبات الخاصّة الّتي أنعم الله بها على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ثمّ تأمره بثلاثة أوامر.

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى11: فقد كنت في رحم أمّك حين توفّي والدك فآويتك إلى كنف جدّك عبد المطلب "سيّد مكّة". وكنت في السادسة حين توفيّت والدتك، فزاد يتمك، لكنّني زدت حبّك في قلب "عبد المطلب". وكنت في الثامنة حين رحل جدّك "عبد المطلب"، فسخّرت لك عمّك "أبا طالب"، وليحافظ عليك كما يحافظ على روحه. نعم، كنت يتيماً فآويتك.

﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى12: نعم، لم تكن أيّها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على علم بالنبوّة والرسالة، ونحن أنزلنا هذا النور على قلبك لتهدي به الإنسانيّة، وهذا المعنى ورد في قوله تعالى أيضاً: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا13.

﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى14. لقد جعلناك تستأثر باهتمام "خديجة" هذه المرأة المخلصة الوفية لتضع كلّ ثروتها تحت تصرفك ومن أجل تحقيق أهدافك، وبعد ظهور الإسلام رزقك مغانم كثيرة في الحروب ساعدتك في تحقيق أهدافك الرسالية الكبرى.

وقد ورد عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام في تفسير هذه الآيات قال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى15، قال: "فرداً لا مثيل (له) في المخلوقين، فآوى

الناس إليك. ووجدك ضالاً أي ضالة في قوم لا يعرفون فضلك فهداهم إليك. ووجدك عائلاً، تعول أقواماً بالعلم فأغناهم بك"16، 17.

إنّ هذه الآيات في الواقع هي بيان ما أغدق الله على نبيّه من ألطاف وإكرام واحترام، حين يتحدّث المحبوب عن ألطافه بحقّ العاشق الواله، فإنّ حديثه هذا هو عين اللطف والمحبّة، وهو دليل على عنايته الخاصّة، والعاشق بسماعه هذه الألفاظ تسري في جسده روح جديدة، وتصفو نفسه ويغمر قلبه سكينة وهدوء.

فقد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لأبويه لقد شاءت الإرادة الإلهيّة أن يفقد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أباه وهو لا يزال جنيناًً. ثمّ فقد أمّه بعد عودته من بني سعد، وهو في الرابعة من عمره، أو في السادسة، على اختلاف الروايات. وقد استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربّه في زيارة قبر أمّه، فأذن له. فقد روى مسلم في صحيحه، أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "استأذنت ربّي في زيارة أمّي، فأذن لي، فزوروا القبور تذكّركم الموت"18.

﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ19: أي لا تحقّر، وهذا يدلّ على أن هناك مسألة أهمّ من الإطعام والإنفاق بشأن الأيتام، وهي اللطف بهم والعطف عليهم وإزالة إحساسهم بالنقص العاطفي، ولذا جاء في الحديث المعروف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من مسح رأس يتيم، كانت له بكلّ شعرة مرّت عليها يده حسنات"20. كأن الله يخاطب نبيّه قائلاً: لقد كنت يتيماً أيضاً وعانيت من آلام اليتم، والآن عليك أن تهتمّ بالأيتام كلّ اهتمام وأن تروي روحهم الظمأى بحبّك وعطفك.

وقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم انّه قال: "إذا بكى اليتيم وقعت دموعه في كف الرحمن"21.

﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ22. فلا تردّه بخشونة، واعطف عليه وارحمه وأحسن ملقاه.

﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ23، فقد كان النبيّ يحدّث الناس بنعم الله تعالى عليه قولاًش وفعلاً.

كفالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لقد عاش صلى الله عليه وآله وسلم في كنف جدّه عبد المطلب، الّذي كان يرعاه خير رعاية، ولا يأكل طعاماً إلّا إذا حضر، وكان عارفاً بنبوّته حتّى روي أنّه قال عنه لمن أراد أن ينحّيه عنه، وهو طفل يدرج: "دع ابني فإنّ الملك قد أتاه"24.

في السنة الثامنة من عمره صلى الله عليه وآله وسلم توفّي جدّه عبد المطلب، فاختار الله له أبا طالب رحمه الله ليكفله، ويقوم بشؤونه، ويحرص على حياته، رغم أن أبا طالب لم يكن أكبر ولد عبد المطلب سنّاً، ولا أكثرهم مالاً، لأنّ الأسنّ فيهم كان هو الحارث، والأكثر مالاً هو العبّاس. ولكن عذر العبّاس هو أنّه كان حينئذ صغيراً أيضاً، لأنّه كان أسنّ من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين فقط، كما يقولون.

كما أنّ أبا طالب قد كان شقيق عبد الله والد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لأبيه وأمّه، فإنّ أمّهما هي فاطمة المخزومية، وطبيعيّ أن يكون لأجل ذلك أكثر حناناً وعطفاً عليه وحبّاً له. ثمّ إنّ أبا طالب الّذي كان هو وزوجته أم أمير المؤمنين عليه السلام يحملان نور الولاية، قد كانا يحملان من المكارم والفضائل النفسيّة والمعنويّة ومن الطهارة ما يؤهّلهما لأن يكونا كفيلين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبوين لوصيّه، وللأئمّة من ذرّيته.

 وقد عهد عبد المطلب إلى أبي طالب عليه السلام بمهمّة كفالته صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنّه كان بالإضافة إلى ما تقدّم أنبل إخوته، وأكرمهم، وأعظمهم مكانة في قريش، وأجلّهم قدراً. ولقد قام أبو طالب عليه السلام برعايته صلى الله عليه وآله وسلم خير قيام، ولم يزل يكرمّه ويحبّه غاية الحبّ، وينصره بيده ولسانه طول حياته.

القيادة المنطلقة من المعاناة والآلام الآيات الكريمة في هذه السورة، ضمن سردها النعم الإلهيّة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، تعكس أيضاً مسألة يتم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في صباه، وظروفه الماديّة الصعبة الّتي عاناها، والأتعاب والآلام الّتي قاساها، وقد انطلق من بين هذه الآلام، وعلى القائد الإلهيّ الإنسانيّ أن يدرك صعوبة ومرارة العيش، ويتلمّس بنفسه الظروف القاسية، ويشعر بكلّ وجوده الحرمان، كي يستطيع أن يتفهّم صحيح ما تعانيه الفئات المحرومة، ويتحسّس آلام الناس ومعاناتهم في معيشتهم. عليه أن يشعر بآلام الأطفال الأيتام، أن يبقى كي يعيش آلام الجياع، ويتحمّل أتعاب المحرومين والمظلومين، لذلك كانت تغرورق عيناه بالدموع حين يرى يتيماً، وكان يضمّ ذلك اليتيم إلى صدره ويداعبه بكلّ حرارة.

والقائد الربانيّ كنبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم كان يتفهّم ما يعانيه مجتمعه من فقر ثقافي، ويعتزّ بكلّ من يأتيه لطلب المعرفة أو العلم، ويستقبله بصدر رحب.

النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم راعياً للغنم في حديث عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام: "ما بعث الله نبيّاً قط حتّى يسترعيه الغنم يعلّمه بذلك رعيّة الناس"25.

إنّ في رعي الغنم دروساً في تحمّل الآلام، وفي الصبر أمام موجود ضعيف قليل الشعور، كما أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم استلهام دروس التوحيد والعرفان من خلال حياة الصحراء والعيش في أحضان الطبيعة. وفي رواية أن موسى بن عمران عليه السلام سأل ربّه عن سبب اختياره لمقام النبوّة، فجاءه الجواب: "أتذكر يوماً أنّ حملاً قد فر ّمن قطيع غنمك فتبعته حتّى أخذته ثمّ قلت له: لماذا أتعبت نفسك، ثمّ حملته على كتفك، وجئت به إلى القطيع، ولذلك اخترتك راعياً لخلقي"26، وهذا يعني أنّ الله تعالى رأى في النبيّ موسى عليه السلام قدرة فائقة على التحمّل تجاه هذا الحيوان ممّا يدلّ على قوة روحيّة فائقة أهلته لهذه المنزلة الكبيرة.

لماذا الرضاع في البادية؟

كان إرسال الأطفال إلى البادية للرضاع، هو عادة أشراف مكّة، حيث يرون أنّ بذلك ينشأ أطفالهم: أصحّ أبداناً، وأفصح لساناً، وأصفى فكراً وقريحة، وهي نظرة صحيحة وسليمة، وذلك لما يلي:
أ-أمّا كونهم: أصحّ أبداناً، فلأنّهم يعيشون في الهواء الطلق، ويواجهون مصاعب الطبيعة فتصير لديهم مناعة طبيعيّة تجاه مختلف المتغيّرات، في مختلف الظروف.

ب- وكونهم أفصح لساناً، من حيث إنّهم يقلّ اختلاطهم بأهل الأقطار الأخرى، من الأمم الأخرى، على العكس من سكّان المدن، ولا سيّما مكّة، الّتي كانت تقيم علاقات تجاريّة بينها وبين سائر الأقطار والأمم. ولها رحلتا الشتاء والصيف، إلى البلاد الّتي تتاخم البلاد الأجنبيّة، الّتي لا يبعد تأثّرها بها - قليلاً كان ذلك أو كثيراً-.

ج - وأمّا أنّهم أصفى فكراً وقريحة، فهو لأنّ الإنسان يبتعد حينئذ عن هموم المدينة، وعن علاقاتها المعقّدة والمرهقة، حيث لا يواجه في البادية إلّا العيش الساذج والبسيط، والحياة على طبيعتها. ولا يتأثّر فكره وعقله، بالمفاهيم والأفكار الّتي تفرضها تلك الحياة المثقلة بالعلاقات المنحرفة، ثمّ هو يجد الفرصة للتأمّل والتفكير والتعرّف على أسرار الطبيعة والكون، ولو في حدود عالمه الناشئ المحدود، ومداركه الناشئة أيضاً. وليكون من
ثمّ ذا فكر مبدع خلاّق، وقريحة صافية وغنيّة. ولكن بشرط عدم الاستمرار في هذه الحياة طويلاً، فإنّ الاستمرار في حياة البادية من شأنه أن يجعل الإنسان يعاني من الجمود والانغلاق، ثمّ هو يكون لنفسه مفاهيم وأفكاراً، يحوّلها الزمن إلى حقائق لا تقبل الجدل عنده، ويصير من الصعب عليه قبول أي رأي آخر يسير في غير اتجاه قناعاته وأفكاره، فإنّ تدرّب الإنسان على أن يسمع النقد والمخالفة في الرأي يبعده عن الاستبداد الفكريّ، ويجعله يبحث عن الدليل، والمبرّر لكلّ فكرة لديه. وإلّا، فإنّه يصير على استعداد للتخلّي عنها إلى غيرها ممّا يستطيع أن يدافع عنه ويستدل عليه. وهذا أمر طبيعي يعرفه الإنسان بالمشاهدة، ويستدلّ عليه بالتقصيّ والتجربة.

* كتاب إلا رحمة للعالمين، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- سورة الضحى، الآيات: 1 11.
2- الكافي، الشيخ الكليني، ج6،ص492.
3- سورة الضحى، الآية: 2.
4- تاج العروس،ج19،ص508.
5- لسان العرب،ج14،ص371.
6- سورة الضحى، الآية: 3.
7- مفردات الراغب،ص412.
8- سورة الضحى، الآية: 4.
9- سورة الضحى، الآية: 5.
10- الميزان للطباطبائي، ج20، ص 308.
11- سورة الضحى، الآية: 6.
12- سورة الضحى، الآية: 7.
13- سورة الشورى، الآية: 52.
14- سورة الضحى، الآية: 8.
15- سورة الضحى، الآية: 6.
16- بحار الانوار،ج16،ص139.
17- راجع: تفسير الأمثل، ج 20، ص 280 283.
18- كشف الغمة، ج 1، ص 16، عن مسلم، وصحيح مسلم ط سنة 1334،ج 3،ص 65، وتاريخ الخميس، ج،1 ص 335، والحديث موجود في مصادر عديدة كما يظهر من مراجعة كتاب الجنائز في كتب الحديث.
19- سورة الضحى، الآية: 9.
20- مستدرك الوسائل، ج1، ص 148.
21- تفسير الفخر الرازي، ج 31، ص 219.
22- سورة الضحى، الآية: 10.
23- سورة الضحى، الآية: 11.
24- الكافي،ج 1، ص 372.
25- مستدرك الوسائل، ج 9، ص 514.
26- تفسير الامثل،ج20،ص287.

10-02-2015 عدد القراءات 4258



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا