10 كانون الأول 2019 م الموافق لـ 13 ربيع الثاني 1441 هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: سيرة النبي الأكرم(ص)

محمّد صلى الله عليه وآله وسلم حبيب المؤمنين



‬يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ1


تمهيد


ورد في سبب النزول أنّه ادعى جمع من الحاضرين في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّهم يحبّون الله، مع أنّ العمل بتعاليم الله كان أقلّ ظهوراً في أعمالهم. فنزلت هاتان الآيتان بشأنهم2.

تقول الآية أنّ الحبّ لا يكون بالارتباط والميل القلبيّ فحسب، بل يجب أن تظهر آثاره في عمل الإنسان. فإنّ دعوى الحبّ لله إذا كانت صادقة ينبغي أن تظهر وتتجلّى في أعمال الشخص الّذي يدّعيه، هل يتبع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حقّاً أم لا: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي3.

فإنّ من آثار الحبّ واقعاً ميل وانجذاب المحبّ نحو المحبوب، في أقواله وأفعاله وأعماله، بحيث يستجيب المحبّ للمحبوب في كلّ أوامره ونواهيه، وإلّا لو كان المحبّ للمحبوب عاصياً ومتمرّداً، فهذه علامة على أنّ حبّه غير حقيقيّ بل ادعائيّ لا يتجاوز لسانه.

وهذا ليس خاصّاً بمن نزلت فيهم الآيتان، بل يعمّ جميع العصور والشعوب، فإنّ الذّين يدّعون محبّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام والمجاهدين والشهداء والصالحين والمتّقين, ولكنّ أعمالهم أبعد ما تكون عن مشابهة أولئك, هم كاذبون.

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "ما أحبّ الله عزّ وجلّ من عصاه".

ثمّ قرأ الأبيات:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه                  هذا لعمرك في الفعال بديع
لو كان حبّك صادقاً لأطعته                    إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع4


إذا كنّا حقّاً نحبّ الله بحيث ظهرت آثار ذلك الحبّ في أعمالنا وأخلاقنا، من خلال اتباع من فرض الله طاعته: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي5، فإنّ الله تعالى سيحبّنا أيضاً بالمقابل: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللّهُ6، وسوف تظهر آثار حبّه لنا من خلال غفران الذنوب، وشمولنا برحمته الّتي وسعت كلّ شيء: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ7، وهذا معنى شفاعة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم.

فما هو معنى الحبّ؟

معنى الحبّ

فالحبّ: هو الوداد والمحبّة8 والميل الشديد، ويُقابله البغض والتنفّر. والتحبّب هو إظهار الودّ والحبّ.

فالحبّ: هو الميل القلبيّ والباطنيّ نحو المحبوب، فلا يكون الشيء محبوباً إلاّ إذا

مالت النفس إليه. وهذا الميل ذو درجات ومراتب، فإذا قوي هذا الميل واشتدّ سُمّي عشقاً9.

أي أنّ الحبّ هو تعلّق خاصّ وانجذاب مخصوص شعوريّ بين الإنسان وبين كماله10.

فمحبّة العبد لله تعالى لِما أنّ الذّات الإلهيّة هي الكمال المطلق غير المتناهي، والإنسان مفطور على حبّ الكمال والميل نحو كماله المطلق، ولا يرضى بكمال محدود حتّى يطلب كمالاً آخر أشدّ وجوداً وأكثر كمالاً.

وأما محبّة الله عبده فلِما أنّ الذات تحبّ آثارها، وصاحب الكمالات والأسماء الحسنى يحبّ مظاهر كماله وتجلّيات أسمائه، وكلّما كان الأثر أكثر دلالةً على ذي الأثر، والمظاهر على الكامل المطلق، اشتدّ الحبّ، والأثر لا يكون أكثر دلالةً على الذات إلّا
بالطاعة والفناء بها، وكذا المظاهر والتجلّيات لا يشتدّ تجلّيها وظهورها إلّا بالقرب من المتجلّي والظاهر. فأحبّ الموجودات إلى الله تعالى هو أقربهم إليه من حيث الكمال والمظهريّة والتجلّي، وهو النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

درجات الحبّ

لمّا كان الحبّ عبارة عن تعلّق وجوديّ بين المحبّ والمحبوب، فهو يسري في جميع الموجودات، وهو من المفاهيم المشكّكة أي له مراتب متفاوتة من حيث الشدّة والضعف والدرجة والمرتبة، لذا مراتب الحبّ عديدة ويمكن ذكر بعضها:
الدرجة الأولى: وهي ادعاء الحبّ على مستوى اللسان. وهذا ليس حبّاً حقيقيّاً، وليس درجة أو مرتبة حقيقيّة.

الدرجة الثانية: وهي الحبّ بمعنى التعلّق القلبي والميل النفسيّ، وهذا قد يكون منشؤه العصبيّة والشعور بالانتماء، وليس هذا هو الحبّ المطلوب.

الدرجة الثالثة: الحبّ القلبيّ الحقيقيّ، بحيث يسري الحبّ من القلب إلى سائر الجوارح، فتظهر آثار هذا الحبّ في عمل الإنسان وأخلاقه وسيرته، وهذا هو الحبّ المطلوب.

وقد يشتدّ هذا الحبّ من خلال المتابعة والالتزام بالتعاليم النبويّة، حتّى يصير المحبوب مقدمّاً على الأولاد والعشيرة والممتلكات والتجارات وغير ذلك، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ11، وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ12.


حب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالعمل بأخلاقه

لما كان النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم حبيب الله تعالى, فكلّ من يدّعي المحبّة لله لزمه حبّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه -كما سبق, ومحبّته إنّما تكون بمتابعته وسلوك سبيله, قولاً وعملاً وخُلُقاً وسيرةً وعقيدةً، ولا تصدق دعوى المحبّة إلّا بهذا, فمن لم يكن له من أخلاقه وسيرته‏ صلى الله عليه وآله وسلم نصيب، لم يكن له من المحبّة نصيب، وإذا تابعه حقّ المتابعة ناسب باطنه وسرّه وقلبه ونفسه باطن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسرّه وقلبه ونفسه.


من تجلّيات الحبّ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

إنّش لحبّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تجلّيات وعلامات عدّة، منها:

1- طاعة الله والعمل الصالح الموصل لمحبّة الله
يقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ13.

أي ما دمتم تدّعون الحبّ لله, إذاً اتبعوا أمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم, وإن لم تفعلوا فلستم تحبّون الله, والله لا يحبّ هؤلاء ﴿فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ14.

ويستفاد من الآية أنّ إطاعة الله وإطاعة رسوله لا تنفصلان, وأن إطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي إطاعة الله, وإطاعة الله هي إطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولطاعة الله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم آثار عديدة، منها:
أ- دخول الجنّة، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ15.

ب- مرافقة النبيّين عليهم السلام والصدّيقين والشهداء، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ.

ج- الفوز، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ16.

2- العمل بتعاليم وآداب الإسلام
فإنّ من علامة المحبّ العمل بما يحبّه محبوبه ويقرّبه منه، روى جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: "يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا إلّا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلّا بالتواضع والتخشّع والأمانة، وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلّا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء".

قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله ما نعرف اليوم أحداً بهذه الصفة، فقال: "يا جابر لا تذهبنّ بك المذاهب حسب الرجل أن يقول: أحبّ عليّاً وأتولاه ثمّ لا يكون مع ذلك فعّالاً؟ فلو قال: إنّي أحبّ رسول الله، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرٌ من عليّ عليه السلام ، ثمّ لا يتّبع سيرته ولا يعمل بسنّته، ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ (وأكرمهم عليه) أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر والله ما يتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلّا بالطاعة وما معنا براءة من النار ولا على الله لأحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، وما تنال ولايتنا إلّا بالعمل والورع"17.

يقول الإمام الخميني قدس سره: "إنّ ادعاء المحبّة من دون دليل وبيّنة لا يكون مقبولاً، إذ لا يمكن أن أكون صديقك وأضمر لك الحبّ والإخلاص، ثمّ أقوم بكلّ ما هو مناقض لرغباتك وأهدافك. إنّ شجرة المحبّة تنتج وتثمر في الإنسان المحبّ، والعمل حسب درجة المحبّة ومستواها. فإذا لم تحمل تلك الشجرة هذه الثمرة فلا بدّ من معرفة أنّها لم تكن محبّة حقيقيّة، وإنّما هي محبّة وهميّة.. فمحبّ أهل البيت عليهم السلام هو الّذي يشاركهم في أهدافهم، ويعمل على ضوء أخبارهم وآثارهم... وإنّ المؤمن إذا لم يعمل بمتطلّبات الإيمان وما تستدعيه محبّة الله وأوليائه، لما كان مؤمناً ومحبّاً، وإنّ هذا الإيمان الشكليّ والمحبّة الجوفاء من دون جوهر ومضمون"18.

3- زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
لا يخفى على أحد ما للزيارة من ترسيخ علاقة أو ارتباط وتعلّق بمن نزوره، فكيف لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنّه الوسيلة إلى الله والشعيرة الّتي أُمرنا بتعظيمها: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ19.

وقد ورد في فضل وثواب زيارة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم روايات عدّة، منها ما عن الإمام الرضا عليه السلام: يا أبا الصلت إنّ الله فضّل نبيّه محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم على جميع خلقه من النبيّين والملائكة، وجعل طاعته طاعته، ومتابعته متابعته، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته، فقال: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ20، وعن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ21، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله"22.

وعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أتاني زائراً كنت شفيعه يوم القيامة"23.

وعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: "بينا الحسين بن عليّ في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ رفع رأسه فقال: يا أبه ما لمن زارك بعد موتك؟ فقال: يا بنيّ من أتاني زائراً بعد موتي فله الجنّة، ومن أتى أباك زائراً بعد موته فله الجنّة، ومن أتى أخاك زائراً بعد موته فله الجنّة. ومن أتاك زائراً بعد موتك فله الجنّة"24.

عن الإمام محمّد بن عليّ بن الحسين عليهم السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من زارني أو زار أحداً من ذريّتي زرته يوم القيامة فأنقذته من أهوالها"25.

4- دفع الأذى عنه صلى الله عليه وآله وسلم
يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت"26.

فقد نال صلى الله عليه وآله وسلم من أمّته- أعمّ من كفّارهم ومؤمنيهم ومنافقيهم- من المصائب والمحن وأنواع الزجر والأذى ما ليس في وسع أحد أن يتحمّله إلّا نفسه الشريفة27.

وهو - أرواحنا فداه - ما زال يتمّ توجيه الأذى والإساءة إليه حتّى بعد رحيله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما في زماننا هذا، سواء من قبل أعدائه أم من قبل بعض ممّن يدّعون اتباعه ومحبّته.

وكذلك ما نال عترته صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته بعد ارتحاله من قتل وظلم وجور.

فمن كان يدّعي الاتباع والمحبّة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا ينبغي أن يظلم ويكفّر غيره من المسلمين باسم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الّذي قال الله عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ28، وعلى المسلمين منع إساءة المنكرين لنبوّته صلى الله عليه وآله وسلم ، فكيف يقومون هم بالإساءة؟!


من آثار اتباع ومحبّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

1- محبّة الله
النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو مظهر المحبّة الإلهيّة، فيلزم أن يكون للمتابع والمطيع للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قسط من محبّة الله تعالى بقدر نصيبه من المتابعة والطاعة، فيلقي اللّه تعالى محبّته عليه بواسطة محبّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فيصير محبوباً لله، ومحبّاً له، ولو لم يتابع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بل خالفه، ابتعد عن وصف المحبوبيّة وزالت المحبّة عن قلبه، إذ لو لم يحبّه اللّه تعالى لم يكن محبّاً له، فيقع في الكفر: ﴿فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ29.

عن الإمام الصادق عليه السلام: "من سرّه أن يعلم أنّ الله يحبّه فليعمل بطاعة الله وليتّبعنا، ألم يسمع قول الله عزّ وجلّ لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ30؟، والله لا يطيع الله عبد أبداً إلّا أدخل الله عليه في طاعته اتباعنا، ولا والله لا يتبعنا عبد أبداً إلّا أحبّه الله، ولا والله لا يدع أحد اتباعنا أبداً إلّا أبغضنا، ولا والله لا يبغضنا أحد أبداً إلّا عصى الله، ومن مات عاصياً لله أخزاه الله وأكبّه على وجهه في النار"31.

وعنه عليه السلام:" فمن أحبّ الله أحبّه الله عزّ وجلّ، ومن أحبّه الله عزّ وجلّ كان من الآمنين"32.

2- غفران الذنوب
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ33.

إذا أحبّ الله عبداً غفر له ذنوبه وشملته رحمته، لأنّ محبّة الله عبده رضاه عنه، وهو سبب لغفران ذنوبه وكمال فوزه بالسعادة العظمى وكمال نور إيمانه ووجوب الجنّة له، فإذاً من آثار محبّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم غفران الذنوب.

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام - في خطبة له - قال: "وقال في محكم كتابه: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا34 فقرن طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، فكان ذلك دليلاً على ما فوّض إليه، وشاهداً له على من اتبعه وعصاه. وبيّن ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم، فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه، والترغيب في تصديقه والقبول لدعوته: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ35 فاتباعه صلى الله عليه وآله وسلم محبّة الله، ورضاه غفران الذنوب وكمال الفوز ووجوب الجنّة، وفي التولي عنه والإعراض محادّة الله وغضبه وسخطه. والبعد منه سكن النار، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ36 يعني الجحود به والعصيان له"37.

3- الشفاعة
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أُعطيت خمساً لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، ونصرت بالرعب، وأحلّ لي المغنم، وأعطيت جوامع الكلم، وأعطيت الشفاعة"38.

وسُئل الإمام أبو عبد الله عليه السلام عن شفاعة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة، قال: "يلجم الناس يوم القيامة العرق فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم يشفع لنا عند ربّه، فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا عند ربّك، فيقول: إنّ لي ذنباً وخطيئة فعليكم بنوح، فيأتون نوحاً فيردّهم إلى من يليه، ويردّهم كلّ نبيّ إلى من يليه حتّى ينتهون إلى عيسى فيقول: عليكم بمحمّد رسول الله فيعرضون أنفسهم عليه ويسألونه فيقول: انطلقوا، فينطلق بهم إلى باب الجنّة، ويستقبل باب الرحمن ويخرّ ساجداً فيمكث ما شاء الله فيقول الله عزّ وجلّ: ارفع رأسك واشفع تُشفع وسل تُعط، وذلك قوله: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا39"40.

وعن الإمام عليّ بن موسى الرضا، عن آبائه عليهم السلام ، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أربعة أنالهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذرّيّتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي في أمورهم ما اضطرّوا إليه، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه عندما اضطرّوا"41.


* كتاب إلا رحمة للعالمين، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
 


1- سورة آل عمران، الآية:31.
2- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل, الشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج2، ص 468.
3- سورة آل عمران، الآية:31.
4- البرهان في تفسير القرآن، السيد هاشم البحراني، ج 1، ص611.
5- سورة آل عمران، الآية:31.
6- سورة آل عمران، الآية:31.
7- سورة آل عمران، الآية:31.
8- لسان العرب لابن منظور، ج 1، ص 289.
9- مـجمع البحرين للشيخ فخر الدين الطريحي، ج1، ص 442.
10- تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج1، ص 410.
11- سورة البقرة، الآية: 165.
12- سورة المجادلة، الآية: 22.
13- سورة آل عمران، الآية:32.
14- سورة آل عمران، الآية:32.
15- سورة النساء، الآية:13.
16- سورة النور، الآية: 52.
17- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص75.
18- الأربعون حديثاً، الإمام الخمينيّ قدس سره، ص 512.
19- سورة الحجّ، الآية: 32.
20- سورة النساء، الآية: 80.
21- سورة الفتح، الآية: 10.
22- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج14، ص 325.
23- م.ن، ج14، ص 333.
24- م. ن، ج14، ص 329.
25- م. ن، ج14، ص 332.
26- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج39، ص 56.
27- تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج6، ص 53.
28- سورة الأنبياء، الآية: 107.
29- سورة آل عمران، الآية:32.
30- سورة آل عمران، الآية:31.
31- الكافي، الشيخ الكليني، ج8، ص 14.
32- الخصال، الشيخ الصدوق، ص188.
33- سورة البقرة، الآية: 222.
34- سورة النساء، الآية: 80.
35- سورة آل عمران، الآية:31.
36- سورة هود، الآية: 17.
37- البرهان في تفسير القرآن، السيد هاشم البحراني، ج 3، ص96.
38- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج8، ص 38.
39- سورة الإسراء، الآية: 79.
40- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج8، ص 35.
41- م.ن، ج8، ص 49.

26-05-2015 عدد القراءات 4419



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا