28 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 11 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: مآب المذنبين

أكبر الكبائر - 3: شرب الخمر-ترك الصلاة متعمّداً-قطيعة الرحم



حرمة شرب الخمر:

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ1.

أوضحت الآية شدّة خطورة الخمر وحرمته من خلال الأمور الآتية:

- قرنه الله تعالى بعبادة الأوثان.
- أطلق عليه لفظ (الرجس).
- اعتبره من عمل الشيطان الخالص.
- أمر الله تعالى اجتنابه، والاجتناب يعني عدم الاقتراب مطلقاً، وهو أشدّ من النهي.
- إنّ الخمر من الأمور التي توقع العداوة والبغضاء بين الناس.
- يبعد عن ذكر الله تعالى، وتحديداً عن الصلاة، بل ويصدّ عنها، والصدّ أعظم من المنع.

وفي بعض الآيات أطلق الله لفظ (الإثم) على الخمر، والإثم يعني الأفعال المُبطِئة عن الثواب، و يأتي الخمر على رأسها.
وبعد كل هذه التأكيدات والحصر بعبارة (إنّما الخمر...) يختم الله تعالى الآية بلغة التهديد ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون، وفي الحديث عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "... عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: الخمر حرام بعينه، والمسكر من كلّ شراب، فما أسكر كثيره فقليله حرام"2. ولهذا اتّفقت كلمة المسلمين جميعاً على حرمته، واعتباره من الكبائر.


مفاسد شرب الخمر:

من الآثار السلبية لشرب الخمر الواردة في النصوص والروايات الشريفة:

1. الخروج من الإيمان: روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "من زنى خرج من الإيمان، ومن شرب الخمر خرج من الإيمان، ومن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً خرج من الإيمان"3.

2. يورث فساد العقل، وذهاب الحياء، والدَّاء الدفين: روي عن الإمام الرضا عليه السلام قال: "وإنّ الله تعالى حرّم الخمر؛ لما فيها من الفساد، وبطلان العقول في الحقائق، وذهاب الحياء من الوجه، وإنَّ الرّجل إذا سكر فربّما وقع على أمّه، أو قتل النّفس التي حرّم الله، ويفسد أمواله، ويذهب بالدِّين، ويسي‏ء المعاشرة، ويوقع العربدة، وهو يورث مع ذلك الدّاء الدّفينَ"4.

3. اللّعن، والحرمان من العلاقة والرَّوابط الاجتماعيّة: روي عن الإمام الرضا عليه السلام قال: "وإيّاك أن تزوّج شارب الخمر؛ فإن زوّجته فكأنما قدت إلى الزِّنا، ولا تصدّقه إذا حدّثك، ولا تقبل شهادته، ولا تأمنه على شي‏ء من مالك؛ فإن ائتمنته فليس لك على الله ضمان، ولا تؤاكله، ولا تصاحبه، ولا تضحك في وجهه، ولا تصافحه، ولا تعانقه، وإن مرض فلا تَعُدْهُ، وإن مات فلا تشيّع جنازته، ولا تصلّ في بيت فيه خمر محصرة في آنية، ولا تأكل في مائدة يشرب عليها بعدك خمر، ولا تجالس شارب الخمر، ولا تسلّم عليه إذا جزت به، فإن سلّم عليك فلا تردّ عليه السلام بالمساء والصباح، ولا تجتمع معه في مجلس؛ فإنّ اللّعنة إذا نزلت عمّت من في المجلس"5.

4. مفتاح كلّ شر: روي عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "إنّ الله عزّ وجلّ جعل للشرّ أقفالا، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب..." 6 وعن الإمام الصادق عليه السلام في رواية أخرى قال: "شرب الخمر مفتاح كلّ شرّ"7، وعن الإمامين الباقر والصادق عليه السلام قالا: "إنّ الخمر رأس كلّ إثم"8.

5. الحرمان من شفاعة المعصوم عليه السلام: روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: "لا ينال شفاعتي من استخفّ بصلاته، ولا يرد عليّ الحوض لا والله، لا ينال شفاعتي من شرب المسكر، ولا يرد عليّ الحوض لا والله"9.

6. لا تقبل صلاة شارب الخمر: روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "من شرب مسكراً انحبست صلاته أربعين يوماً، وإن مات في الأربعين، مات ميتة جاهليّةً، فإن تاب، تاب الله عزّ وجلّ عليه"10.

7. العذاب الأليم في الآخرة: روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "من شرب النّبيذ على أنّه حلال خُلّد في النّار، ومن شربه على أنّه حرام عُذّب في النّار"11.

8. اسوداد الوجه: وروي عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "يؤتى شارب الخمر يوم القيامة مسودّاً، وجهه مُدْلَعاً لسانه، يسيلُ لعابه على صدره، وحقٌّ على الله عزَّ وجلَّ أن يسقيه من طينةٍ خبال (أو قال: من بئر خبال)، قال: قلت: وما بئر خبال؟ قال: بئر يسيل فيها صديد الزِّناة"12.


ترك الصَّلاة:

الصَّلاةُ فريضةٌ واجبةٌ على كلِّ مسلمٍ، قال تعالى في محكمِ كتابه المجيد: ﴿فَأَقيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنينَ كِتاباً مَوْقُوتاً13، وتركها يُعدّ من الكبائر التي وُصِف مرتكبها بأنّه مشِرك، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشِركين14، فالأمر الإلهي بالصلاة واضحٌ وصريحٌ لا لبس فيه، حتَّى غدت أفضل ما يتوسّل به المتوسِّلون إلى الله، وأوّل ما يحاسب عليه الإنسان عندما يلقاه في الآخرة.

سأل معاوية بن وهب الإمام الصادق عليه السلام عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى الله، فقال عليه السلام: "ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى أنّ العبد الصالح عيسى بن مريم قال: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا 15"16.

وروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "أول ما يحاسب به العبد الصلاة، فإن قُبِلت قُبِل سائر عمله، وإن رُدّت عليه رُدّ عليه سائر عمله"17.


حكم تارك الصلاة متعمّداً:

ترك الصلاة عمداً هو من الكبائر المنصوصة، كما ورد التَّصريح بذلك في صحيحة عبد العظيم الحسني المتقدّمة. وحيث إنّ الصلاة في الإسلام من الأحكام الواجبة والضرورية، فإنّ تارك الصَّلاة مع إنكار وجوبها يُعدّ كافراً، وخارجاً من دين الإسلام. أمّا إذا لم يكن منكراً لوجوبها، وكان مؤمناً ومعتقداً بأنّها من الواجبات الشرعية التي حكم بها الله تعالى، ولكن تركه لها إنّما هو عن كسل وإهمال، فإنّ مثل هذا الشخص يُعدّ فاسقاً. والأخبار الواردة في كفر تارك الصلاة ناظرة للصورة الأولى، روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "من ترك الصلاة متعمِّداً فقد كفر"18، وروي عن الإمام الباقر عليه السلام: "تارك الفريضة كافر"19.

وسرّ هذا التشديد في الحكم على تارك الصلاة، أنّ ارتكاب المحرّمات ينشأ غالباً من غلبة الشهوة على الإنسان، ودفعها إيّاه نحو المعصية، كما هو في الزِّنا، أو من سيطرة الغضب عليه، فتدفعه نحو الذنوب العظام والقذف، والقتل وغيرها من الموبقات، أما ترك واجب كالصلاة، فإنّه لا تتدخّل الشهوة ولا الغضب إطلاقا في دفعه نحو ترك الصلاة، بل الأمر منحصر في استخفاف الإنسان بحكم الله، واستحقاره للأوامر الدينية. فلهذا السبب دخل ترك الصلاة في عنوان الكفر بالله.

فالاستخفاف بالدين واضحٌ في ترك الصلاة، وأظهر من غيره، فإنّ تارك الزكاة والحج مثلاً، قد ينشأ تركه أحياناً من الحِرص على المال، وترك الصوم يمكن أن ينشأ من شهوة البطن، أمّا في ترك الصلاة فلا يوجد دافع لذلك سوى الاستخفاف بالدين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ20.


العواقب الوخيمة لترك الصلاة:

ترك الصّلاة من الذّنوب التي جاء الوعيد عليها بالعذاب في القرآن المجيد، كما في سورة المدثر: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ21.

ويقول تعالى في سورة القيامة: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى22.

ذكر بعض المفسِّرين أنّ معنى "أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى" أي ويلٌ لك، وقد كرّرت هذه الكلمة أربع مرات تأكيداً، أو إشارةً إلى المراتب الأربعة في الهلاك، وهي الهلاك في الدنيا، وعذاب القبر، وأهوال القيامة، والخلود في العذاب.

وورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: من تهاون بصلاته من الرجال والنساء ابتلاه الله بخمس عشرة خصلة، ست منها في دار الدنيا، وثلات عند موته، وثلاث في قبره، وثلاث يوم القيامة إذا خرج من قبره.

فأمّا اللواتي تصيبه في دار الدنيا: فالأولى يرفع الله البركة من عمره، ويرفع الله البركة من رزقه، ويمحو الله عزّ وجلّ سيماء الصالحين من وجهه، وكلّ عمل يعمله لا يؤجر عليه، ولا يرتفع دعاؤه إلى السماء، والسادسة ليس له حظ في دعاء الصالحين.

وأمّا اللّواتي تصيبه عند موته:" فأولهن أن يموت ذليلاً، والثانية يموت جائعاً، والثالثة يموت عطشاناً، فلو سقي من أنهار الدنيا لم يرو عطشه.

وأمّا اللّواتي تصيبه في قبره: فأولهن يُوكِل الله به ملكاً يزعجه في قبره، والثانية يضيّق عليه قبره، والثالثة تكون الظلمة في قبره.

وأمّا اللّواتي تصيبه يوم القيامة إذا خرج من قبره: فأوّلهنّ أن يُوكِل الله به ملكاً يسحبه على وجهه، والخلائق ينظرون إليه، والثانية يحاسبه حساباً شديداً، والثالثة لا ينظر الله إليه، ولا يزكّيه وله عذاب اليم"23.


صلة الرحم وقطيعتها:

صلة الرحم هي عبارة عن: "الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول، فتارةً تكون بالمال، وتارةً بالخدمة، وتارةً بالزيارة، وتارةً بالسلام، وتارةً بطلاقة الوجه، وتارةً بالنصح، وتارةً بردّ الظلم، وتارةً بالعفو والصفح، وغير ذلك من أنواع الصلة، على حسب القدرة، والحاجة، والمصلحة"24.

وقطيعة الرحم هي خلاف صلته، والمقصود بها: هجر القريب، وترك وصله، والإحسان إليه.

وهناك أحكامٌ عديدة ومتفرّقة تتعلّق بالأرحام، من أهمّها: حرمة قطيعة الرحم ووجوب صلتها، باتفاق جميع الفقهاء، ولذا أوصت الشريعة بالأرحام، داعيةً إلى صلتها، محرِّمةً بأشدّ التعابير قطيعتها.


قطيعة الرحم في القرآن:

صلة الرحم واجبةٌ على المسلم، وقطيعته من الكبائر، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن قطيعة الرَّحم، فقال في محكم كتابه الكريم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى‏ أَبْصارَهُمْ25.

والآيات القرآنية التي تحدّثت عن صلة الرحم وقطيعته توزّعت على عنوانين:

العنوان الأول: صلة الرّحم، ويفهم منه بالملازمة حرمة قطيعة الرَّحم.
العنوان الثاني: الآيات التي تحدّثت بشكلٍ مباشرٍ عن قطيعة الرَّحم.


من الآيات المرتبطة بصلة الرحم:

قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشِركوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا26.

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ27.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا28.


قطيعة الرحم في الروايات:

فيما يلي بعض الآثار السيئة لقطع الرحم، كما جاءت في الروايات الشريفة عن أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، أهمّها:

1. سبب لتعجّل الفناء:
سمع ابن الكوّاء أمير المؤمنين عليه السلام يقول: "أعوذ بالله من الذنوب التي تعجّل الفناء، فقال ابن الكوّاء: يا أمير المؤمنين، أيكون ذنوب تعجّل الفناء؟ قال عليه السلام: نعم، قطيعة الرحم، إنّ أهل بيت يكونون أتقياء، فيقطع بعضهم بعضاً، فيحرمهم الله، وإنّ أهل بيت يكونون فجرةً، فيتواسون، فيرزقهم الله"29.

2. سبب لقطيعة الله:

روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: "الرّحم حبلٌ ممدود من الأرض إلى السّماء، يقول: من قطعني قطعه الله، ومن وصلني وصله الله"30، وفي حديثٍ آخر عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: "قال الله تعالى: أنا الرّحمن، خلقت الرّحم، وشققت لها اسماً من أسمائي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته"31.

3. سبب لقِصَر العمر:
روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "حدّثني أبي، عن جدّي، عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "إنّ ملكاً من ملوك بني إسرائيل كان قد بقي من عمره ثلاث سنين، ووصل رحمه، فجعلها الله ثلاثين سنة، وإنّ ملكاً من ملوك بني إسرائيل كان قد بقي من عمره ثلاثون سنة، فقطع رحمه، فجعله الله ثلاث سنين، فقال: هذا الذي قصدت، والله لأصلنّ اليوم رحمي، ثمّ سرّحنا إلى أهلنا سراحاً جمِيلًا"32.

4. الحرمان من الجنة:
روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إنّ في الجنة درجة لا يبلغها إلا إمام عادل، أو ذو رحم وصول، أو ذو عيال صبور"33، وعنه عليه السلام أيضاً قال: "إنّ الله خلق الجنّة فطيّبها، وطيّب ريحها، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة ألفي عام، فلا يجد ريحها عاق، ولا قاطع رحم"34.

5. العذاب في الدنيا:
روي عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "في كتاب علي عليه السلام: ثلاث خصال لا يموت صاحبهن أبداً حتَّى يرى وبالهن: البغي، وقطيعة الرحم، واليمين الكاذبة يبارز الله بها، وإنّ أعجل الطاعة ثواباً لَصلة الرحم..."35.


أسباب قطيعة الرحم:

هناك أسباب متعدّدة قد تؤدّي إلى قطع الرحم، نذكر منها:
1. عدم المعرفة: فالجهل وعدم المعرفة بعواقب قطيعة الرحم وآثارها الدنيوية والأخروية العاجلة والآجلة، سبب أساس لقطيعة الأرحام، كما إنّ الجهل بأهميّة صلة الرحم وآثارها العاجلة والآجلة قد يؤدّي إلى تقصيرٍ في القيام بحقّ الصلة.

2. الكِبْر: التكبّر - كما مر - هو أحد المنابع الرئيسة للذنوب، ومنها قطيعة الرحم، فبعض الناس إذا نال منصباً رفيعاً، أو حاز مكانةً عالية، أو كان تاجراً كبيراً تكبّر على أقاربه، وأنِف من زيارتهم والتودّد إليهم، بحيث يرى أنّه صاحب الحق، وأنّه أولى بأن يزار ويؤتى إليه.

3. الانقطاع الطويل: هناك من ينقطع عن أقاربه فترةً طويلةً، وبدون أيّ مبرِّرٍ، فيصيبه من جرّاء ذلك وحشةٌ منهم، فيبدأ بالتَّسويف بالزِّيارة، فيتمادى به الأمر إلى أن ينقطع عنهم بالكليّة، فيعتاد القطيعة، ويألف البعد.

4. قلّة الاهتمام بالزَّائرين: بعض النَّاس من طبعه وعادته التَّقليل من شؤون الآخرين، فإذا زاره أقاربه لم يبدِ لهم الاهتمام، ولم يصغِ لحديثهم، بل تجده معرضاً مشيحاً بوجهه عنهم إذا تحدّثوا، لا يفرح بمَقْدَمِهم، ولا يشكرهم على مجيئهم، ولا يستقبلهم إلا بكلِّ تثاقلٍ وبرودٍ؛ ممّا يقلِّل رغبتهم في زيارته.

5. عدم تحمّل الأقارب والصبر عليهم: بعض النَّاس لا يتحمَّل أدنى شيءٍ من أقاربه، فبمجرّد أيّ هفوة، أو زلّة، أو عِتابٍ من أحدٍ من أقاربه يبادر إلى القطيعة والهجر.

6. النميمة والإصغاء إليها: من الناس من دأبه وديدنه إفساد ذات البين، فتجده يسعى بين الأحبّة؛ لتفريق صفِّهم، وتكدير صفوهم، فكم تقطّعت من أواصر، وكم تفرّق من شمل، بسبب الوشاية والنَّميمة، فكانت سبباً حقيقياً لقطع الأرحام.


علاج قطيعة الرّحم:

تقدَّم الكلام في القطيعة، وأضرارها وأثارها المدمِّرة على الفرد والمجتمع، وأنّها توجب الابتعاد عن الله تعالى في الدنيا والآخرة، وبيان بعض الأسباب الموجبة للقطيعة، وأن يعرف بأن قطيعة الرحم هي ترك الواجب كالعبادات المفروضة، فإذا كان الأمر كذلك، فعلى المؤمن أن يحذر قطيعة الرحم، وأن يتجنّب الأسباب الداعية إليها، ويسعى في علاجها، وأن يصل الرحم، وأن يعرف عظيم شأن الرحم، ويتحرى أسباب وصلها، ويرعى الآداب التي ينبغي مراعتها مع الأقارب.

* كتاب مآب المذنبين، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1-المائدة:90-91
2- الكافي، ج6، ص408.
3- أصول الكافي، ج2، ص 278.
4- بحار الأنوار، ج63، ص491.
5 - بحار الأنوار، ج63، ص491.
6-الكافي،ج2ص339
7-الكافي،ج6ص403
8-الكافي،ج،6ص402
9-الكافي، ج6، ص400.
10-الكافي، ج6، ص400.
11-الكافي، ج6، ص398.
12-الكافي، ج6، ص396.
13-النساء، 103.
14- الروم، 31.
15 - مريم، 31.
16 - الكافي، ج3، ص264.
17 - وسائل الشيعة، ج4، ص34.
18 - بحار الأنوار، ج30، ص673.
19 - وسائل الشيعة، ج4، ص59.
20-المائدة، 58.
21- المدثر، 40- 46.
22 - القيامة، 31 - 35.
23- بحار الأنوار، ج80، ص21.
24- القاموس الفقهي، صلة الرحم، ص145.
25- محمد، 2.
26- النساء، 36.
27 - الأنفال، 75.
28- النساء، 1.
29 - موسوعة أحاديث أهل البيت، ج4، ص52.
30 - مستدرك الوسائل، ج15، ص242.
31 - مستدرك الوسائل، ج15، ص242.
32- بحار الأنوار، ج47، ص187.
33 - بحار الأنوار، ج71، ص90.
34 - بحار الأنوار، ج29، ص96.
35 - أصول الكافي، ج2، ص347.
36 - صحيفة الإمام الخميني، ج‏20، ص221.

28-09-2015 عدد القراءات 8200



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا