5 حزيران 2020 م الموافق لـ 13 شوال 1441 هـ
En FR

إضاءات رسالية :: إضاءات علمائية

الحسنات والسيئات



من خلال قراءة الآيات 78ـ79 من سورة «النساء» التي يقول الله تعالى فيهما: (أَیْنَما تَکُونُوا یُدْرِکْکُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ کُنْتُمْ في بُرُوج مُشَیَّدَة وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ یَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَیِّئَةٌ يـَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِکَ قُلْ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا یَكادُونَ یَفْقَهُونَ حَديثاً*ما أَصابَکَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّهِ وَ ما أَصابَکَ مِنْ سَیِّئَة فَمِنْ نَفْسِکَ وَ أَرْسَلْناکَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَ کَفى بِاللّهِ شَهيداً) يتبادر إلى الذهن سّؤال مهم و هو: لماذا نسب الخير والشر في الآية الاُولى كلّه لله؟ ولماذا حصرت الآية التالية الخير ـ وحده ـ لله، ونسبت الشرّ إلى الإنسان؟

والجواب: حين نمعن النظر في الآيتين تواجهنا عدّة اُمور، يمكن لكل منها أن يكون هو الجواب على هذا السؤال.

1- لو أجرينا تحليلا على عناصر تكوين الشر لرأينا أنّ لها اتجاهين: أحدهما إيجابي والآخر سلبي، والإتجاه الأخير هو الذي يجسد شكل الشر أو السيئة ويبرزه على صورة «خسارة نسبية» فالإنسان الذي يقدم على قتل نظيره بسلاح ناري أو سلاح بارد يكون قد ارتكب بالطبع عملا شريراً وسيئاً، فما هي إذن عوامل حدوث هذا العمل الشرير؟

إنّها تتكون من: قدرة الإنسان وعقله، وقدرة السلاح، والقدرة على الرمي اصابة الهدف، واختيار المكان والزمان المناسبين، وهذه تشكل عناصر الإتجاه الإيجابي للقضية، لأنّ كل عنصر منها يستطيع في حدّ ذاته أن يستخدم كعامل لفعل حسن إذا استغل الاستغلال الحكيم، أمّا الإتجاه السلبي فهو في استغلال كل من هذه العناصر في غير محله، فبدلا من أن يستخدم السلاح لدرء خطر حيوان مفترس أو للتصدي لقاتل ومجرم خطير، یُستخدم في قتل إنسان بريء، فيجسد بذلك فعل الشر، وإلاّ فإنّ قدرة الإنسان وعقله وقدرته على الرمي والتهديف، وأصل السلاح وكل هذه العناصر، يمكن أن يستفاد منها في مجال الخير.

وحين تنسب الآية الاُولى الخير والشرّ كلّه لله، فإن ذلك معناه أنّ مصادر القوّة جميعها بيد الله العليم القدير حتى تلك القوّة التي يساء استخدامها، ومن هذا المنطلق تنسب الخير والشرّ لله، لأنّه هو واهب القوى.

والآية الثّانية: تنسب «السيئات» إلى الناس إنطلاقاً من مفهوم «الجوانب السلبية» للقضية ومن الإساءة في استخدام المواهب الإلهية.

تماماً مثل والد وهب ابنه مالا ليبني به داراً جديدة، لكن هذا الولد بدلا من أن يستخدم هذا المال في بناء البيت المطلوب، اشترى مخدرات ضارة أو صرفه في مجالات الفساد والفحشاء، لا شك أنّ الوالد هو مصدر هذا المال، لكن أحداً لا ينسب تصرف الإبن لوالده، لأنه أعطاه للولد لغرض خيري حسن، لكن الولد أساء استغلال المال، فهو فاعل الشرّ، وليس لوالده دخل في فعلته هذه.

2- ويمكن القول ـ أيضاً ـ بأنّ الآية الكريمة إنّما تشير إلى موضوع «الأمر بين الأمرين».

وهذه قضية بحثت في مسألة الجبر والتفويض، وخلاصة القول فيها أنّ جميع وقائع العالم خيراً كانت أم شرّاً ـ هي من جانب واحد تتصل بالله سبحانه القدير لأنّه هو الذي وهب الإنسان القدرة والقوّة وحرية الإنتخاب والاختيار، وعلى هذا الأساس فإنّ كل ما يختاره الإنسان ويفعله بإرادته وحريته لا يخرج عن إرادة الله، لكن هذا الفعل ينسب للإنسان لأنّه صادر عن وجوده، وإرادته هي التي تحدد اتجاه الفعل.

ومن هنا فإنّنا مسؤولون عن أعمالنا، واستناد أعمالنا إلى الله ـ بالشكل الذي أوضحناه ـ لا يسلب عنّا المسؤولية ولا يؤدّي إلى الاعتقاد بالجبر.

وعلى هذا الأساس حين تنسب «الحسنات» و«السيئات» إلى الله سبحانه وتعالى، فلفاعلية الله في كل شيء، وحين تنسب السيئة إلى الإنسان فلإرادته وحريته في الاختيار.

وحصيلة هذا البحث إنّ الآيتين معاً تثبتان قضية الأمر «الأمر بين الأمرين» (تأمل بدقّة)!

3- هناك تفسير ثالث للآيتين ورد فيما أثر عن أهل البيت(عليهم السلام)، وهو أنّ المقصود من عبارة السّيئات جزاء الأعمال السيئة وعقوبة المعاصي التي ينزلها الله بالعاصين، ولما كانت العقوبة هي نتيجة لأفعال العاصين من العباد،1لذلك تنسب أحياناً إلى العباد أنفسهم وأحياناً اُخرى إلى الله، وكلا النسبتين صحيحتان، إذ يمكن القول في قضية قطع يد السارق إنّ القاضي هو الذي قطع يد السارق، كما يجوز أن يقال إنّ السارق هو السبب في قطع يده لارتكابه السرقة.2


1. تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 519; وبحارالانوار، ج 5، ص 202.
2.الأمثل، ج 3، ص 217.

20-12-2015 عدد القراءات 2159



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا