21 شباط 2020 م الموافق لـ 26 جمادى الثانية 1441 هـ
En FR

وصايا رساليّة :: وصايا لقمان الحكيم

لقمان والحكمة والخلافة



تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن حماد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لقمان وحكمته التي ذكرها الله عز وجل، فقال: أما والله ما أوتي لقمان الحكمة بحسب ولا مال ولا أهل ولا بسط في جسم ولا جمال، ولكنه كان رجلا قويا في أمر الله، متورعا في الله، ساكتا، سكينا، عميق النظر، طويل الفكر، حديد النظر، مستغن بالعبر، لم ينم نهارا قط، ولم يره أحد من الناس على بول ولا غائط ولا اغتسال لشدة تستره وعموق نظره وتحفظه في أمره، ولم يضحك من شئ قط مخافة الاثم، ولم يغضب قط، ولم يمازح إنسانا قط، ولم يفرح لشئ إن أتاه من أمر الدنيا، ولا حزن منها على شئ قط، وقد نكح من النساء وولد له الأولاد الكثيرة وقدم أكثرهم إفراطا فما بكى على موت أحد منهم، ولم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان إلا أصلح بينهما، ولم يمض عنهما حتى تحاجزا، ولم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلا سأل عن تفسيره وعمن أخذه، وكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء، وكان يغشى القضاة والملوك والسلاطين فيرثي للقضاة مما ابتلوا به، ويرحم الملوك والسلاطين لغرتهم بالله وطمأنينتهم في ذلك، ويعتبر ويتعلم ما يغلب به نفسه، ويجاهد به هواه، ويحترز به من الشيطان، وكان يداوي قلبه بالتفكر، ويداري نفسه بالعبر، وكان لا يظعن إلا فيما يعنيه، فبذلك أوتي الحكمة، ومنح العصمة، وإن الله تبارك وتعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار وهدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم فقالوا: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض، تحكم بين الناس ؟ فقال لقمان: إن أمرني ربي بذلك فالسمع والطاعة، لأنه إن فعل بي ذلك أعانني عليه وعلمني وعصمني، وإن هو خيرني قبلت العافية، فقالت الملائكة: يا لقمان لم ؟ قال: لان الحكم بين الناس بأشد المنازل من الدين، وأكثر فتنا وبلاء ما يخذل ولا يعان، ويغشاه الظلم من كل مكان، وصاحبه منه بين أمرين: إن أصاب فيه الحق فبالحري أن يسلم، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا وضعيفا كان أهون عليه في المعاد من أن يكون فيه حكما سريا شريفا. ومن اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما، تزول هذه ولا تدرك تلك. قال: فتعجبت الملائكة من حكمته، واستحسن الرحمن منطقه، فلما أمسى وأخذ مضجعه من الليل أنزل الله عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم، وغطاه بالحكمة غطاء، فاستيقظ وهو أحكم الناس في زمانه، وخرج على الناس ينطق بالحكمة ويبينها فيها، قال: فلما أوتي الحكم ولم يقبلها أمر الله الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها ولم يشترط فيها بشرط لقمان، فأعطاه الله الخلافة في الأرض وابتلي فيها غير مرة، وكل ذلك يهوي في الخطاء يقيله الله ويغفر له، وكان لقمان يكثر زيارة داود عليه السلام ويعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه، وكان يقول داود له: طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة، وصرفت عنك البلية، وأعطي داود الخلافة، وابتلي بالخطأ والفتنة.

ثم قال أبو عبد الله في قول الله: " وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " قال: فوعظ لقمان ابنه بآثار حتى تفطر وانشق، وكان فيما وعظه به يا حماد أن قال: يا بني إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة، فدار أنت إليها تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد. يا بني جالس العلماء وازحمهم بركبتيك، ولا تجادلهم فيمنعوك، وخذ من الدنيا بلاغا، ولا ترفضها فتكون عيالا على الناس، ولا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك، وصم صوما يقطع شهوتك، ولا تصم صياما يمنعك من الصلاة، فإن الصلاة أحب إلى الله من الصيام. يا بني إن الدنيا بحر عميق، قد هلك فيها عالم كثير، فاجعل سفينتك فيها الايمان، واجعل شراعها التوكل، واجعل زادك فيها تقوى الله، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك. يا بني إن تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا، ومن عنى بالأدب اهتم به، ومن اهتم به تكلف علمه، ومن تكلف علمه اشتد له طلبه، ومن اشتد له طلبه أدرك منفعته فاتخذه عادة، فإنك تخلف في سلفك، وتنفع به من خلفك، ويرتجيك فيه راغب، ويخشى صولتك راهب، وإياك والكسل عنه بالطلب لغيره، فإن غلبت على الدنيا فلا تغلبن على الآخرة، فإذا فاتك طلب العلم في مظانه فقد غلبت على الآخرة، واجعل في أيامك ولياليك وساعاتك لنفسك نصيبا في طلب العلم، فإنك لم تجد له تضييعا أشد من تركه، ولا تمارين فيه لجوجا، ولا تجادلن فقيها، ولا تعادين سلطانا، ولا تماشين ظلوما، ولا تصادقنه، ولا تؤاخين فاسقا، ولا تصاحبن متهما، واخزن علمك كما تحزن ورقك.

يا بني خف الله خوفا لو أتيت يوم القيامة ببر الثقلين خفت أن يعذبك، وارج الله رجاء لو وافيت القيامة بإثم الثقلين رجوت أن يغفر الله لك.

فقال له ابنه: يا أبه وكيف أطيق هذا وإنما لي قلب واحد ؟ فقال له لقمان: يا بني لو استخرج قلب المؤمن فشق لوجد فيه نوران: نور للخوف، ونور للرجاء، لو وزنا ما رجح أحدهما على الآخر بمثقال ذرة، فمن يؤمن بالله يصدق ما قال الله، ومن يصدق ما قال الله يفعل ما أمر الله، ومن لم يفعل ما أمر الله لم يصدق ما قال الله، فإن هذه الأخلاق يشهد بعضها لبعض، فمن يؤمن بالله إيمانا صادقا يعمل لله خالصا ناصحا، ومن يعمل لله خالصا ناصحا فقد آمن بالله صادقا، ومن يطع الله خافه، ومن خافه فقد أحبه، ومن أحبه اتبع أمره، ومن اتبع أمره استوجب جنته ومرضاته، ومن لم يتبع رضوان الله فقد هان عليه سخطه، نعوذ بالله من سخط الله. يا بني لا تركن إلى الدنيا، ولا تشغل قلبك بها، فما خلق الله خلقا هو أهون عليه منها، ألا ترى أنه لم يجعل نعيمها ثوابا للمطيعين، ولم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين.

بيان: تحاجزا: تصالحا وتمانعا. قوله: ( لا يظعن ) أي لا يسافر، قوله عليه السلام: ( ما يخذل ) أي هو شئ يخذل صاحبه، أو بتقدير اللام، أي هو أكثر فتنا وبلاء لما يخذل صاحبه، أو هو أكثر فتنا ما دام يخذل صاحبه ولا يعينه الله، أو الموصول مبتدأ وأكثر خبره، ولعل الثالث أظهر الوجوه، ويؤيده أن في رواية الثعلبي هكذا: " لان الحاكم بأشد المنازل وآكدها، يغشاه الظلم من كل مكان، إن يعن فبالحري أن ينجو ولا يبعد زيادة الواو في " يغشاه " فيكون " ما يخذل " متعلقا به، وفي القصص: لان الحكم بين الناس أشد المنازل من الدين وأكثرها فتنا وبلاء، يخذل صاحبه ولا يعان، ويغشاه الظلم من كل مكان. والسري: الشريف. قوله: ( ويبينها فيها ) أي في جماعة الناس أو في الدنيا، والأظهر " يبثها فيهم " كما في القصص.

قوله عليه السلام: ( حتى تفطر وانشق ) كناية عن غاية تأثير الحكمة فيه. قوله: ( وازحمهم ) قال الفيروزآبادي: زحمه كمنعه: ضايقه، وزاحم الخمسين: قاربها، أي ادخل بينهم ولو بمشقة، ويحتمل أن يكون كناية عن القرب منهم.
قوله عليه السلام: ( ومن عنى بالأدب ) أي اعتنى به وعرف فضله. قوله عليه السلام: ( فإنك تخلف ) أي تكون من حيث الاتصاف بتلك العادات الحسنة خليفة من مضى من المتخلقين بها. قوله عليه السلام: ( من تركه ) أي ترك طلب العلم يفضي إلى ضياع ما حصلته.

أمالي الصدوق: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن القاساني، عن المنقري عن حماد بن عيسى، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: كان فيما أوصى به لقمان ابنه ناتان أن قال له: يا بني ليكن مما تتسلح به على عدوك فتصرعه المماسحة وإعلان الرضى عنه، ولا تزاوله بالمجانبة فيبدو له ما في نفسك فيتأهب لك، يا بني خف الله خوفا لو وافيته ببر الثقلين خفت أن يعذبك الله، وارج الله رجاء لو وافيته بذنوب الثقلين رجوت أن يغفر لك، يا بني إني حملت الجندل والحديد وكل حمل ثقيل فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء، وذقت المرارات كلها فلم أذق شيئا أمر من الفقر.

بيان: قال الفيروزآبادي: تماسحا: تصادقا أو تبايعا فتصافقا، وماسحا: لاينا في القول غشا.

أمالي الصدوق: أبي، عن الحسين بن موسى، عن الصفار ولم يحفظ الحسين الاسناد قال: قال لقمان لابنه: يا بني اتخذ ألف صديق وألف قليل، ولا تتخذ عدوا واحدا والواحد كثير، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: تكثر من الاخوان ما اسطعت إنهم * عماد إذا ما استنجدوا وظهور وليس كثيرا ألف خل وصاحب * وإن عدوا واحدا لكثير الخصال: أبي، عن سعد، عن الاصفهاني، عن المنقري، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كان فيما وعظ به لقمان ابنه أن قال له: يا بني ليعتبر من قصر يقينه وضعفت نيته في طلب الرزق أن الله تبارك وتعالى خلقه في ثلاثة أحوال من أمره وأتاه رزقه ولم يكن له في واحدة منها كسب ولا حيلة، إن الله تبارك وتعالى سيرزقه في الحال الرابعة، أما أول ذلك فإنه كان في رحم أمه يرزقه هناك في قرار مكين حيث لا يؤذيه حر ولا برد، ثم أخرجه من ذلك وأجرى له رزقا من لبن أمه يكفيه به ويربيه وينعشه من غير حول به ولا قوة، ثم فطم من ذلك فأجرى له رزقا من كسب أبويه برأفة ورحمة له من قلوبهما لا يملكان غير ذلك حتى أنهما يؤثرانه على أنفسهما في أحوال كثيرة، حتى إذا كبر وعقل واكتسب لنفسه ضاق به أمره وظن الظنون بربه وجحد الحقوق في ماله، وقتر على نفسه وعياله مخافة إقتار رزق، وسوء يقين بالخلف من الله تبارك وتعالى في العاجل والآجل، فبئس العبد هذا يا بني.

بيان: لا يملكان غير ذلك أي لا يستطيعان ترك ذلك لما جبلهما الله عليه من حبه أو ينفقان عليه كسبهما وإن لم يكونا يملكان غيره.


بحار الأنوار / العلامة المجلسي ج13_ قصص لقمان.

20-12-2015 عدد القراءات 3203



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا