4 حزيران 2020 م الموافق لـ 12 شوال 1441 هـ
En FR

وصايا رساليّة :: وصايا لقمان الحكيم

لما خرج من بلاده



أقول: وجدت بخط أبي نور الله ضريحه ما هذا لفظه: جعفر بن الحسين شيخ الصدوق محمد بن بابويه وثقه ( فهرست النجاشي ) وله كتاب النوادر وكان ذلك عندنا فمن أخباره: بسم الله الرحمن الرحيم: عن الأوزاعي إن لقمان الحكيم لما خرج من بلاده نزل بقرية بالموصل يقال لها كوماس، قال: قلما ضاق بها ذرعه (واشتد بها غمه ولم يكن أحد يتبعه على أثره أغلق الأبواب وأدخل ابنه يعظه، فقال: يا بني إن الدنيا بحر عميق هلك فيها ناس كثير، تزود من عملها، واتخذ سفينة حشوها تقوى الله، ثم اركب الفلك تنجو، وإني لخائف أن لا تنجو، يا بني السفينة إيمان، وشراعها التوكل، وسكانها الصبر، ومجاذيفها الصوم والصلاة والزكاة، يا بني من ركب البحر من غير سفينة غرق، يا بني أقل الكلام، واذكر الله عز وجل في كل مكان، فإنه قد أنذرك وحذرك وبصرك وعلمك، يا بني اتعظ بالناس قبل أن يتعظ الناس بك، يا بني اتعظ بالصغير قبل أن ينزل بك الكبير، يا بني أملك نفسك عند الغضب حتى لا تكون لجهنم حطبا، يا بني الفقر خير من أن تظلم وتطغى، يا بني إياك وأن تستدين فتخون في الدين.


الاختصاص: عن الأوزاعي مثله، وزاد فيه: يا بني إن تخرج من الدنيا فقيرا وتدع أمرك وأموالك عند غيرك قيما فتصيره أميرا، يا بني إن الله رهن الناس بأعمالهم، فويل لهم مما كسبت أيديهم وأفئدتهم، يا بني لا تأمن من الدنيا والذنوب والشيطان فيها، يا بني إنه قد افتتن الصالحون من الأولين فكيف تنجو منه الآخرون ؟

يا بني اجعل الدنيا سجنك فتكون الآخرة جنتك، يا بني إنك لم تكلف أن تشيل الجبال، ولم تكلف مالا تطيقه، فلا تحمل البلاء على كتفك، ولا تذبح نفسك بيدك، يا بني لا تجاورن الملوك فيقتلوك، ولا تطعهم فتكفر، يا بني جاور المساكين، واخصص الفقراء والمساكين من المسلمين، يا بني كن لليتيم كالأب الرحيم، وللأرملة كالزوج العطوف، يا بني إنه ليس كل من قال: اغفر لي غفر له، إنه لا يغفر إلا لمن عمل بطاعة ربه، يا بني الجار ثم الدار، يا بني الرفيق ثم الطريق، يا بني لو كانت البيوت على العمل ما جاور رجل جار سوء أبدا، يا بني الوحدة خير من صاحب السوء، يا بني الصاحب الصالح خير من الوحدة، يا بني نقل الحجارة والحديد خير من قرين السوء، يا بني إني نقلت الحجارة والحديد فلم أجد شيئا أثقل من قرين السوء، يا بني إنه من يصحب قرين السوء لا يسلم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم، يا بني من لا يكف لسانه يندم، يا بني المحسن تكافأ بإحسانه، والمسئ يكفيك مساويه، لو جهدت أن تفعل به أكثر مما يفعله بنفسه ما قدرت عليه، يا بني من ذا الذي عبد الله فخذله ؟ ومن ذا الذي ابتغاه فلم يجده ؟ يا بني ومن ذا الذي ذكره فلم يذكره ؟ ومن ذا الذي توكل على الله فوكله إلى غيره ؟ ومن ذا الذي تضرع إليه جل ذكره فلم يرحمه ؟ يا بني شاور الكبير ولا تستحي من مشاورة الصغير، يا بني إياك ومصاحبة الفساق فإنما هم كالكلاب، إن وجدوا عندك شيئا أكلوه، وإلا ذموك وفضحوك.

وإنما حبهم بينهم ساعة، يا بني معاداة المؤمن خير من مصادقة الفاسق، يا بني المؤمن تظلمه ولا يظلمك وتطلب عليه ويرضى عنك، والفاسق لا يراقب الله فكيف يراقبك ؟ ! يا بني استكثر من الأصدقاء ولا تأمن من الأعداء، فإن الغل في صدورهم مثل الماء تحت الرماد، يا بني ابدء الناس بالسلام والمصافحة قبل الكلام، يا بني لا تكالب الناس فيمقتوك، ولا تكن مهينا فيضلوك، ولا تكن حلوا فيأكلوك، ولا تكن مرا فيلفظوك - ويروى: ولا تكن حلوا فتبلع، ولا مرا فترمى -.

يا بني لا تخاصم في علم الله، فإن علم الله لا يدرك ولا يحصى، يا بني خف الله مخافة لا تيأس من رحمته، وارجه رجاء لا تأمن من مكره، يا بني انه النفس عن هواها، فإنك إن لم تنه النفس عن هواها لن تدخل الجنة ولن تراها - ويروى انه نفسك عن هواها، فإن في هواها رداها.

يا بني إنك منذ يوم هبطت من بطن أمك استقبلت الآخرة واستدبرت الدنيا، فإنك إن نلت مستقبلها أولى بك من مستدبرها، يا بني إياك والتجبر والتكبر والفخر فتجاوز إبليس في داره، يا بني دع عنك التجبر والكبر، ودع عنك الفخر، واعلم أنك ساكن القبور، يا بني اعلم أنه من جاور إبليس وقع في دار الهوان، لا يموت فيها ولا يحيى، يا بني ويل لمن تجبر وتكبر، كيف يتعظم من خلق من طين، وإلى طين يعود ثم لا يدري إلى ما يصير إلى الجنة فقد فاز، أو إلى النار فقد خسر خسرانا مبينا وخاب ؟ - و يروى: كيف يتجبر من قد جرى في مجرى البول مرتين - يا بني كيف ينام ابن آدم و الموت يطلبه ؟ وكيف يغفل ولا يغفل عنه ؟ يا بني إنه قد مات أصفياء الله عز وجل و أحباؤه وأنبياؤه صلوات الله عليهم، فمن ذا بعدهم يخلد فيترك ؟ يا بني لا تطأ أمتك ولو أعجبتك وانه نفسك عنها وزوجها، يا بني لا تفشين سرك إلى امرأتك، ولا تجعل مجلسك علي باب دارك، يا بني إن المرأة خلقت من ضلع أعوج إن أقمتها كسرتها، وإن تركتها تعوجت، الزمهن البيوت فإن أحسن فاقبل إحسانهن، وإن أسأن فاصبر إن ذلك من عزم الأمور.

يا بني النساء أربع: ثنتان صالحتان، وثنتان ملعونتان، فأما إحدى الصالحتين: فهي الشريفة في قومها، الذليلة في نفسها، التي إن أعطيت شكرت، وإن ابتليت صبرت، القليل في يديها كثير، والثاني: الولود الودود، تعود بخير على زوجها، هي كالأم الرحيم، تعطف على كبيرهم، وترحم صغيرهم، وتحب ولد زوجها وإن كانوا من غيرها، جامعة الشمل، مرضية البعل، مصلحة في النفس والأهل والمال والولد، فهي كالذهب الأحمر، طوبى لمن رزقها، إن شهد زوجها أعانته، وإن غاب عنها حفظته. وأما إحدى الملعونتين فهي العظيمة في نفسها، الذليلة في قومها، التي إن أعطيت سخطت، وإن منعت عتبت وغضبت، فزوجها منها في بلاء، وجيرانها منها في عناء، فهي كالأسد إن جاورته أكلك، وإن هربت منه قتلك، والملعونة الثانية فهي قلى عن زوجها وملها جيرانها، إنما هي سريعة السخطة، سريعة الدمعة، إن شهد زوجها لم تنفعه، وإن غاب عنها فضحته، فهي بمنزلة الأرض النشاشة إن أسقيت أفاضته الماء وغرقت، وإن تركتها عطشت، وإن رزقت منها ولدا لم تنتفع به، يا بني لا تتزوج بأمة فيباع ولدك بين يديك وهو فعلك بنفسك.

يا بني لو كانت النساء تذاق كما تذاق الخمر ما تزوج رجل امرأة سوء أبدا، يا بني أحسن إلي من أساء إليك، ولا تكثر من الدنيا فإنك على غفلة منها، وانظر إلى ما تصير منها، يا بني لا تأكل مال اليتيم فتفتضح يوم القيامة، وتكلف أن ترده إليه، يا بني لو أنه أغنى أحد عن أحد لاغنى الولد عن والده، يا بني إن النار يحيط بالعالمين كلهم فلا ينجو منها أحد إلا من رحمه الله وقربه منه، يا بني لا يغرنك خبيث اللسان فإنه يختم على قلبه، وتتكلم جوارحه وتشهد عليه، يا بني لا تشتم الناس فتكون أنت الذي شتمت أبويك، يا بني لا يعجبك إحسانك، ولا تتعظمن بعملك الصالح فتهلك، يا بني أقم الصلاة، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم، يا بني ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا، يا بني إن كل يوم يأتيك يوم جديد يشهد عليك عند رب كريم، يا بني إنك مدرج في أكفانك ومحل قبرك، ومعاين عملك كله، يا بني كيف تسكن دار من أسخطته ؟ أم كيف من قد عصيته ؟ يا بني عليك بما يعنيك، ودع عنك مالا يعنيك، فإن القليل منها يكفيك، والكثير منها لا يعنيك، يا بني لا تؤثرن على نفسك سواها، ولا تورث مالك أعداءك، يا بني إنه قد أحصي الحلال الصغير فكيف بالحرام الكثير ؟ يا بني اتق النظر إلى مالا تملكه، وأطل التفكر في ملكوت السماوات والأرض والجبال وما خلق الله، فكفى بهذا واعظا لقلبك، يا بني اقبل وصية الوالد الشفيق، يا بني بادر بعملك قبل أن يحضر أجلك وقبل أن تسير الجبال سيرا، وتجمع الشمس والقمر، وتغير السماء وتطوى، وتنزل الملائكة صفوفا خائفين حافين مشفقين، وتكلف أن تجاوز الصراط، وتعاين حينئذ عملك وتوضع الموازين وتنشر الدواوين، يا بني تعلمت سبعة آلاف من الحكمة فاحفظ منها أربعا ومر معي إلى الجنة: احكم سفينتك فإن بحرك عميق، وخفف حملك فأن العقبة كؤود، وأكثر الزاد فإن السفر بعيد، وأخلص العمل فإن الناقد بصير.

كنز الفوائد للكراجكي: من حكم لقمان عليه السلام: يا بني أقم الصلاة فإن مثل الصلاة في دين الله كمثل عمود الفسطاط، فإن العمود إذا استقام نفعت الاطناب والأوتاد والظلال، وإن لم يستقيم لم ينفع وتد ولا طنب ولا ظلال، أي بني ! صاحب العلماء وجالسهم، وزرهم في بيوتهم لعلك أن تشبههم فتكون منهم، اعلم أي بني ! إني قد ذقت الصبر وأنواع المر فلم أر أمر من الفقر، فإن افتقرت يومك فاجعل فقرك بينك وبين الله، ولا تحدث الناس بفقرك فتهون عليهم، يا بني ادع الله ثم سل في الناس هل من أحد دعا الله فلم يجبه ؟ أو سأله فلم يعطه ؟ يا بني ثق بالله العظيم عز وجل: ثم سل في الناس هل من أحد وثق بالله فلم ينجه ؟ يا بني توكل على الله، ثم سل في الناس من ذا الذي توكل على الله فلم يكف ؟ يا بني أحسن الظن بالله ثم سل في الناس: من ذا الذي أحسن الظن بالله فلم يكن عند حسن ظنه به ؟ يا بني من يرد رضوان الله يسخط نفسه إليه، ومن لا يسخط نفسه لا يرضى ربه، ومن لا يكظم غيظه يشمت عدوه، يا بني تعلم الحكمة تشرف، فإن الحكمة تدل على الدين، وتشرف العبد على الحر، و ترفع المسكين على الغني، وتقدم الصغير على الكبير، وتجلس المسكين مجالس الملوك وتزيد الشريف شرفا، والسيد سوددا، والغني مجدا، وكيف يظن ابن آدم أن يتهيأ له أمر دينه ومعيشته بغير حكمة ؟ ولن يهيئ الله عز وجل أمر الدنيا والآخرة إلا بالحكمة ومثل الحكمة بغير طاعة مثل الجسد بلا نفس، أو مثل الصعيد بلا ماء، ولا صلاح للجسد بغير نفس، ولا للصعيد بغير ماء، ولا للحكمة بغير طاعة.

وأخبرني جماعة عن أبي المفضل الشيباني بإسناده عن أبي ذر رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني من ذا الذي ابتغى الله فلم يجده ؟ ومن ذا الذي لجأ إلى الله فلم يدافع عنه ؟ أم من ذا الذي وكل على الله فلم يكفه ؟


* بحار الأنوار / العلامة المجلسي ج13_ قصص لقمان.

20-12-2015 عدد القراءات 1950



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا