5 حزيران 2020 م الموافق لـ 13 شوال 1441 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: فلسفات أخلاقية

المسؤولية الأخلاقية



ومصدرها الضمير والوجدان النقي الذي يستحسن من الخير ما يستحسن تلقائياً ويستهجن من الشر ما يستهجن بالفطرة، ويدرك أن هذا يجب أن يترك وذاك يجب أن يفعل، وقد يجعل الإنسان نفسه مسئولاً بمحض اختياره كما لو ضمنت ديناً في ذمة غيرك، أو تكفلت باحضار غريم متى طلب، أو قبلت ورضيت بتحويل ما لك في ذمة زيد إلى ما لزيد في ذمة عمرو، إلى غير ذلك مما يدينك ويلزمك بأقوالك. قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): ((الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فاذا تكلمت به صرت في وثاقه)).

وهذه المسؤولية أخلاقية حيث يرتكز الحكم على الفاعل من نفس الفاعل، ويكون هو السائل والمسئول في آن واحد، كما قال، عزّ من قائل: (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً) (14 ـ الإسراء).

ولعل من المفيد أن نذكر هنا قصة العالم (روز نبرج) وزوجته، وخلاصتها أن هذا العالم كان واحداً من الذين مهدوا وأعدوا للتفجير النووي، وكان يظن أن ذلك سوف يستعمل لخير الإنسانية والأغراض السلمية.. ولكنه أفاق على صدى أول قنبلتين ذريتين ألقتهما الولايات المتحدة في اليابان على هيروشيما ونجازاكي في الحرب العالمية الثانية التي انتهت عام 1945، فأدرك هذا العالم ببعد نظره أن هذا الاختراع، يمكن أن يكون وسيلة لتدمير العالم، او لاستعباد البشرية بكاملها ـ على الاقل ـ فقلق وأحس بثقل المسؤولية لاشتراكه في هذا الاختراع، وأدت به وبزوجته أزمة الضمير الحادة إلى الاتصال سراً بالاتحاد السوفيتي وأفشيا له بأسرار القنبلة النووية بقصد توازن القوى الذي يحتم السلم قهراً وإلجاءً، لأن امتلاك الولايات المتحدة لهذا النوع من السلاح دون غيرها يغريها بالتخلص من كل قويّ على وجه الأرض.

وأعدمت الولايات المتحدة الزوجين بتهمة الخيانة على الرغم من التوسلات والنداءات العالمية!. وليس من شك أن عدم قيام حرب عالمية ثالثة حتى اليوم لا سبب له إلا توازن القوى، والفضل لتضحية الزوجين (روز نبرج). وهكذا الضمير الحي يشعر بالمسؤولية، ويخرج من عهدتها بكل سبيل حتى بالتضحية بالنفس والنفيس، قال نبي الرحمة(صلى الله عليه وآله): ((المؤمن يرى ذنبه فوقه كالجبل يخاف أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره)).

ولا بد هنا من الإشارة إلى أن سقراط كان يربط بين معرفة الخير والعمل به، فكل من يعرف الخير يفعله لا محالة، ولا يتركه إلا جاهل بحقيقته. وقال بعض الباحثين: يريد سقراط بالمعرفة هنا الحدس الداخلي. وليس هذا ببعيد لأن سقراط كان يكرر هذه الجملة ويؤكد عليها: ((أعرف نفسك بنفسك)).

ـ المسؤولية الإجتماعية

لكل مجتمع عادات وتقاليد حسنة أو سيئة تتحكم به، وقد لا يرى أفضل منها وأكمل عملاً بالفكرة القائلة: (ليس بالإمكان أبدع مما كان) حتى ولو كان ما هو كائن بالفعل جهلاً ورقاً ومرضاً وفقراً ويحتم المجتمع على كل فرد من أفراده أن يخضع لتقاليده وعاداته، ويعتبره مسؤولاً أمامه عنها.. وتسمى هذه المسؤولية اجتماعية، وإذا اقتنع بها الفرد ورضي عنها تصبح أخلاقية واجتماعية في آن واحد.

والإسلام يقر ويبارك كل ما يرتضيه الناس لأنفسهم بشرط أن لا يحلل حراماً أو يحرم حلالاً.

وكما تقع المسؤولية على الفرد ـ في نظر الجماعة إذا تمرد على عاداتها ـ أيضاً تقع المسؤولية على عاتق الجماعة إذا هي سكتت عن الشر، وأغضت على الفساد، فأن جهاد المجرمين والمعتدين واجب اجتماعي وشرعي وعقلي تماماً كالوقاية ضد الأوباء والكوارث الطبيعية، قال سبحانه: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) (193 ـ البقرة).. (وتواصوا بالحق) (3 ـ العصر).. (وتعاونوا على البر والتقوى) (2 ـ المائدة).

واشتهر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). هناك مسألتان فيما يعود إلى إنكار المنكر أو تغييره: الأولى مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل وقوعه.. وفي هذه المسألة يختص الأمر والنهي بالقلب والبيان والموعظة الحسنة، ولا مجال وموضوع لليد هنا حيث لا فعل واقع تحت الحس كما هو الفرض، والأمر بالمعروف في هذه المسألة لا يجب على إطلاقه، وانما يتبع نوع المعروف، فيجب الأمر به إن كان واجباً، ويستحب إن كان ندباً، أما النهي عن المنكر فواجب إطلاقاً لأنه محرم بشتى أنواعه.

المسألة الثانية تغيير المنكر والحرام بعد وجوده ووقوعه تحت الحواس كالسلب والنهي، وقول الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله): من رأى منكم منكراً فليغيره الخ يختص بهذه المسألة دون تلك، وجعل(صلى الله عليه وآله) لها أولاً وقبل كل شيء التغيير باليد وارجاع الحق إلى أهله طالما كان ذلك ممكناً والا وجب الإنكار بالبيان لساناً وقلماً، والتشهير بالمجرم الآثم في الصحف وعلى المنابر، قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): ((ظهر الفساد فلا منكر مغير ـ بيده ـ ولا زاجر مزدجر، أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله في دار قدسه)).

فان تعذر التغيير يداً ولساناً فلا أقل من الإنكار بالقلب، وليس المراد به مجرد الكراهية وعدم الرضا وكفى، بل لا بد من المقاومة السلبية بهجر الأثيم الزنيم وإشعاره بأنه منبوذ ومرذول، ومن يُظهر له بشاشة الملق فهو له رفيق وشريك.. وفي كتاب أعمال القلوب والجوارح للمحاسبي: ((من سقى الماء للعاصي أو أرشده إلى الطريق فقد أعانه على الإثم، والله سبحانه يقول: (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) وقال سفيان الثوري: إذا سألك الطريق إلى المسجد فلا تدله، لعله يغتال رجلاً فيما بينه وبين المسلمين أو يظلمه)).

09-03-2016 عدد القراءات 2234



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا