31 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 14 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: فلسفات أخلاقية

أهل البيت (عليهم السلام)



ليس للأئمة الأطهار(عليهم السلام) رأي أو مذهب، ولا فلسفة ومبدأ يطبقون عليه أقوالهم وأحكامهم في الأخلاق وغير الأخلاق.. أبداً لا شيء عندهم إلا كتاب الله وسنة نبيه.. أما غيرهم فعنده الخلاف في التفسير والتأويل، وفي الخبر السليم والسقيم، وفي التخصيص والتعميم.. غيرهم يقول: نظرت واجتهدت، وقست واستحسنت، وأهل البيت يقولون: ليس لنا من شيء وانما ننقل عن جدنا عن جبريل عن الباري تماماً كما قال جدهم(صلى الله عليه وآله): وانما أنا نذير مبين. والفرق أن النبي(صلى الله عليه وآله) لسان الله وبيانه وهم رواة عن جدهم النبي مع العصمة عن الافتراء والخطأ.

سأل سائل الإمام الصادق(عليه السلام) عن مسألة، وبعد أن أجابه عنها قال الرجل: ارأيت إن كان كذا وكذا؟ فقال له الإمام: مه، ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله(صلى الله عليه وآله). لسنا من ارأيت في شيء. وتكرر هذا المعنى في أقوال أهل البيت في أساليب شتى منها: ((كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف.. من ترك كتاب الله وقول نبيه فقد كفر. ما حدثناكم عن شي فعن جدنا رسول الله نحدث.. من عمل برأيه إن أصاب لم يؤجر، وان أخطأ كذب على الله ورسوله.. لا تقبلوا علينا إلا ما وافق الكتاب والسنة، فان لكلامنا حقيقة، وعليه نور فما لا حقيقة له، ولا نور عليه فذلك قول الشيطان)).

هذا هو النهج الموثوق والمأمون لأنه إلهي بحت، ولو سار عليه المسلمون بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) لما تفرقوا شيعاً، بل كانوا أمة واحدة، ونفساً واحدة، وصيحة واحدة ضد أعداء الإسلام وأعدائهم.

وبعد، فان الغرض الأول من كل ما تقدم هو التأكيد والتركيز على أن أخلاق أهل البيت(عليه السلام) هي أخلاق القرآن.. وفيما يلي نذكر كلمات في مبادئ الاخلاق مما رواه الرواة عن أهل البيت، ترشد القارئ إلى السلوك الأمثل في حياته، بالإضافة إلى ما يجد في قراءتها من متعة تستهويه وتجذبه.

العاقل

يثق أهل البيت(عليه السلام) بالعقل أقوى ثقة لأنه الدليل الأول الذي تنتهي إليه كل الدلالات والعلامات حتى التجربة والمشاهدة فانها لا تُقبل إلا من عاقل، بل لولا العقل لا علم بشيء على الإطلاق حتى بالخالق وعظمته، وبأي شيء نستدل على وجود الله؟ وكيف يخاطبنا بقوله سبحانه: (ألست بربكم) (172 ـ الأعراف) اذا لم يهبنا العقل أولاً وقبل كل شيء؟ قال الإمام الكاظم(عليه السلام): ((ان الله تعالى أكمل للناس الحجة بالعقول.. وقد جعل العقل دليلاً على معرفته)).

وهكذا لا يكمل شيء في الإنسان إلا بالعقل، قال الإمام الصادق(عليه السلام): ((من كان عاقلاً كان له دين.. وأكمل الناس عقلاً أحسنهم أخلاقاً)).

والشاهد العدل على هذه الصلة الوثيقة بين العقل والدين أن الكثير من الجاهلين المؤمنين بالله يقيمون له تمثالاً من حجر او خشب أو يجعلون له صاحبة وولداً.. إلى غير ذلك من الأساطير. تعالى الله علواً كبيراً.

أما صلة العقل بالأخلاق فهي تماماً كصلته بالدين لأن الدين رأس الأخلاق وأكرمها، وقد يكون الإنسان جاحداً غير مؤمن، ومع ذلك يتحلى ويتصف بخصلة من خصال الخير كالحلم أو السخاء فيلتقي بهذه الخلة مع الدين على صعيد واحد، أما المؤمن الكامل فكل خلاله وخصاله خير وفضيلة تنسجم مع دينه وإيمانه وعقله، ولا يناقض نفسه بنفسه، وإذا بدرت منه سيئة ساءته، واعترف بها نادماً آسفاً لأن العصمة لأهلها. قال الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله): من تاب من الذنب كمن لا ذنب له.. ومن رأى أنه مسيء فهو محسن. وقال الإمام(عليه السلام): سيئة تسوءك خير من حسنة تعجبك.

والعاقل وحده هو الذي يؤنب نفسه، ويلومها على الإساءة، ويعترف بخطئها. قال الإمام(عليه السلام): الحدة ضرب من الجنون لأن صاحبها يندم، فان لم يندم فجنونه مستحكم.

وبعد، فان الهدف الأول من الدين والعقل والأخلاق، أن يفعل الإنسان أحسن ما يستطيع. والفرق أن العقل هو الأصل والأساس حيث لا دين ولا أخلاق بلا عقل، والعقل أعم وأشمل منهما حيث لا علم بلا عقل، وقد يكون أعلم العلماء بلا خُلق ودين، بل يتغلغل العقل في كل جانب من حياة الناس اليومية مع أن الكثير منها ضد الدين والأخلاق.. وقد يبني بعض الناس المعابد، وينفقون الملايين باسم الدين، ويعبئون الجيوش للدفاع عنه بزعمهم، وهم في واقعهم حرب على الدين والإنسانية! وفي كتاب كيف يحيا الإنسان؟ لمؤلفه (لين يوتانج): ((يستخدمون السفن الحربية في التبشير بالنصرانية وانجيلها)) يقول: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر. وقال الشاعر شاكياً للسيد المسيح من (أمته):
يا حامل الآلام عن هذا الورى***كثرت عليه باسمك الآلام

كل الناس أحرار

أن مذهب أهل البيت(عليه السلام) أن الإنسان مخير لا مسير، وعلى هذا فالكل يحتكم إلى العقل والوحي. فقد جاء في أصول الكافي عن أهل البيت أن الله، تقدست مشيئته قال: ((يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء)).

وفي الجزء الأول من روضة الكافي أن الإمام أمير المؤمنين قال: ((إن آدم لم يلد عبداً ولا أمة، ان الناس كلهم أحرار)). وفي نهج البلاغة: ((لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً)).

وما من شك أن القول بحرية الإنسان ليس فتحاً في الفلسفة، ولا هو منقبة لقائله لأن الحرية كالتنفس ثابتة بحكم الطبيعة وقانونها لا بجعل جاعل وتشريع مشرع حيث لا إنسانية بلا حرية، ولولاها لعجز الإنسان عن أدنى الأشياء. وتحدثنا عن ذلك مطولاً في العديد من كتبنا، ولعل أنفع ما كتبناه في هذا الموضوع فصل فلسفة الاختيار من كتاب فلسفة التوحيد والولاية.

وكنا في غنى عن هذه الإشارة هنا لولا أن خصوم الإسلام قد طعنوا به ونعتوه بدين الجبر والقهر، واستدلوا بمذهب الأشعري وأتباعه من السنة القائل بأن كل ما يفعله الإنسان فهو مكتوب عليه، ومقدر بإرادة الله منذ البداية!. ومعنى هذا أنه لا أخلاق ولا خير ولا شر من الأساس لأن سلوك الإنسان وجميع أفعاله أشبه بالثمرة على الشجرة والجريان في الماء.. ومن أنصف وعرف أن أهل البيت هم أئمة الإسلام وترجمان القرآن، لا يحتج بجبري وأشعري.

واعتذر الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه دستور الأخلاق عن الأشاعرة وقال: إنهم يريدون من سلب الحرية عن الإنسان في عالم الإمكان لا في عالم الوقوف أي أنه تعالى قادر على ذلك ولكنه لم يفعل (انظر ص 66 وما بعدها من الكتاب المذكور). أما الشيخ الدكتور محمد البهي الأزهري فقال في رسالة الإسلام لدار التقريب العدد الأول من السنة الثامنة ص 63: ((ان القرآن والسنة يثبتان حرية الإنسان، أما القول بأنه مسير لا مخير فهو من تأويل ضعفاء المسلمين أو أصحاب الغرض منهم أو من غيرهم)).

09-03-2016 عدد القراءات 6018



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا