31 أيار 2020 م الموافق لـ 08 شوال 1441 هـ
En FR

 

العلم نور :: الجامعة في فكر الإمام

خلاصة عامة



لم تكن رؤية الإمام الخميني قدس سرهللجامعة لتنفصل عن روح ومنطلقات الثورة الإسلامية الإيرانية التي قامت على نماذج من الأطر الناظمة للمجتمع من سياسية واقتصادية واجتماعية. أما الجامعة فهي لم تكن لتخرج عن المسار الذي اتخذته الثورة لنفسها وهو المضي في ترسيخ النموذج الإسلامي في المجتمع. أما المعالم والخطوط العريضة لرؤية الإمام الخميني حول الجامعة فهي تبرز من خلال تبديات ظهرت في الدعوة إلى استقلالية الجامعة عن الشرق والغرب ، وربط العلوم بغايات دينية ودنيوية و ثقافية وحضارية ،وهذا الربط يصبح أكثر انسجاماً مع ما طرحة الإمام حول وظيفة الأستاذ الجامعي في علاقته مع مجتمعه ومع النماذج الحضارية الأخرى.

أما أهمية التعرف إلى رؤية الإمام فتقترن بالتعرف على المنطلقات اولاً ، ومن ثم الوقوف على عناوين الرؤية وقد تجلت بما يلي:

في المنطلقات

تبين من سياق هذه الأقس أن الجامعة في فكر الإمام الخميني قدس سرههي الجامعة التي ينبغي لها الارتباط في منظورها الوظيفي وآفاق دورها بالرؤية الإسلامية الشاملة التي تنطلق من أصالة نظرة الإسلام إلى العلم والمعرفة والغاية الناتجة عن اقتران العلم بمسيرة التطور التاريخي للبشرية.

فخلال مقارنتنا لمنابع المعرفة في منطلقاتها الإسلامية وبعد تحديد الدوافع التي تشد الإنسان نحو المعرفة وهي دوافع فطرية بطبيعة الحال ومن ثم دوافع تتصل بحاجة الإنسان إلى المعرفة لتسيير أموره الحياتية ولمحاولة الانفكاك من أسر الطبيعة.

في المنطلقات الإسلامية كان للعقل الذي يعد بمثابة الأداة التي يختص بها الإنسان دون غيره في المعرفة يتبين مدى الأهمية التي يعيرها الإسلام للعقل باعتباره الأداة التي يعي من خلالها وجوده وإدراك كنه الأشياء وفلسفة وجودها وهو موكول إليه التعرف على بارئ الوجود.

في البعد الرؤيوي
- ربط العلوم بمنهج التوحيد الإلهي:

يعد ربط العلوم بمنهج التوحيد الإلهي أحد الأبعاد التي شكلت الدعامة الأساسية لنظرة الإمام الخميني قدس سرهللعلوم وبالتالي للجامعة كميدان وكحاضنة للفروع العلمية المتنوعة. لقد كان الإمام يجد أنه رغم التطور الهائل في تقدم العلوم فإنها لم تستطع تبديد القلق الوجودي الذي يعيشه الإنسان، هذا القلق ناتج عن تمحوره حول البعد المادي جراء انفصال العلوم عن مقام التوحيد وبالتالي اقتصارها على البعد الظاهري وخاصة العلوم الطبيعية. في حين يجعل الإمام لهذه العلوم بعدين أحدهما ظاهري والآخر باطني وهذان البعدان يراد لهما دوام الارتباط فيما بينهما أولاً لأن البعد الظاهري لا غنى عنه للإنسان سواء كان إلهياً أو مادياً لمواجهة تعقيدات الحياة وتطويرها نحو الأفضل في تلبية حاجات الإنسان، ولضبط علاقته بأخيه الإنسان. في حين أن البعد الآخر أي الباطني لا بد أن يراعى حتى في العلوم الطبيعية كالطب والفيزياء والكيمياء وغيرها لكي يرى الإنسان عظمة الخالق في الوجود ولكي يكدح إلى بارئه في ارتقائه نحو الكمال سواء على نحو كونه فرداً أو سواء على نحو الكدح العام للبشرية في ارتقائها الحضاري نحو الكمال الإلهي من خلال الارتباط بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وعالم الطبيعة وعالم الألوهة.

- وظيفة الجامعة في المجتمع:
الثورة كان لا بد لها أن تحدث في أوساط الجامعة في مناهجها وأساتذتها وطلابها بعد التخلص من دونية الإحساس إزاء الغرب ومحاولة تأجيل المفاهيم السائدة بردها إلى أصولها الإسلامية على غرار الحرية والفن والأخلاق وغيرها وهي مفاهيم ذات طابع إشكالي، فبعد التعرض لمساوئ التأثر بالغرب وللانعكاسات السلبية لهذه المفاهيم حين جعلها مورداً للتطبيق في المجتمع الإسلامي وبالتحديد في تجربة إيران خلال مراحل سبقت الثورة الإسلامية بعدها يجري الإمام الخميني مطالعة حول الانحرافات التي تم إحداثها لدى الجيل الشاب والنخب الجامعية جراء التأثر بتلك المفاهيم وهو إحداث مقصود من قبل السلطة القائمة قبل الثورة كمقدمة لدوام وجودها جراء تحويل الوعي إلى وعي مشوه يصرف الإنسان عن أصالة حركته المنشودة نحو دفع الظلم والارتقاء بمجتمعه نحو الأفضل في تحقيق العدالة والتنمية ومن ثم الانطلاق نحو تعميم النموذج الحضاري الإسلامي.

- تقديم النموذج الحضاري
لقد حملت الثورة الإسلامية في إيران كبقية الثورات في العالم أفكاراً وقيماً جديدة، انعكست على كافة مناحي وشؤون الحياة بما في ذلك المؤسسة الجامعية.وقد أولى الإمام هذه المؤسسة اهتماماً كبيراً واعتبر دورها خطيراً إلى درجة أنها تحدد مستقبل المجتمعات والأمم.

لكن الإمام في تأسيسه للنظرة الجديدة للجامعة ركز بداية على النواة الأولى وهي الإنسان، فاعتبره الموجود الوحيد الذي يعيش نهم المعرفة وقابلية العلم التي لا تنتهي عن حد، فهو حقيقة مجردة، مفطور على التوحيد وعاشق للكمال، لكمال المعرفة والعلم المطلق، لكن غاية ما وصل إليه جهد البشر العلمي معرفة الطبيعة دون العلم الحقيقي الذي يحتل البعد المعنوي للإنسان، لذا اقتضت الحكمة والعناية الإلهية إرسال الأنبياء ليؤسسوا مدرسة التوحيد لتزكية النفوس من جهة ومنع طغيان الإنسان من جهة أخرى.

فمن خلال إصلاح الإنسان تثمر جهود الأنبياء في إنقاذ الناس من أسر النفس وظلمتها ومن ظلمة الاستضعاف من ظلم المستكبرين.

فأساس البعثة ونهضة عاشوراء رفع الظلم وتحقيق العدالة والذي لن يتم إلا من خلال قيام الحكومة الإسلامية.
وقيام الحكومة الإسلامية هو النموذج الحضاري الإسلامي الذي يُعبر عن نسيج الإسلام بما يمثل من رؤية كونية مختلفة إلى العالم والوجود ومن مشروع حياة ونظام اجتماعي ذات بعد إلهي وهي التي تنجز حقيقة الاستخلاف الإلهي في الأرض وتحوله إلى حركة تكاملية مستمرة في عملية كدح وارتقاء نحو المطلق واللامحدود.

- الاستقلال وعدم التبعية
أراد الإمام في تأسيسه للحكومة الإسلامية أن تكون رسالته أممية تمتد لتُعيد رسم خارطة العالم وتخرجه من دائرة الاستقطاب الحاد الذي يعيشه، فقسم العالم إلى مستضعفين ومستكبرين، عالمين لا يجتمعان ولا يتصالحان، واعتبر أن الجمهورية الإسلامية بشعار لا شرقية ولا غربية هي النواة الأولى لتحقيق حكومة العدل الإلهي العالمي.

والجامعات يجب أن يكون شأنها شأن الجمهورية في استقلالها عن الشرق والغرب، وهذا يعني أسلمتها وذلك من خلال ارتباطها بثقافة الإنسان التوحيدي وأهدافه وغايته، وهذا لن يتم إلا من خلال بناء الإنسان الجامعي بإصلاح ثقافته وتربيته وإيجاد برامج تتوافق مع الرؤية التوحيدية للعلم بما يتفق مع الفطرة الإنسانية.

- في وظيفة الأستاذ والطالب
كذلك ومن جهة أخرى فإن الإنسان الجامعي أي الطالب أو الأستاذ ومن خلال الأفكار والكلمات التي قدمها الإمام قدس سره حظي بأهمية لافتة في هذا السياق حيث كان هذا الاهتمام يبرز على وجه الخصوص بتوجيهاته لهاتين الشريحتين حيث رسم الإمام قدس سره النقاط الهامة التي تجعل منه إنساناً يقوم بالدور المطلوب منه بالأخص وأن رسالته على مستوى تربية الأجيال تتشابه من وجوه متعددة مع الرسالة التي من أجلها ضحى الأنبياء العظام. فالأنبياء جاءوا لصناعة الإنسان وجعله محور الهداية والسير نحو الكمال وهكذا يمكن للأستاذ أن يلعب الدور نفسه على مستوى الجامعة وتربية الطلاب وإعدادهم ليكونوا أفراداً نافعين في المستقبل. وعلى هذا الأساس تناولنا الأفكار التالية والتي تتعلق بالأستاذ: الدور التربوي للأستاذ الجامعي، مشاركته الفاعلة في الحفاظ على الدين والقيم، ودوره الهام في مواجهة الانحرافات ثم مساهمته العملية في الاستقلال الثقافي للبلد. بعد ذلك عرجنا على أهم القضايا التي يتوقعها الإمام قدس سره من الأستاذ على مستوى التربية ونشر الوعي وإصلاح المناهج والحفاظ على الثورة.

أما فيما يتعلق بالطالب الجامعي فقد أوضح الإمام قدس سره خلال كلماته المسؤولية الملقاة على عاتق الطالب الجامعي اتجاه المجتمع والبيئة المحيطة به وهي تتمحور حول اطلاعه العميق على دوره في التوعية ورفض المنحرفين والدفاع عن الوطن والإسلام. من جهة أخرى أوضح الإمام قدس سره في كلماته ما يتوقع من الطالب الجامعي على مستوى مساهمته في إيجاد حالة من الوحدة بين التشكلات والتجمعات الجامعية وجديته في تحصيل العلم والتدخل العملي والمثمر في قضايا البلد المصيرية.


*الجامعة في فكر الإمام الخميني قدّس سرّه , سلسلة الندوات الفكرية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

12-03-2016 عدد القراءات 981



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا