1 حزيران 2020 م الموافق لـ 09 شوال 1441 هـ
En FR

 

تساؤلات وردود :: حول المعاد

شبهة الآكل والمأكول



إنّ هذه الشبهة من أقدم الشبهات الّتي وردت في الكتب الكلامية حول المعاد الجسماني، وقد اعتنى بدفعها المتكلّمون والفلاسفة عناية بالغة، وإلى هذه الشبهة أشار المحقّق الطوسي ـ في ضمن الجواب بقوله: ولا تجب إعادة فواضل المكلّف . وقد قُرّرت بصور نذكر منها ما يلي:

1_لـو أكـل إنسانٌ كافرٌ، إنساناً مؤمناً، وقلنا بأنّ المراد من المعاد هو حشر الأبدان الدنيوية في الآخرة، فيلزم تعذيب المؤمن، لأنّ المفروض أنّ بدنه أو جزءاً منه، صار جزءاً من بدن الكافر، والكافر يُعذَّب، فيلزم تعذيب المؤمن.

2_أنّ المقابر الواقعة في أكناف البلاد تتبدّل إلى حدائق للتنزّه والتفرّج أو إلى مزارع وحقول زراعية يتغذّى منها الحيوان والإنسان، فيؤول بدن الإنسان الميّت، جزءاً من الإنسان الحي، فعندئذ يطرح الإشكال المتقدّم.

الجواب: وهو من وجهين:

الأوّل: ما أجاب به غير واحد من المتكلّمين وحاصله: أنّ المُعاد، إنّما هو الأجزاء الأصلية، وهي الباقية من أوّل العمر إلى آخره، لا جميع الأجزاء على الإطلاق، وهذه الأجزاء الأصلية، التي كانت للإنسان المأكول، هي في الآكل فضلات، فإنّا نعلم أنّ الإنسان يبقى مدّة عمره وأجزاء الغذاء تتوارد عليه وتزول عنه، فإذا كانت فضلات فيه، لم يجب إعادتها في الآكل بل في المأكول ويظهر من المحقق الطوسي ارتضاؤه ـ هذا القول حيث قال: ولا تجب إعادة فواضل المكلّف ـ كما مرّ ـ وأوضحه العلاّمة الحلي بقوله: إنّ لكلّ مكلّف أجزاء أصلية لا يمكن أن تصير جزءاً من غيره، بل تكون فواضل من غيره لو اغتذى بها.

الثاني: ما يحتاج إلى تقديم مقدّمة، وهي أنّ الإشكال مبني على أنّ للإنسان عبر الحياة بدناً واحداً، لا يتبدّل ولا يتغيّر،ولكن الثابت عند الاخصّائيين غير ذلك، فقد ذهبوا إلى أنّ مجموع خلايا البدن تتبدّل إلى خلايا أُخرى كلّ عشر سنوات، فبدن الإنسان بعد عشر سنين، من عمره يغاير بدنه الموجود قبل عشر سنين، وعلى هذا فالإنسان الّذي يبلغ عمره ثمانين سنة قد عاش في ثمانية أبدان مختلفة، وهو يحسبها بدناً واحداً.

إذا عرفت ذلك فنقول هنا فروض للشبهة، نفترضها ثم نجيب عنها:

1_لو فرض أنّ بدن إنسان صار جزءاً من بدن إنسان آخر، فبما أنّ للمأكول أبداناً متعدّدة على مدى حياته، فواحد منها مقرون بالمانع، والأبدان الأُخرى خالية منه فيحشر مع الخالي..

2_لو فرض أنّ جميع أبدانه اقترنت بالمانع، فإنّه أيضاً لا يصد عن القول بالمعاد الجسماني، لأنّ الناموس السائد في التغذية، هو أنّ ما يستفيده الإنسان من الغذاء لا يتعدى ثلاثة بالمائة من المأكول والباقي يدفعه. فإذن لا مانع من أنْ تتعلق الروح بالأجزاء الباقية الّتي تتفاوت عن البدن الدنيوي من حيث الوزن والحجم، ولم يدلّ دليل على أنّ المحشور في النشأة الأُخروية يتّحد مع الموجود في النشأة الدنيوية في جميع الجهات وعامّة الخصوصيات.

3_لو فرض أنّ قانون التحوّل ساد على أبدان المأكولين، فلم يبق من كلّ بدن إلاّ النزر اليسير الّذي يتشكّل منه بدن إنسان كامل، فلا مانع في هذا الفرض النادر من تكميل خلقته بالمواد الأرضية الأُخرى حتى يكون إنساناً قابلاً لتعلّق الروح به، وليس لنا دليل على أنّ المُعاد في الآخرة يتّحد مع الموجود في الدنيا في جميع الجهات حتى المادة الّتي يتكّون منها أكثر البدن.

نعم، إنْ كانت المادة الترابية الّتي تكوّن منها البدن الدنيوي موجودة، فلا وجه للعدول عنها إلى تراب آخر، وأمّا إذا كانت مقرونة بالمانع، فلم يبق إلاّ جزء يسير لا يكفي لتكوّن البدن، فلا غرو في أن يُتَسَبَّب في تكميل خلقته بالأخذ من المواد الترابية غير المقرونة بالمانع.

وهنا جواب آخر عن عامّة الفروع، وهو: أنّ العلم الحديث كشف عن وجود خلايا أساسية لكلّ فرد من أفراد الكائنات الحية، فلو بقي من كلّ إنسان خلية أساسية واحدة وهي إذا خضعت للتربية والنمو والتكامل تكون إنساناً كاملاً، ولا شكّ أنّ الإنسان يتشكّل بدنه من مليارات الخلايا، ومن البعيد أن تؤكل عامّة خلاياه ولا يبقى منها حتّى ولو خلية واحدة تقبل التكامل والإعادة في يوم المعاد.


* العلامة المحقق ابة الله جعفر السبحاني / شبهات وردود.

14-03-2016 عدد القراءات 1933



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا