15 تشرين الثاني 2019 م الموافق لـ 17 ربيع الأول 1441 هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: البعثة النبوية

مفاسد المجتمع العربيّ



كان المجتمع العربيّ قائماً على:
1- التعصُّب القبليّ الأعمى، ينتصرون للقبيلة سواء أصابت أم أخطأت[1].
2- الثأر من القبيلة كلّها حتّى ولو كان المُخطئ فيها أحد أفرادها.
3- التفاخر بالأنساب[2] ولا سيّما بين العدنانيّين (عرب الشمال)، والقحطانيّين (عرب الجنوب).
4- الحروب والنهب والقتل، حيث لم يكن العربيّ يحمل مشاعر ودّية للناس خارج إطار قبيلته، سوى تحريمهم للقتال في الأشهر الحُرم (ذي القعدة، وذي الحجّة، ومحرّم، ورجب) وكان ذلك ممّا تمسّك به العرب من ملّة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
5- ومن أبرز مظاهر الجهل عند عرب الجاهليّة نظرتهم إلى المرأة، التي حُرِمت من قيمتها الإنسانيّة ومن حقوقها الاجتماعيّة، ومن الإرث. وكان الرجل إذا مات وله زوجة تزوّجها ابنه من بعده إن لم تكن أمّه، لأنّها من المواريث، فضلاً عن وأدهم للبنات وهُنَّ أحياء لكونهنّ عاراً على القبيلة، ولعدم قدرة المرأة على القتال والدفاع عن نفسها في الحروب، وخوفاً من السبي.
 
الحالة الدينيّة في الجزيرة العربيّة
لم يكن سكان الجزيرة العربيّة جميعهم على دينٍ واحد إبّان ظهور الإسلام، فكان الغالب آنذاك عبادة الأصنام، كما كان هناك أتباع ديانات سماوية كالمسيحيّة واليهوديّة والحنيفيّة والمانويّة والصابئة، يقطنون في بقاع شتّى من الجزيرة.
 
ولم يَسْلَم أيّ من تلك الأديان من التشويش والتحريف، فانطوت على كثير من المغالطات والتضليل من قِبَل معتنقيها أو غيرهم فنفرت النفوس منها.
 
وفيما يلي شرحٌ موجزٌ عن الأديان المعروفة والمتَّبعة آنذاك:

1- الموحّدون:
 الموحّدون أو الحنفاء[3]، هم الذين كانوا يرفضون عبادة الأصنام، ويُؤمنون بوحدانية الله تعالى، وأحياناً بالبعث والحساب ويوم القيامة، وكان قسمٌ من هذه الجماعة من أتباع الديانة المسيحيّة، ومنهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وقُسّ بن ساعدة الأياديّ، وزهير بن أبي سلمى...
 
ونزوع هؤلاء الأشخاص إلى التوحيد يرجع إلى سلامة فطرتهم، والفراغ الدينيّ في ذلك المجتمع، وفقدان الديانتين المسيحيّة واليهوديّة لأصالتهما، وعدم قدرتهما على بثّ السكينة في النفوس، ولذلك كان الموحِّدون يبحثون عن الديانة الحقّة، ويقطعون المسافات للقاء علماء من النصارى واليهود، للتحقُّق منهم حول العلامات الواردة في الكتب السماويّة عن بعثة رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم. وغالباً ما كانوا يَصِلون إلى نتيجة مفيدة.
 
2- المسيحيّة:
انتشرت المسيحيّة في بعض أجزاء جزيرة العرب، ففي الجنوب عن طريق الحبشة، وفي الشمال عن طريق سورية[4]، وشبه جزيرة سيناء، إلّا أنّها لم تجتذب إليها أنصاراً كُثُر، وكان من هؤلاء النصارى: قيس بن ساعدة، وحنظلة الطائي، وأُميّة بن أبي الصلت.
وتغلغلت المسيحيّة في اليمن منذ القرن الرابع الميلاديّ. وعند ظهور الإسلام كانت بعض أحياء العرب في اليمن على دين النصرانيّة. وأهمّ مواطن النصرانيّة في جزيرة العرب كان نجران، وهي مدينة خصبة عامرة بالسكان والتجارة[5].
 
وبقيت النصرانيّة رائجة في اليمن إلى أن حَكَمَ ذو نوّاس أرض اليمن، فوقع بالنصارى وقتلهم إرغاماً لهم على ترك دينهم، وعندما رأى ثباتهم أحرقهم في أخدود نارٍ حفره لهم. وقد استنجد النصارى بالحبشة فأنجدوهم، وغزوا بلاد العرب سنة 525م، وهزموا ذا نوّاس، وعاد المسيحيّون إلى الحُكم من جديد[6].
 
وكذلك انتشرت المسيحيّة في الحِيرة قرب الكوفة، بواسطة أسرى الحرب الرومانيّين... وأهمّ دليل يشهد على وجود هذا الدين في زمن نزول القرآن في جزيرة العرب، هو مباهلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قساوسة وفد نجران[7].
 
3- اليهوديّة:
انتشرت اليهوديّة في جزيرة العرب قبل ظهور الإسلام لا سيّما في اليمن، وخيبر ويثرب، حيث بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع. وكان لليهود وزنهم السياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ، واستطاعوا أن يستهلكوا من الدولة الإسلاميّة فيما يُقارب سبع سنوات من الحروب والغزوات، حتّى استطاع الإسلام أن يقضي عليهم سياسيّاً وعسكريّاً. وقد كان اليهود هم المحرِّضون الفعليّون للمشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم المتآمرون الأكثر خبثاً ودهاءً مع الفرس على الدولة الإسلاميّة وعقيدتها.
لقد كان اليهود يعتبرون أنفسهم شعبَ الله المختار، وأنّهم القادة الذين رشّحهم الله تعالى لقيادة البشريّة، ولذلك كانوا يَرَون بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من العرب - لا من بني إسرائيل - انتزاعاً للقيادة من أيديهم وتسليمها لغيرهم، ولذلك كانت عداوتهم عنيفة، وكان حقدهم شديداً.
 
نشر اليهود في جزيرة العرب تعاليم التوراة (المُحرَّفة) وما جاء فيها حتّى تهوّد كثيرٌ من قبائل اليمن. ومن أشهر المتهوِّدين ذو نوّاس ـ ملك اليمن ـ وقد اشتُهر بتحمُّسه لليهوديّة واضطهاده لنصارى نجران، وإعلانه اليهوديّة ديناً رسميّاً[8].
 
4- الوثنيّة:
كانت الوثنيّة منتشرة في جميع أنحاء الجزيرة العربيّة، فكانت تُعتبر الديانة الأكثر أتباعاً وانتشاراً فيها، وهنا لا بدّ من ذكر النقاط التالية:

أ- نشأة الوثنيّة: يُنقل أنّ أوّل من أدخل عبادة الأصنام إلى مكّة عمرو بن لُحيّ الخُزاعي، الذي أُصيب بمرض الحكّة في جلده، فَوُصِفَ له الاغتسال بماءٍ حارّة في بلاد حوران، فذهب واغتسل بها فشفاه الله، ووجد الناس هناك يعبدون الأصنام، فحمل معه صنماً فنصبه في الكعبة الشريفة، وقيل غير ذلك[9].
 
ب- أصنام العرب: من أصنامهم مناة، اللاّت، العُزّى، هُبل (وهو الذي جاء به عمرو بن لُحيّ)، إساف ونائلة، ودّ، يغوث، يعوق، نَسر...
 
ج- إيمان الوثنيّين بالله تعالى: كان الوثنيّون يؤمنون بالله العليِّ الأعلى، وأنّه هو الخالق البارئ المصوّر، وقد حكى القرآن الكريم إيمانهم هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[10].
وهم لا يعبدون هذه الأصنام إلّا لتكون وسيلتهم إلى الله، كما قال تعالى على لسانهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى[11]، وبذلك وقعوا في مفارقات غريبة لا يقبلها عقل، ولا يُقرُّ بها منطق.
 
5- الصابئة:
ظهرت هذه الديانة في عهد حكم طهمورث، ومؤسّس هذه الديانة هو يوذاسف. وقيل عنهم بأنّهم أُناسٌ يوحّدون الله ويُنزِّهونه عن القبائح ويصفونه بالسلب لا بالإيجاب، كقولهم: لا يُحدّ ولا يُرى ولا يَظلم ولا يجور، وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه، ويقولون بحياتها ونطقها وسمعها وبصرها، وكانت لهم هياكل وأصنام بأسماء الشمس معلومة الأشكال، مثل هيكل بعلبكّ لصنم الشمس، وهياكل في حرّان منسوبة إلى القمر. وقد آلت هذه الديانة في عصرنا إلى الانقراض[12].
 
هذا بالإضافة إلى الديانة المانويّة والزردشتية التي تُقدِّس النار (المجوسيّة) والمزدكية. وقال بعضٌ: بأنّ هذه الديانات لم تكن منتشرة في الجزيرة العربيّة باستثناء المانويّة.كما وكان قسم من أهالي الجزيرة العربيّة يعبدون الجنّ والملائكة.
 
 * سيرة الرسول الاكرم (ص) اعداد مركزن نون للترجمة والتاليف.


[1] رفض الإسلام العصبيّة الجاهليّة العمياء، واعتبرها نوعاً من التوجه الجاهليّ البعيد عن المنطق: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمً (سورة الفتح، الآية: 26). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من تعصّب أو تعُصّب له فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"، ثواب الأعمال للصدوق، ص263. 
[2] ولهذا السبب كانت هناك قيمة وأهميّة لعلم الأنساب عند العرب.
[3]حنيف وجمعها أحناف، تطلق هذه الكلمة على من يتَّبع دين النبيّ إبراهيم عليه السلام.
[4] كانت الشام آنذاك تحت سيطرة الدولة الرومانية الشرقية.
[5] حسن، إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسيّ، ج 1، ص64.
[6] يروي بعض المفسّرين أنّ الآيات 4-9 من سورة البروج نزلت في قتل النصارى، أو أنّ هذه الواقعة ممّا تنطبق عليه هذه الآيات (الميزان في تفسير القرآن: ج20/ص251 257-) حيث قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ *  وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ *  وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ سورة البروج، الآيات: 3-9.
[7] الطباطبائي، محمّد حسين: الميزان في تفسير القرآن، ج3، ص228، إنتشارات إسماعيليان، قم، ط3، 1393هـ.
[8] راجع أمين، أحمد، فجر الإسلام، ص 23 - 24 27-، مكتبة النهضة العربيّة، القاهرة، 1964م، ط9.
[9] ومن ذلك أنّ أصل عبادة الأصنام حدثت عندما كَثُر أبناء إسماعيل عليه السلام واضطرّوا إلى أن يخرجوا من مكة طلباً للعيش، فكانوا يحملون عند خروجهم شيئاً من تراب الحرم الذي يحمل ذكرى الكعبة، أثر أبيهم إسماعيل، ثمّ حملوا هذا التراب للحفاظ عليه، وتطوّرت الذكرى إلى تقديس، فعبادة.
[10] سورة لقمان، الآية: 25.
[11] سورة الزمر، الآية: 3.
[12] البيرونيّ الخوارزميّ، أبو الريحان محمّد بن أحمد، الآثار الباقية، ص 205، مطبعة المثنى، بغداد، وقيل بأنّهم ما زالوا موجودين حتى العصر الحالي في جنوب العراق.

04-05-2016 عدد القراءات 1450



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا