4 حزيران 2020 م الموافق لـ 12 شوال 1441 هـ
En FR

 

القرآن الكريم :: قرآنيات

سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَـوَتِ وَمَا فِى الاْرْضِ



ألَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَـوَتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمنَ النَّاسِ مَن يُجَـدِلُ فِى اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدىً وَلاَ كِتَـب مُّنِير(20) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَـنُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ(21) وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَـقِبَةُ الاُْمُورِ(22) وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَاب غَلِيظ(24). سورة لقمان .

تسخير الموجودات السماوية والأرضيّة

(ألم تروا أنّ الله سخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض).


إنّ لتسخير الموجودات السماوية والأرضيّة للإنسان معنى واسعاً يشمل الاُمور التي في قبضته وإختياره، ويستخدمها برغبته وإرادته في طريق تحصيل منافعه ككثير من الموجودات الأرضيّة، كما تشمل الاُمور التي ليست تحت تصرّفه وإختياره، لكنّها تخدم الإنسان بأمر الله جلّ وعلا كالشمس والقمر. وبناءً على هذا فإنّ كلّ الموجودات مسخّرة بإذن الله لنفع البشر، سواءً كانت مسخّرة بأمر الإنسان أم لا، وعلى هذا فإنّ اللام في (لكم) لام المنفعة(1).

ثمّ تضيف الآية: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة).

«أسبغ» من مادّة (سَبغ) وهي في الأصل بمعنى الثوب أو الدرع العريض الكامل، ثمّ اُطلق على النعم الكثيرة الوفيرة أيضاً.

هناك إختلاف بين المفسّرين في المراد من النعم الظاهرة والباطنة في هذه الآية ..

فالبعض إعتقد أنّ النعمة الظاهرة هي الشيء الذي لا يمكن لأيّ أحد إنكاره كالخلق والحياة وأنواع الأرزاق، والنعم الباطنة إشارة إلى الاُمور التي لا يمكن إدراكها من دون دقّة ومطالعة ككثير من القوى الروحية والغرائز المهمّة.

والبعض عدّ الأعضاء الظاهرة هي النعم الظاهرة، والقلب هو النعمة الباطنة.

والبعض الآخر إعتبر حسن الصورة والوجه والقامة المستقيمة وسلامة الأعضاء النعمة الظاهرة، ومعرفة الله هي النعمة الباطنة.

وفي حديث عن الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنّ ابن عبّاس سأله عن النعم الظاهرة والباطنة فقال (صلى الله عليه وآله): «يابن عبّاس، أمّا ما ظهر فالإسلام وما سوّى الله من خلقك، وما أفاض عليك من الرزق، وأمّا ما بطن فستر مساويء عملك ولم يفضحك به»(2).

وفي حديث آخر عن الباقر (عليه السلام): «النعمة الظاهرة: النّبي (صلى الله عليه وآله) وما جاء به النّبي من معرفة الله، وأمّا النعمة الباطنة ولايتنا أهل البيت وعقد مودّتنا»(3).

إلاّ أنّه لا توجد أيّة منافاة بين هذه التفاسير في الحقيقة، وكلّ منها يبيّن مصداقاً بارزاً للنعمة الظاهرة والنعمة الباطنة دون أن يحدّد معناها الواسع.

وتتحدّث الآية في النهاية عمّن يكفر بالنعم الإلهية الكبيرة العظيمة، والتي تحيط الإنسان من كلّ جانب، ويهبّ إلى الجدال ومحاربة الحقّ، فتقول: (من الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدىً ولا كتاب منير) وبدل أن يعرف ويقدّر هبة وعطاء كلّ هذه النعم الظاهرة والباطنة، فإنّه يتّجه إلى الشرك والجحود نتيجة الجهل.

ولكن ما هو الفرق بين «العلم» و «الهدى» و «الكتاب المنير»؟

لعلّ أفضل ما يمكن أن يقال في ذلك هو أنّ «العلم»: إشارة إلى الإدراكات التي يدركها الإنسان عن طريق عقله، و «الهدى»: إشارة إلى المعلّمين والقادة الربّانيين والسماويين، والعلماء الذين يأخذون بيده في هذا المسير ويوصلونه إلى الغاية والهدف، والمراد من «الكتاب المنير»: الكتب السماوية التي تملأ قلب الإنسان نوراً عن طريق الوحي.

إنّ هذه الجماعة العنيدة في الحقيقة لا يمتلكون علماً، ولا يتّبعون مرشداً وهادياً، ولا يستلهمون من الوحي الإلهي، ولمّا كانت طرق الهداية منحصرة بهذه الاُمور الثلاثة فإنّ هؤلاء لمّا تركوها سقطوا في هاوية الضلال والضياع ووادي الشياطين.

وتشير الآية التالية إلى المنطق الضعيف السقيم لهذه الفئة، فتقول: (وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتّبع ما وجدنا عليه آباءنا) ولمّا لم يكن اتّباع الآباء الجهلة المنحرفين جزءاً من أيّ واحد من الطرق الثلاثة المذكورة أعلاه للهداية، فإنّ القرآن ذكره بعنوان الطريق الشيطاني، وقال: (أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير)(4).

إنّ القرآن ـ في الحقيقة ـ يزيح هنا الغطاء عن اتّباع سنّة الآباء والأجداد الزائفة، ويبيّن الوجه الحقيقي لعمل هؤلاء والذي هو في حقيقته اتّباع الشيطان في مسير جهنّم.

أجل، إنّ قيادة الشيطان بذاتها تستوجب أن يخالفها الإنسان وإن كانت مبطّنة بالدعوة إلى الحقّ، فمن المسلّم أنّه غطاء وخدعة، والدعوة إلى النار كافية لوحدها أيضاً للمخالفة بالرغم من أنّ الداعي مجهول الحال، فإذا كان الداعي الشيطان، ودعوته إلى نار جهنّم المستعرة، فالأمر واضح.

هل يوجد عاقل يترك دعوة أنبياء الله إلى الجنّة، ويلهث وراء دعوة الشيطان إلى جهنّم؟!

ثمّ تطرّقت الآية التالية إلى بيان حال مجموعتين: المؤمنين الخلّص، والكفّار الملّوثين، وتجعلهم مورد إهتمامها في المقارنة بينهم، فقالت: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد إستمسك بالعروة الوثقى).

والمراد من تسليم الوجه إلى الله سبحانه، هو التوجّه الكامل وبكلّ الوجود إلى ذات الله المقدّسة، لأنّ الوجه لمّا كان أشرف عضو في البدن، ومركزاً لأهمّ الحواسّ الإنسانية، فإنّه يستعمل كناية عن ذاته.

والتعبير بـ (وهو محسن) من قبيل ذكر العمل الصالح بعد الإيمان.

والإستمساك بالعروة الوثقى تشبيه لطيف لهذه الحقيقة، وهي أنّ الإنسان يحتاج لنجاته من منحدر الماديّة والإرتقاء إلى أعلى قمم المعرفة والمعنويات وتسامي الروح، إلى واسطة ووسيلة محكمة مستقرّة ثابتة، وليست هذه الوسيلة إلاّ الإيمان والعمل الصالح، وكلّ سبيل ومتّكأ غيرهما متهرّيء متخرّق هاو وسبب للسقوط والموت، إضافة إلى أنّ ما يبقى هو هذه الوسيلة، وكلّ ما عداها فان، ولذلك فإنّ الآية تقول في النهاية: (وإلى الله عاقبة الاُمور).

جاء في حديث نقل في تفسير البرهان عن طرق العامّة عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليهما السلام) عن النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «وسيكون بعدي فتنة مظلمة، الناجي منها من تمسّك بالعروة الوثقى، فقيل: يارسول الله، وما العروة الوثقى؟ قال: ولاية سيّد الوصيّين، قيل: يارسول الله، ومن سيّد الوصيّين؟ قال: أمير المؤمنين، قيل: يارسول الله ومن أمير المؤمنين؟ قال: مولى المسلمين وإمامهم بعدي، قيل: يارسول الله، ومن مولى المسلمين وإمامهم بعدك؟ قال: أخي علي بن أبي طالب»(5).

وقد رويت روايات اُخرى في هذا الباب تؤيّد أنّ المراد من العروة الوثقى مودّة أهل البيت (عليهم السلام)، أو حبّ آل محمّد (صلى الله عليه وآله)، أو الأئمّة من ولد الحسين (عليهم السلام)(6).

وقد قلنا مراراً: إنّ هذه التفاسير بيان للمصاديق الواضحة، ولا تتنافى مع المصاديق الاُخرى كالتوحيد والتقوى وأمثال ذلك.

ثمّ تطرقت الآية التالية إلى بيان حال الفئة الثّانية، فقالت: (ومن كفر فلا يحزنك كفره) لأنّك قد أدّيت واجبك على أحسن وجه، وهو الذي قد ظلم نفسه.

ومثل هذه التعبيرات التي وردت مراراً في القرآن، تبيّن أنّ النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)كان يتألّم ويتعذّب كثيراً عندما يرى الجاهلين العنودين يتركون سبيل الله مع تلك الدلائل البيّنة والعلامات الواضحة، ويسلكون سبيل الغيّ والضلال، وكان يغتمّ إلى درجة أنّ الله تعالى كان يسلّي خاطره في عدّة مرّات، وهذا دأب وحال المرشد والقائد الحريص المخلص.

فلا تحزن أن تكفر جماعة من الناس، ويظلموا ويجوروا وهم متنعّمون بالنعم الإلهيّة ولا يعاقبون، فلا عجلة في الأمر، إذ: (إلينا مرجعهم فننبّئهم بما عملوا) فإنّنا مطّلعون على أسرارهم ونيّاتهم كإطّلاعنا على أعمالهم، فـ : (إنّ الله عليم بذات الصدور).

إنّ تعبير: إنّ الله ينّبىء الناس في القيامة بأعمالهم، أو أنّه تعالى ينبّئهم بما كانوا فيه يختلفون، قد ورد في آيات كثيرة من القرآن المجيد، وبملاحظة أنّ (ننبّئكم) من مادّة (نبأ) والنبأ ـ على ما أورده الراغب في مفرداته ـ يقال للخبر الذي ينطوي على محتوى وفائدة مهمّة، وهو صريح وخال من كلّ أشكال الكذب، سيتّضح أنّ هذه التعبيرات تشير إلى أنّ الله سبحانه يفشي ويفضح أعمال البشر بحيث لا يبقى لأحد أيّ إعتراض وإنكار، فهو يظهر ما عمله الناس في هذه الدنيا ونسوه أو تناسوه، ويهيّؤه للحساب والجزاء، وحتّى ما يخطر في قلب الإنسان ولم يطّلع عليه إلاّ الله تعالى، فإنّه سبحانه سيذكرهم بها.

ثمّ يضيف بأنّ تمتّع هؤلاء بالحياة لا ينبغي أن يثير عجبك، لأنّا (نمتّعهم قليلا ثمّ نضطرهم إلى عذاب غليظ) ذلك العذاب الأليم المستمر.

إنّ هذا التعبير لعلّه إشارة إلى أنّ هؤلاء لا يتصوّروا أنّهم خارجون عن قبضة قدرة الله سبحانه، بل إنّه يريد أن يمهل هؤلاء للفتنة وإتمام الحجّة والأهداف الاُخرى، وإنّ هذا المتاع القليل من جانبه أيضاً، وكم يختلف حال هؤلاء الذين يجرّون ويُسحبون بذلّة وإكراه إلى العذاب الإلهي الغليظ، وحال اُولئك الذين وضعوا كلّ وجودهم في طريق العبودية لله سبحانه، وإستمسكوا بالعروة الوثقى، فهم يعيشون في هذه الدنيا طاهرين صالحين، وفي الآخرة يتنعّمون بجوار رحمة الله.

* تفسير الأمثل _ سورة لقمان / اية الله مكارم الشيرازي .


1 ـ كانت لنا بحوث اُخرى حول تسخير الموجودات للإنسان في ذيل الآية (2) من سورة الرعد.
2 ـ مجمع البيان، ذيل الآية مورد البحث.
3 ـ المصدر السابق.
4 ـ إعتبر المفسّرون (لو) هنا شرطية كالمعتاد، وجزاؤها محذوف، والتقدير: لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير أيتبعونه.
5ـ تفسير البرهان، الجزء 3، صفحة 279 ذيل الآية مورد البحث.
6 ـ لمزيد الإيضاح راجع تفسير البرهان، الجزء 3، صفحة 278 و279.

13-06-2016 عدد القراءات 1754



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا