2 حزيران 2020 م الموافق لـ 10 شوال 1441 هـ
En FR

 

القرآن الكريم :: بحوث من سورة الجن

تحقيق حول خلق الجن



الجن كما جاء في المفهوم اللغوي هو نوع من الخلق المستور، وقد ذكرت له مواصفات كثيرة في القرآن منها:

1ـ إنّهم مخلوقون من النار، بعكس الإنسان المخلوق من التراب:  ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ1.

2ـ إنّهم يمتلكون الإدراك والعلم والتمييز بين الحق والباطل والقدرة على المنطق والإستدلال، (كما هو واضح من آيات سورة الجن).

3ـ إنّهم مكلّفون ومسؤولون (كما في آيات سورة الجن والرحمن).

4ـ وفيهم المؤمنون والصالحون والطالحون: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِك2.

5ـ إنّهم يحشرون وينشرون :  ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا3.

6ـ لهم القدرة على النفوذ في السماوات وأخذ الأخيار واستراق السمع، ولكنّهم منعوا من ذلك فيما بعد:  ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا4.

7ـ كانوا يوجدون ارتباطاً مع بعض الناس لإغوائهم بما لديهم من العلوم المحدودة التابعة إلى بعض الأسرار الروحية:  ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا5.

8ـ ويوجد فيهم من يتمتع بالقدرة الفائقة كما وجود في أوساط الإنس: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ6.

9ـ لهم القدرة على قضاء بعض الحوائج التي يحتاجها الإنسان ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ... يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ7.

10ـ إنّ خلقهم كان قبل خلق الإنسان:  ﴿وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْل8 ولهم خصائص أُخرى بالإضافة إلى ذلك فإنّه يستفاد من الآيات القرآنية أنّ الإنسان هو نوع أفضل من الجن، وبخلاف ما هو مشهور على الألسن لأنّهم أفضل منّا، ودليل اختيار الأنبياء من الإنس، وإنّهم آمنوا بنبي الإسلام الذي هو من الإنس واتبعوه، وهكذا وجوب سجود الشيطان لآدم عليه السلام كما صرّح القرآن بذلك ،وكون الشيطان من أكابر طائفة الجن (الكهف 50) هو دليل على أفضلية بني الإنسان على الجنّ.

إلى هنا كان الحديث عن أُمور تستفاد من القرآن المجيد حول هذا الخلق المستور والخالية من كل الخرافات والمسائل غير العلمية، ولكنّنا نعلم أن السذج والجهلاء ابتدعوا خرافات كثيرة فيما يخص هذا الكائن بما يتنافي مع العقل والمنطق، منها ما نسب إليهم الأشكال الغريبة والعجيبة والمرعبة، وأنّهم موجودات سامة وذوات أذناب! مؤذية، ومبغضة، سيئة التصرف والسلوك إذ يمكن أن تحرق دوراً بمجرّد أن يسكب إناء ماء مغلي في بالوعة مثلاً، وأوهام أُخرى من هذا القبيل، في حين أنّ أصل الموضوع إذا تمّ تطهيره من هذه الخرافات قابلاً للقبول، لأننا لا نملك دليلاً على حصر الموجودات الحية بما نحن نراه، بل يقول علماء العلوم الطبيعية: إنّ الكائنات التي يستطيع الإنسان أن يدركها بحواسه ضئيلة بالنسبة للموجودات التي لا تدرك بالحواس.

وفي الفترة الأخيرة وقبل أن يكشف المجهر هذه الكائنات الحية، لم يصدق أحد أنّ هناك الآلاف المؤلفة من الموجودات الجية المتواجدة في قطرة الماء أو الدم لا يمكن للإنسان أن يراها ويقول أيضاً: إنّ أعيننا ترى ألواناً محددة، وكذا آذانناً تسمع أمواجاً صوتية محددة، والأولوان والأصوات التي لا ندركها بآذاننا وأعيننا أكثر بكثير من تلك التي تدرك، وعندما تكون الدنيا بهذا الشكل لا يبقى موضع للتعجب من وجود هذه الكائنات الحية، والتي لا يمكن لنا إدراكها بالحواس، ولم لا نتقبل ذلك عندما يخبرنا انسان صادق كالنّبي العظيم صلى الله عليه وآله وسلم.

على أي حال فإنّ القرآن المجيد قد أخبرنا من جهة بوجود الجن وخصوصياته المذكورة سلفاً، ومن جهة أُخرى ليس هناك دليل عقلي على عدم وجود الجن، ولهذا لابدّ من الإعتقاد بهم، وتجنب الأقوال التي لا تليق بهم كما في خرافات العوام.

وممّا يلاحظ أيضاً أنّ لفظ الجن يطلق أحياناً على مفهوم أوسع يشمل أنواعاً من الكائنات المستورة أعم من الكائنات ذوات العقل والإدراك ولفاقدة لهما، وحتى مجاميع الحيوانات التي ترى بالعين والمختفية في الأوكار أيضاً، والدليل على ذلك روايات وردت عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: "خلق اللّه الجن خمسة أصناف: صنف كالريح في الهواء، وصنف حيات، وصنف عقارب، وصنف حشرات الأرض، وصنف كنبي آدم عليهم الحساب والعقاب"9.

وبالتوجه إلى هذه الرّوايات ومفهومها فسوف تحلّ الكثير من المشاكل التي تطرح في الرّوايات والقصص الخاصّة بالجن.

ففي رواية وردت عن أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: "لا تشرب الماء من ثلمة الإناء ولا عروته، فإنّ الشيطان يقعد على العروة والثلمة"10. لأنّ الشيطان هو من الجن، ولأنّ ثلمة الإناء وعروته محل لإجتماع المكروبات المتنوعة، فلا يستبعد أن يكون الجن والشيطان بمفهومه العام شاملاً لمثل هذه الكائنات، وإن كان المعنى الخاص له هو الكائن ذو فهم وشعور وإنّه مكلّف ومسؤول، والرّوايات كثيرة في هذا الباب.

ربّنا! ألطف بنا يوم يحضر الجن والإنس في محكمة عدلك، ويوم يندم المسيؤون على ما عملوا.

اللّهم! إنّ أركان ملكك واسعة ومعرفتنا ومعلوماتنا محدودة، فاحفظنا وصنّا من المزالق والخطايا والحكم بغير الحقّ.

إلهنا! إنّ مقام رسولك الكريم من العظمة والسمو أن آمن به الجن مضافاً إلى الإنس، فاجعلنا من المؤمنين بدعوته...


1 ـ الرحمن، 15.
2 ـ الجن، 11.
3 ـ الجن، 15.
4 ـ الجن، 9.
5 ـ الجن، 6.
6 ـ النمل، 39.
7 ـ سبأ، 12 ـ 13.
8 ـ الحجر، 27.
9 ـ سفينة البحار، ج1، ص186 (مادة الجن).
10 ـ الكافي، ج6، ص385، كتاب الأشربة، باب الأواني، الحديث 5.

13-06-2016 عدد القراءات 2005



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا