21 شباط 2020 م الموافق لـ 26 جمادى الثانية 1441 هـ
En FR

القرآن الكريم :: بحوث من سورة الجن

اللّه عالم الغيب



﴿قُلْ إِنْ أدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّى أَمَداً * عَلِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول فَاِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لَيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسِـلَـتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيء عَدَداً (سورة الجن: 25 - 28).

لقد تبيّن في الآيات السابقة حقيقة أنّ العصاة يبقون على عنادهم واستهزائهم حتى يأتي وعد اللّه بالعذاب، وهنا يطرح السؤال، وهو: متى يتحقق وعد اللّه؟ وقد بيّن المفسّرون سبب نزول الآية، وذكروا أنّ بعض المشركين كالنضر بن الحارث سألوا عن وعد اللّه بعد نزول هذه الآيات أيضاً، وقد أجاب القرآن على ذلك فقال: ﴿قُلْ إِنْ أدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّى أَمَداً.

هذا العلم يخص ذاته المقدسة تعالى شأنه، وأراد أن يبقى مكتوماً حتى عن عباده المؤمنين، ليتحقق الإختبار الإلهي للبشرية، وإلاّ فلم يؤثر الإختبار.

"أمد": على وزن (صمد) وتعني الزمان، وعلى ما يقوله الراغب في مفرداته: إنّ هناك اختلافاً بين الزمان والأمد، فالزمان يشمل الإبتداء والإنتهاء، وأمّا الأمد فإنّها الغاية التي ينتهي إليها.

وقيل أيضاً بتقارب المعنى في الأمد والأبد مع اختلاف، وهو أنّ الأبد يراد به المدّة غير المحدودة، وأمّا الأمد فهي المدّة المحدودة وإن طالت.

وعلى كل حال، فإنّنا كثيراً ما نواجه مثل هذه المعاني في آيات القرآن، وعندما يسأل الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم عن يوم القيامة يجيب بأنّه ليس لهم علم بذلك، وأن علمه عند الله، وورد في حديث أنّ جبرئيل عليه السلام ظهر عند النّبي صلى الله عليه وآله وسلم على هيئة أعرابي، فسأله عن الساعة، فقال النّبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" فأعاد عليه السؤال رافعاً صوته: يا محمّد متى الساعة؟ فقال النّبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ويحك، إنّها كائنة فما أعددت لها؟" فقال الأعرابي: لم أعد كثيراً من الصلاة والصيام، ولكن أُحبّ اللّه ورسوله، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم): "فأنت مع من أحببت"، فقال أنس (وهو أحد الصحابة): فما فرح المسلمون بشيء كفرحهم بهذا الحديث1.

ثمّ يبيّن في هذا الحديث قاعدة كلية بشأن علم الغيب فيقول: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً2.

ثمّ يضيف مستثنياً: ﴿إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول.

أي يبلغه ما يشاء عن طريق الوحي الإلهي: ﴿فَاِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَداً.

"رصد": في الأصل مصدر، ويراد به الإستعداد للمراقبة من شيء، ويطلق على الإسم الفاعل والمفعول، ويستعمل في المفرد والجمع، أي يطلق على المراقب والحارس أو على المراقبين والحرّس.

ويراد به هنا الملائكة الذين يبعثهم اللّه مع الوحي إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ليحيطوه من كل جانب، ويحفظوا الوحي من شرّ شياطين الجنّ والإنس ووساوسهم: ومن كل شيء يخدش أصالة الوحي، ليوصلوا الرسالات إلى العباد من دون خدش أو زيادة أو نقصان، وهذا هو دليل من الأدلة على عصمة الأنبياءعليهم السلام المحفوظين من الزّلات والخطايا بالإمداد الإلهي والقوّة الغيبية، والملائكة.

في بحثنا للآية الأخيرة التي تنهي السورة تبيان لدليل وجود الحراس والمراقبين فيقول:  ﴿لَيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسِـلَـتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيء عَدَداً3.

المراد من العلم هنا هو العلم الفعلي، وبعبارة أُخرى ليس معنى الآية أنّ اللّه ما كان يعلم عن أنبيائه شيئاً ثمّ علم، لأنّ العلم الإلهي أزلي وأبدي وغير منتاه، بل إنّ المراد هو تحقق العلم الإلهي في الخارج، ويتخذ لنفسه صورة عينية واضحة، أي ليتحقق إبلاغ الأنبياء ورسالات ربّهم ويتمموا الحجّة بذلك.


2ـ تفسير المراغي، ج29، ص105.
2ـ عالم الغيب خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو عالم الغيب، وقيل: صفة أو بدل لربّي في الآية السابقة.
3ـ أرجع بعض المفسّرين ضمير (ليعلم) إلى الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: المراد من ذلك هو أنّ اللّه قد جعل لأسرار الوحي والرسالة حفظة وحراساً، وليعلم الرّسول أنّ الملائكة قد أبلغوا إليه الوحي الإلهي فتطمئن نفسه ولا يتردد في أصالة الوحي، ولكن هذا القول في غاية البعد، وذلك لأنّ حمل الرسالة من عمل النّبي صلى الله عليه وآله وسلم لا من عمل الملائكة وعبارة الرّسول في الآية السابقة والرسالات في الآيات التي مضت تخصّ شخص الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولذا فإنّ التّفسير الأوّل هو الأوجه.

 

13-06-2016 عدد القراءات 1516



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا