31 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 14 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: الصوم

رخصة في أحكام الصّوم



أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَتُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَاعَنكُم فَالْئَـنَ بَـشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَـشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـكِفُونَ فِى الْمَسَـجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ ءَايَـتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(187)سورة البقرة.

روي أن الأكل كان محرّماً في شهر رمضان بالليل بعد النوم، وكان النكاح حراماً بالليل والنهار في شهر رمضان. وكان رجل من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقال له مطعم بن جيبر شيخاً ضعيفاً، وكان صائماً، فأبطأت عليه أهله بالطعام فنام قبل أن يفطر، فلما انتبه قال لأهله: قد حُرّم عليّ الأكل في هذه الليلة.

فلما أصبح حضر حفر الخندق فأُغمي عليه، فرآه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فرقّ له.

وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرّاً في شهر رمضان، فأنزل الله هذه الآية فأحلّ النّكاح بالليل في شهر رمضان، والأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر(1).

مرّ بنا في سبب نزول الآية أن النكاح كان محرّماً في ليالي شهر رمضان إضافة إلى نهاره، وأن الأكل والشرب كانا محرمين في الليل أيضاً بعد النوم، ولعل ذلك كان اختباراً للجيل الإِسلامي الأوّل وإعداداً له كي يتقبل أحكام الصوم الثابتة.
الآية الكريمة تتضمن أربعة أحكام إسلامية في حقل الصوم والاعتكاف. تقول أولا: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ(2) إِلى نِسَائِكُمْ).

ثم تذكر الآية سبب الحكم فتقول: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ).

واللباس يحفظ الجسم من الحر والبرد وأنواع الأخطار من جهة، ويستر عيوب الجسم من جهة اُخرى، أضف إلى أنه زينة للإِنسان، وتشبيه الزوج باللباس يشمل كل هذه الجوانب.

الزوجان يحفظ كل منهما الآخر من الإِنحراف والعيوب، ويوفّر كل منهما سبل الراحة والطمأنينة للآخر، وكل منهما زينة للآخر.

هذا التعبير يوضّح غاية الإِرتباط المعنوي بين الرجل والمرأة ومساواتهما في هذا المجال، فالتعبير جاء للرجل كما جاء للمرأة بدون تغيير.

ثم يبين القرآن سبب تغيير هذا القانون الإِلهي ويقول: (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ).

فالله سبحانه وسّع عليكم الأمر وخفّفه، وجعل فيه رخصة بلطفه ورحمته، كي لا تتلوثوا بالذنوب.

(فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ).

وهذا الأمر لا يعني طبعاً الوجوب، بل هو رخصة بعد المنع، أو هو بتعبير الأُصوليين «الأمر عقيب الخطر»، ويدل على الجواز.

عبارة (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) إشارة إلى أن الإِستفادة من هذه الرخصة الكائنة في مسير قوانين الخلقة وحفظ النظام وبقاء النسل لا مانع فيها.

ثمّ تبيّن الآية الحكم الثاني وتقول: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاَْسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ).

للمسلم ـ إذن ـ أن يأكل ويشرب في الليل، حتى إذا طلع الفجر يمسك.

وتبين الآية الحكم الثالث: (ثُمَّ أَتِمُوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ).

هذه الجملة تأكيد على حظر الأكل والشرب والنكاح في أيّام شهر رمضان للصائمين، وتشير إلى أن الحظر يبدأ من طلوع الفجر وينتهي عند الليل.

تطرح الآية بعد ذلك الحكم الرّابع وتقول: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمِسَاجِدِ).

هذا الحكم يرتبط بالاعتكاف، وهو شبيه بالإِستثناء من الحكم السابق، ففي الاعتكاف الذي لا تقلّ مدّته عن ثلاثة أيّام، لا يحق للمعتكف الصائم أن يباشر زوجته لا في الليل ولا في النهار.

في ختام الآية عبارة تشير إلى كل ما ورد فيها من أحكام تقول: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا) لأن الاقتراب من الحدود يبعث على الوسوسة، وقد يدفع الإِنسان إلى تجاوز الحدود والوقوع في الذنب.

نعم، (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).

الحدود الإِلهية:
بعد أن ذكرت الآية الكريمة بعض أحكام الصوم والاعتكاف، عبّرت عن هذه الأحكام بالحدود الإِلهية، وهي الحدود بين الحلال والحرام ... بين الممنوع والمباح. ومن الملفت للنظر أن الآية لم تقل لا تتجاوزوا هذه الحدود، بل قالت: (فَلاَ تَقْرَبُوهَا)، لأن الاقتراب منها يؤدي إلى إثارة الوساوس، وقد يؤدي أحياناً إلى تجاوز هذه الحدود.

لذلك نهى الإِسلام عن الولوج في مناطق تؤدي إلى إنزلاق الإنسان في المحرمات، كالنهي مثلا عن الاشتراك في مجالس شرب الخمر حتى مع عدم التلوث بالخمرة، أو النهي عن الاختلاء بالمرأة الأجنبية.

هذا النهي ورد في النصوص الإِسلامية تحت عنوان «حماية الحمى».

ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، فَمَنْ يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمى يُوشَكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ»(3).

من هنا فالمتقون لا يجنّبون أنفسهم الوقوع في المحرمات فحسب، بل يسعون إلى عدم الإِقتراب من حافّة الحرام.

الاعتكاف
العكوف والإعتكاف أصله اللزوم، يقال: عكفت بالمكان، أي أقمت به ملازماً له، وهو في الشرع اللبث في المساجد للعبادة، وأقلّه ثلاثة أيّام يصوم خلالها المعتكف ويكفّ عن بعض المباحات.

هذه العبادة لها الأثر العميق على تصفية الروح والقرب من الله، وذكرت كتب الفقه آدابها وشروطها، هذه العبادة مستحبة، وقد تتخذ أحياناً في ظروف استثنائية طابع الوجوب. في الآية التي نبحث فيها ورد ذكر أحد شروط الإِعتكاف وهو حظر النكاح ليلا ونهاراً، وهذه الإشارة جاءت لإِرتباطها بمسألة الصوم.

طلوع الفجر:
الفجر في الأصل شقّ الشيء شقاً واسعاً، وسمّي الصبح فجراً لأنه فَجَر الليل.

وعبّرت الآية عن الفجر أيضاً بأُسلوب (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ اَلاَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاَْسْوَدِ). ومن الظريف أن «عدي بن حاتم» قال للنبي: إني وضعت خيطين من شعر أبيض وأسود فكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي، فضحك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حتى رؤيت نواجذه ثم قال: «يَا ابْنَ حَاتَم إِنَّمَا ذَلِكَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ فَابْتِدَاءُ الصَّوْمِ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ»(4).

وهذا التعبير يوضّح أيضاً الفرق بين الصبح الصادق والصبح الكاذب: لأنّ الفجر فجران: الفجر الكاذب وهو على شكل عمود من الضوء يظهر في السماء كذنب السرحان (الثعلب)، وبعده يظهر الفجر الصادق وهو بياض شفّاف أُفقي يظهر في أُفق السماء كخيط أبيض يظهر إلى جوار الخيط الأسود. وهذا هو الصبح الصادق وبه يتعلق حكم الصوم والصلاة. ولا يشبه الفجر الكاذب.

التقوى، هي الأوّل والآخر: في أوّل آية ترتبط بأحكام الصوم ورد ذكر التقوى على أنها الهدف النهائي للصوم، وفي آخر آية أيضاً وردت عبارة (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) وهذا يؤكد أن كل مناهج الإِسلام وسيلة لتربية الروح والتقوى والفضيلة والإِرادة والإِحساس بالمسؤولية.

تفسير الأمثل / سورة البقر_ اية الله مكارم الشيرازي.


1 ـ مجمع البيان، في تفسير الآية.
2 ـ الرفث: هو الحديث المكشوف عن المسائل الجنسية، واستعير لمعنى الجماع كما في الآية.
3 ـ تفسير الصافي، في تفسير الآية المذكورة.
4 ـ مجمع البيان، في تفسير الآية.

13-07-2016 عدد القراءات 1945



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا