27 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 10 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

الفكر الأصيل :: فكر الشهيد مطهري

الله هو الرزاق



تمهيد
شغلت قضية - الرزق وما زالت - اهتمامات الناس، وهيمنت بصورة لا مثيل لها على تفكيرهم وتوجّهاتهم وتحديد خياراتهم في هذا الحياة. وبالنظر لما لهذه القضية من تأثير على مصير الإنسان، وبالنظر إلى أنّها تُعدّ من ظواهر الحياة الكبرى، فإنّ طرحها ومناقشتها في الأبحاث العقائدية يُعدّ مسألة ضرورية. وصحيح أنّ لهذه القضية أبعاداً مهمّة على صعيد السلوك الأخلاقي، إلّا أنّها في الواقع قضية ترتبط بصورة أساسية بنظرة الإنسان واعتقاده بالله تعالى.

إنّ الأبحاث العقائدية هي التي تدور حول معرفة الله تعالى وصفاته وشؤونه، ومنها تتفرّع كلّ القضايا الأخرى. ففهمنا للحياة والمجتمع والعالم والمصير، كلّ هذا ينبع من نظرتنا وفهمنا لقضيّة الألوهية وقضية حضور الله تعالى في الحياة وتدبيره للعالم والأمور.

التوحيد والرازقية1
قد يخطر في الذهن أنّه ما دمنا موحّدين، ونعتقد أنّ الله هو الخالق الرزاق، وما دام قرآننا السماوي الكريم يقول صراحة: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ2، ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَ3، وإنّه مادام البقاء في الحياة، وإنّ ذلك يشمل حقوق الناس، كلّ الحقوق، فإنّه لا لزوم للتفكير في مسائل تتعلّق بأرزاق الناس ونصيبهم ممّا هو بعهدة الله تعالى، بل قد يرى بعضهم أنّه لا يحقّ لنا أن نفكّر في ذلك، على اعتبار أنّه نوع من التدخل في شؤون الله ويتنافى مع أحد أصول الدين، وهو التوحيد، فأعمال الله لله، وما علينا إلا أن نتوكّل عليه وعلى رزاقيته. إنّ عمل الله هو خلق الرزق وايصاله.

في الردّ على هذا الكلام نقول: إنّنا إذا عرفنا الله كما يليق بقدسيته وكبريائه، وأدركنا بمقدار قدرتنا أسماءه الحسنى وصفاته العلى، لا أن نصفه مثلما نصف مخلوقًا عاجزًا من أمثالنا، عندئذٍ نفهم أنّ رزاقيته وتكفّله بأرزاق الناس لا يتنافى مع واجبنا في التفكير في حقوقنا وواجباتنا وفي العدالة ومقتضياتها. ولا يمنع هذا من أن تكون لنا وظائف وواجبات، وأن يكون علينا أن نسعى لإحقاق الحقّ. والخطوة الأولى في هذا المسعى هو معرفة معنى الحقّ والعدالة، ولو كان هناك أيّ تناقض لما حثَّ القرآن – وهو الذي يصف الله بالرزاق- على السعي والعمل، ولما ضحّى أولياء الحقّ، الذين تربّوا في ظلّ القرآن، بأنفسهم في سبيل الحقّ، ولما شرّع الدين قوانين لحقوق الناس ووسائل لبلوغها، ولما أمرنا بالإنفاق. أليس الإنفاق وبذل الصدقات عونًا في رزق الناس؟ أهذه مشاركة مع الله في رزاقيته وفي عمله الذي تعهّد به؟.

رازقية الإنسان ورازقية الله4
إنّ من طبائع الإنسان أن يجعل من نفسه مركزًا للمقارنة، ويفترض أن تكون صفاته وحالاته التي يراها في نفسه موجودة بالكيفية نفسها في الآخرين، والأطفال في سنواتهم الأولى يحسبون أنّ جميع مشاعرهم موجودة في الكائنات الأخرى، سواء الأدنى منهم أو الأعلى، بل إنّ الطفل يعتقد أن ألعابه تحمل مثل ما يحمل من أحاسيس، وأنّها تتألّم بالضرب مثلًا، لذلك فإنّه يضربها إذا ما غضب، وكذلك حاله بالنسبة للأرفع منه.

التنزيه أحد أركان التوحيد، والتنزيه يعني نفي التشبيه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ5 فعلينا أن ندرك أنّنا إن كنّا نصف الله بالعليم والحيّ والقدير والسميع والبصير والمريد والرزاق وغير ذلك، فإنّنا لا نشبّهه في أيّة صفة منها بأيّ مخلوق يمكن تصوّره، فإذا كان عالماً فإنّه يختلف عنّا في علمه، وليس ثمّة وجه للتشبيه، وكذلك الأمر فيما يتعلّق بالقدرة والحياة والإرادة والمشيئة وسائر الصفات الأخرى، وكذلك رزاقيته.

ما هو دور الإنسان في الرزق؟6
ينبغي أن نعلم أنّ الضمانة والتعهّد بالرازقية التي ننسبها إلى الله تعالى لا تشبه ما نقوم به نحن من ضمان وتكفّل وتعهّد، فإذا تكفّل إنسان برزق أحدهم وتعهّد بدفع مصاريفه، فإنّه يفعل ذلك بصورة معينة، ولكنّ الله يتكفّل بالرزق ويضمنه بصورة أخرى تليق مع ذاته الكاملة، فعندما نقرأ في القرآن الكريم: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَ ينبغي أن نتذكّر أنّ هذا المتكفّل هو "الله" لا المخلوق، أي إنّه الخالق الذي خلق الأنظمة والمخلوقات. إذاً فما يتكفّلهُ يختلف عمّا يتكفّل به مخلوق هو جزء من هذا النظام، وواقع تحت تأثير كائناته، ويكافح في نطاق حدوده، فهناك اختلاف بين طراز عمل من يعيش داخل هذه الأنظمة كجزء منها ومحكوم بقوانينها وطراز عملها، وذاك الذي خلق تلك الأنظمة ووضع قوانينها، فإنّ عمله لا بدّ أن يكون مختلفًا عن صورة هذه النظم، وعلينا أن نعرف نظام العالم العام وأسسه وكيف يكون، إنّ معرفة فعل الله ورزّاقيته هي معرفة أنظمة العالم.

نحن جزء من العالم ومن هذا النظام، ولنا وظائفنا مثل باقي أجزاء العالم، وإنّ واجباتنا في العالم فيما يتعلّق بالرزق والحقوق والتي أوكلها إلينا قانون الخلقة أو قانون الشريعة، إنّما هي من شؤون رزاقية الله.

إنّ قوّة التغذّي الكامنة في النباتات، وأجهزة التغذية في النبات والحيوان والإنسان، والغرائز والميول الموجودة في الأحياء والتي تدفعها نحو الغذاء، كلّها من شؤون رزاقية الله. إنّ الله هو الذي جهّزها بكلّ تلك الأجهزة المحيّرة وبشتّى أنواعها، لكي تستطع الاستفادة من الهواء والماء والمواد الغذائية، والله هو الذي جهّز تلك الكائنات بمجموعة من الميول والغرائز تدفعها للبحث عمّا يشبع حاجاتها بغير هوادة ولا كلل، وبغير أن تكون هي مدركة بما تفعل، ولماذا تفعل، وما فلسفة ذلك.

إنّ عقل الإنسان وإرادته وأحاسيسه التي تدفعه لكي يقوم بنفسه بحفظ حقوقه، والواجبات التي عهدت الشريعة إليه بالقيام بها لاستيفاء حقوقه واحترام حقوق غيره، والمسائل التي يبذلها الإنسان لبلوغ ما يريد من أهداف ومنافع، والمقاومة التي يبديها ضدّ الذين يريدون الاعتداء على حقوقه، والأفكار التي يؤلّفها بهذا الشأن، ومحاولاته الفكرية، والفلسفات التي يضعها، كلّ ذلك من مظاهر رزاقية الله ومن شؤونها، ومن مظاهر ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَ7.

ولولا هذه الحقيقة من أنّ ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَ ولولا هذه الكفالة والضمانة، لما كان ميل، ولا غريزة، ولا قوّة دافعة، ولا هضم، ولا لذّة، ولا حلو، ولا مرّ، ولما كان للنبات جذور تمتدّ الى باطن الأرض، ولما كان للحيوان والانسان أجهزة للهضم، وقوى جاذبة نحو التغذّي ودافعة إليه، ولما كانت هناك ضرورة لوجود تشريعات ودساتير بهذا الشأن، ولما قام الإنسان بالتفكير في ذلك وببحثه، وبكتابة الكتب حوله، وبايجاد الفلسفات له. إنّ كلّ هذه الفعاليات والنشاطات والتحرّكات قد ظهرت من "يا مدبر" و "يا رزاق" "يا الله"، الذي أوجد هذا النظام بهذا الترتيب، فلولا رزاقية الله ما كان لأيّ من تلك الأمور وجود، ولولا تلك الأمور، ما كان وجود لنبات ولا حيوان ولا إنسان، بل ما كان وجود لأيّ موجود، وذلك لأنّ الرزق بمعناه الأعمّ، ليس غير أن يستعين كائن بكائن آخر، ومن ثمّ يستعين الجميع بالله. فكل كائن، مهما كان مقامه ومركزه، هو في كلّ آن محتاج إلى الاستعانة بغيره.

وعلى ذلك فلا ينبغي القول بأنّه ما دام الله هو المتكفّل بالرزق فلا يجوز التفكير في هذه المسائل، وذلك لأنّ تفكيرنا في الرزق وسعينا إليه يدخل ضمن رزاقية الله، كما سبق تفصيل ذلك.

إنّ رزاقيته هي التي جعلت الرزق والمرزوق عاشقين لا يكلّ أحدهما من البحث عن الآخر.

لا ينبغي القول بأنّ بحث هذه المواضيع تدخّل في شؤون الله، بزعم أنّنا لا نستطيع أن نتدخّل في شؤون الله إلا إذا استطعنا أن نقوم مقامه في خلق هذه الأنظمة وهذا العالم، أو أن نستطيع تغيير نظام العالم وأن نضع قواعد وسنناً جديدة، أي أن نفعل ما يستحيل فعله عقلًا. أمّا نحن الذين خلقنا وفينا علاقة برزقه، وفينا خلق أجهزة تحتاج الى الرزق، ووجدت فينا بأوامره عقول وأفكار ورغبة في التفكير، كذلك يأمرنا دينه أن نحافظ على حقوقنا وأن نحترم حقوق غيرنا، ونحن بهذا لا نتدخل في شؤون الله، وإنّما نحن نسير وفق مشيئته ونطيع أوامره، فإذا لم نسعَ، وإذا لم نتفكر، بل اتّخذنا حالة من الركود والسكون والموت، نكون قد ابتعدنا عن إطاعة أوامر الله.

إنّ الله تعالى خالق ورزاق، فهو خالق لأنّه أوجد المخلوقات، ولولا إرادته ومشيئته لما وجد شيء، وهو رزاق، بمعنى أنّه أوجد الكائنات بحيث إنّها تحتاج الى الرزق، وهو الذي يرزقها.

إنّ الكائنات التي تحتاج الى الرزق قد خلقت بحيث إنّها تحتاج الى مخلوق آخر تتغذّى عليه للبقاء في الحياة، أي أن تجعل ذلك المخلوق الآخر جزءً منها بشكل ما، كما يمكن أن يجعل مخلوق آخر هذا المخلوق المرزوق رزقًا لنفسه فيعيش عليه. هناك تداخل وترابط بين الرزق والمرزوق، ولذا فهما لا ينفصلان، إنّ كلّ مرزوق هو في الوقت نفسه رزق لمرزوق آخر، فهو آكل ومأكول.

نظام الرزق الإلهي8
ثمّة مسألة أخرى، وهي التطابق بين الرزق والمرزوق... إنّ مبدأ الخلق يقول: إنّ كلّ شيء قد وُجد من أجل شيء آخر وله. فأنت مثلًا ترى أنّك صاحب حقّ في الدار، لأنّك قد بنيتها بنفسك، ومرة أخرى تراها ملكك لأنّ الذي بناها أول الأمر قد فعل ذلك لك ومن أجلك، وفي حالة إقامة الدعوى تقول: إنّ هذه الدار لي لأنّ فلاناً قد شيّدها لي.

إنّ البحث في آثار الخلق بهذا النظام والترتيب العجيب يكشف أنّ بعض الأشياء في بدء الخلق قد وجد من أجل شيء آخر، فالمولود الجديد وجهاز صنع اللبن في الأم شيئان مختلفان لا يرتبطان بعضهما ببعض، ولكنّ التدقيق في أجهزة الوليد وحاجاته، وفي أجهزة صنع اللبن وتطابقهما مع بعض، هذا التّطابق الخارق للعادة، أي كمال التّناسب بين لبن الأم وجهاز الهضم عند المولود، يؤكّد أنّ كليهما في منشأ الخلق كانا مرتبطين، فذاك الجهاز المعقّد قد وُجد لصنع اللبن لذاك الطّفل، ولا يمكن القول بعدم وجود أيّ هدف خاصّ بين خلق الثّدي وصناعة اللبن، فمن المسلّم به أنّ هذا اللبن قد خلق لذلك الطّفل. كانت في البدء ولا شكّ علاقة خاصّة بين أجزاء الخليقة بحيث يتطابق بعضهم مع بعض، فما دام الطّفل طفلًا غير قادر على الحصول على رزقه وإعداده، فقد أوجد له رزقه جاهزًا بالقرب منه من ثدي أمّه، ثمّ عندما يتدرّج الطّفل في النموّ، ويتعوّد على يديه ورجليه، يقوى على المزيد من الحركة والتعقّل والتمييز، بحيث إنّه يستطيع أن يسعى للحصول على رزقه، إذ إنّ رزقه لم يعد في متناول فمه كالسّابق، وكأنّهم يبعدونه عنه ليحثّوه على السّعي في طلبه والعثور عليه، وهناك على العموم تناسب بين تهيّؤ الرّزق ومقدار قدرة المرزوق على الاستفادة من الهداية التي هُيّئت له للوصول إلى رزقه. هناك نوع من الارتباط والتّجاذب بين الاثنين، فمرّة يكون من واجب الرّزق أن يسعى نحو المرزوق، كالمطر الذي يُساق إلى الأرض العطشى ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ9.

ومرّةً يكون من واجب المرزوق أن يتحرّك نحو الرّزق ليصل إليه، فالنّباتات تتغذّى من الأرض وينحصر رزقها في المواد الأوّليّة كالماء والهواء والنّور والأملاح، فوضع تحت تصرّفها من الأجهزة ما يمكّنها من تحصيل رزقها، وأتيح لها من الهداية ما يكفي لكي يصل بها إلى حيث رزقها، أي إنّ الحلقة قد أوكلت إليها واجب التحرّك نحو المواد الغذائيّة، ومنحتها ما يكفيها من الوسائل والأرشاد.

أمّا الحيوانات التي جاء خلقها في طرزاً آخر، بحيث لا تكفيها المواد الأوّليّة الموجودة في كلّ مكان، فقد وُهِبت وسيلة للتنقّل لكي تنتقل من مكانٍ إلى آخر، فهي ليست مزروعة في الطّين كالنّباتات، ولذلك قويت وسائل الاهتداء عندها، ووُهِبت الحواس والميول والرّغبات، فهي تتحرّك اهتداءً بحواسها مدفوعةً بميولها ورغباتها الدّاخليّة وتنتقل من مكانٍ إلى مكان للحصول على المواد الثّانويّة التي لا توجد في كلّ مكان، والمواد الثّانويّة هي النّباتات والحيوانات الأخرى. إنّ االحيوانات التي تحتاج إلى الماء لا يكفيها رطوبة الأرض إنّها تحتاج إلى ماءٍ وافر للشّرب، وهذا لا يتوفّر في كلّ الأنحاء، فعليها أن تتنقّل بحثًا عنه، والحيوانات لا تستطيع مقاومة برد الشّتاء وحرّ الصّيف كالنّباتات، فلا بدّ لها من مأوى يقيها ذلك، فكانت حواس الرّؤية والشمّ والسّمع والذّوق واللمس بشكل يتناسب وتلك الحاجات، كما وهبت الغرائز هاديات عجيبات.

فبعض الحشرات، كالنّمل، ذوات غرائز عجيبة جدًّا يقول الإمام عليّ عليه السلام في النّمل: "انْظُرُوا إِلَى الَّنمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا، وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلاَ بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا، وَصَبَتْ عَلَى رِزْقِهَا، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا. تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وُرُودِهَا لِصَدَرِهَا، مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا، لاَ يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ، وَلاَ يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ، وَلَوْ فِي الصَّفَاالْيَابِسِ، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ! وَلَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أُكْلِهَا، وَفِي عُلْوهَا وَسُفْلِهَا، وَمَا فِي الجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا، وَمَا فِي الرَّأسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً"10.

الإنسان ورزقه11
هذا مثال الحيوان الذي يسعى بحثًا عن رزقه، أمّا الإنسان، هذا الموجود الأعلى والأرقى، والذي لا يكتفي بما يكفي الحيوانات الأخرى للعيش، فمسألة تحصيله الرّزق مختلفة.

إنّ المسافة هنا بين الرّزق والمرزوق أبعد، ولذلك فقد أُتيحت له وسائل أكثر، وقويت فيه أجهزة الاستهداء، فأعطي العقل والعلم والفكر، وأرسل إليه الوحي والأنبياء لإعانته وتحديد تكاليفه وواجباته، وكل هذا من شؤون رازقيّة الله.

فالقول بأنّ "من وهب الأسنان وهب الخبز" ليس غلطًا، بل إنّه كلامٌ صحيحٌ ولكن ليس بمعنى أنّ وجود الأسنان يستدعي وجود الخبز الجاهز على مائدة الإنسان، إنّما بمعنى أنّ بين الأسنان والخبز في نظام الخلقة علاقة، فلولا الخبز ما كانت الأسنان، ولولا الأسنان وصاحب الأسنان ما كان الخبز، إنّ العلاقة موجودة في بدء الخليقة بين الرّزق والمرزوق ووسائل الحصول على الرّزق ووسائل أكل الرّزق وهضمه واجتذابه والاستهداء إليه، فالذي خلق الإنسان في الطّبيعة وأعطاه الأسنان، خلق أيضًا الخبز أو المواد القابلة للتغذّي والعيش في الطّبيعة، ومعها التّفكير والقدرة على العمل والحصول على المطلوب بأداء حسن مقبول.

بعد الاعتقاد الصحيح، ما العمل؟12
إذاً، فالقول بأنّ الله قد أعطى الأسنان وأعطى الخبز لا يعني أنّ رازقيّة الله تنفي ضرورة العمل والسّعي والكسب، وإنّه لا تستدعي التّفكير في استنباط أفضل الطّرق للحصول على الرّزق، وإنّه لا حاجة للدّفاع عن الحقوق، ما دام الخبز والأسنان وقوّة الكسب والعمل والفكر والعقل والدّين والسّعي للحصول على الرّزق كلّها جزء من جهازٍ واحد، هذه كلّها معًا من مظاهر رازقيّة الله.

وعليه، وبعد أن عرفنا العلاقة بين الرّزق والمرزوق، وعرفنا أنّ هناك وسائل خُلقت لإيصال الرّزق إلى المرزوق وبالعكس، وإنّ علينا واجبات في السّعي، يلزمنا أن نحاول التعرّف على أفضل الطّرق وأسلمها للوصول إلى الرّزق، لكي نبذل قوانا في ذلك الطّريق، فنتوكّل على الله الذي خلق ذلك الطّريق أيضًا.

التوكّل على الله13
ما معنى التوكّل؟ التوكّل ليس مناقضًا للسّعي وبذل الجهد بحيث نقول: هل نسعى ونكدّ أم نتوكّل على الله؟ إنّ معنى التّوكّل هو أن يعمل الإنسان دائمًا بمقتضى الحقّ فيعتمد على الله في هذا السّبيل، لأنّ الله يحمي الذين يحمون الحقّ ويؤيّد الذين يؤيّدونه. وكمثال: أنت تدخل محلًّا لتشتري منه متاعًا، فيضمن لك صاحب المحلّ جودة المتاع ويطمئنك إليه، فتصدّقه وتثق بأنّ المتاع هو كما يقول صاحبه. وطريق الحقّ قام الأنبياء بتعريفه لنا وتعهّدوا بأنّ السائر فيه واصل إلى نتيجة. إنّ الله بنى هذا العالم بحيث إنّه يحامي دائمًا عن الذين يحامون عن الحقّ والحقيقة، إنّ في الحقّ ينطوي دائمًا تأييدٍ معنويّ.

يقول الأنبياء: توكلّوا على الله وجاهدوا في سبيله. توكّلوا على الله واعتمدوا عليه في طلب الرّزق والزموا الطّريق السّليم المشروع ولا تنحرفوا عنه، أي إنّكم إذا لزمتم طريق الله فستكونون في حمايته وعنايته.

ليس معنى التّوكّل ألّا تفعل شيئًا فتعطّل قواك ووجودك وتظلّ في مكانك، معتمدًا على أنّ الله هو الذي يقوم عنك بواجباتك، إنّ البطالة والقعود دون حركة لا حجّة بهما إلى ضمان وتعهّد، إنّ السّكون والتوقّف لا يحتاجان إلى التأييد، إنّ السّكون والتوقّف وتعطيل القوى لا أثر له كي يضمنه الله أو غير الله.

لو استقصينا القرآن الكريم وجدنا أنّه يتناول التوكّل على الله بهذا المعنى، فالقرآن يقول: لا تخشوا السّير في طريق الحقّ وتوكلّوا على الله. ثمّة آية وردت في القرآن على لسان جميع الأنبياء الذين جاؤوا بعد نوح، كانوا يخاطبون مخالفيهم الذين يقفون في طريقهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ14.

من الواضح أنّ هذه الآية تذكر التوكّل كأمر مثبت، فهناك طريق سالك، وهناك صعاب ومعاناة في السّير، فيه تضعف الإرادة، ولكنّ الأنبياء يقولون إنّهم لن يخافوا من قوى الباطل، بل سيتوكّلون على الله ويسيرون في طريق الحقّ.

وآية أخرى نزلت في شخص الرّسول الكريم، وهي أيضًا تتناول التوكّل بمعناه الإيجابي، فتقول ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ15، إنّها لا تقول: أيّها النبيّ اقعد واضعًا يدًا على يد، وتوكّل على الله، بل تقول: اعمل متوكّلًا على الله. هذا هو معنى التوكّل، وذلك هو معنى الرّازقيّة الإلهيّة.


1- مطهري، مرتضى، الفكر الإسلامي وعلوم القرآن الكريم، دار الارشاد، بيروت، الطبعة الأولى، 9002، ص 239 – 240.
2- سورة الذاريات، الآية 58.
3- سورة هود، الآية 6.
4- الفكر الإسلامي وعلوم القرآن الكريم، ص 240.
5- سورة الشورى، الآية 11.
6- الفكر الإسلامي وعلوم القرآن الكريم، ص 240 – 243.
7- سورة هود، الآية 6.
8- الفكر الإسلامي وعلوم القرآن الكريم، ص 243- 245.
9- سورة الأعراف، الآية 57.
10- نهج البلاغة، خطبة 185 .
11- الفكر الإسلامي وعلوم القرآن الكريم، ص 245- 246.
12- الفكر الإسلامي وعلوم القرآن الكريم، ص 246.
13- (م. ن)، ص 246 – 247.
14- سورة إبراهيم، الآية 12.
15- سورة آل عمران، الآية 159.

05-09-2016 عدد القراءات 2884



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا