3 آب 2020 م الموافق لـ 13 ذو الحجة1441 هـ
En FR

الفكر الأصيل :: فكر الشهيد مطهري

أنواع معرفة العالَم - الشهيد مرتضى مطهري



إنّ الناس من حيث نظرتهم إلى العالَم، مختلفون. فثمّة أفراد لم يرتفعوا عن مستوى الحيوانات، فليست لديهم وجهة نظر عن العالَم، فهم، كما يقول القرآن، لم ﴿يَنظُرُو إلى العالَم، ولم ﴿يَتَفَكَّرُو فيه. أمّا الذين لديهم بعض وجهة نظر، فهم يختلفون من حيث النظرة. وتكون هذه الاختلافات على نوعين: نوع ينطوي تحت اختلاف المنظور إلى العالَم، ونوع لا ينطوي تحت هذا الاختلاف، وذلك لأنّ بعض الاختلافات (كمِّي) وبعضها (كيفيّ).

والاختلاف الكمّي يعني أنّ فرداً يعرف موجودات أكثر، وآخر أقل. فهذا يعرف مثلاً، الكائنات غير الحيّة فقط، وغيره يعرف الكائنات الحيّة وغير الحيّة. هذا يعرف أحوال النّجوم، أو خواص الأشياء الفيزياوية والكيمياوية أكثر، وغيره يعرفها أقل. إنّ هذه الاختلافات لا تأثير لها في ما يدعى (وجهة نظر). أي لا يُمكن القول بأنّ الشخص الذي اجتاز مرحلة أعلى في علم من العلوم يحمل (وجهة نظر) أفضل وأكمل من ذاك الذي ما زال في مرحلة أدنى من ذلك العلم نفسه. لأنّ هذا النوع من المعرفة بالعالَم - وإن ارتبط بـ(الإدراك) في مقابل (الإحساس) - لا علاقة له بنظرة الإنسان إلى العالَم، أي بتحليل عالَم الوجود وتفسيره اللذين هما أساس عمل الإنسان.

فالقول بأنّ عدد النجوم يبلغ كذا ألفاً، أو مليوناً أو بليوناً، أو القول بأنّ عدد العناصر أربعة أو مائة لا يُغيّر شيئاً من نظرة المرء الكلّية إلى العالَم، وإنْ غيَّر معرفته بجزء منه. وهذا يُشبه قولنا بأنّ معلوماتنا عن شخص ما إن كان في الأربعين أو في الستّين، وإن كانت له خمسة أصابع أو ستة في كفّه وقدميه، أو إنْ كان كثير النوم أو قليله، أو إنْ كانت فصيلة دمه (O) أو (B)، أو إنْ كان ضغطه معتدلاً أو مرتفعاً أو منخفضاً. لا يُمكن أن تُغيّر شيئاً من نظرتنا إلى هذا الشخص وانطباعاتنا عنه بالمرّة.

أمّا الاختلاف الكيفيّ، الذي صحّ أن نُسمّيه اختلاف الماهية، فيتعلّق بهيئة العالَم الكلّية. أي إنّ اختلاف شخصين في معرفتهما للعالَم لا علاقة له بالكمّ، كأن يعرف أحدهما من ظواهر العالَم أكثر ممّا يعرفه الآخر، بل إنّ علاقته بالكيف والماهية أقرب. أي إنّ منظور العالم والوجود في نظر شخص يختلف عمّا هو في نظر شخص آخر. فمثلاً هذا يرى العالم مجموعة أجزاء متناثرة غير مترابطة، وآخر يراه كالآلة التي تترابط كل أجزائها فيما بينها، وثالث يراه كائناً حياً تتصل أجزاؤه اتصالاً عضوياً بعضها مع بعض، هذا يرى حوادث العالَم سلسلة من المصادفات، ويراها الآخر ناشئة عن نظام العلّة والمعلول. هذا يرى نظام العالَم حكيماً، والآخر يراه عبثاً فارغاً. هذا يراه نظاماً ثابتاً، ويراه غيره نظاماً متحرّكاً جارياً. هذا يراه على وتيرة واحدة، والآخر يراه متكاملاً. هذا يراه ناقصاً معيباً، ويراه الآخر خير نظام وأتقنه، وليس في الإمكان أبدع ممّا كان، وغيره يرى إمكان وجود نظام أحسن. يراه أحدهم خيراً محضاً، ويعتبره الآخر شرّاً محضاً، وثالث يراه مزيجاً من الاثنين. هذا يرى العالَم حيّاً وشاعراً، ويراه الآخر ميتاً لا يشعر. هذا يراه متناهياً، وهذا يراه غير متناهٍ. هذا يرى للعالَم أبعاداً ثلاثة، ويرى فيه الآخر أبعاداً أربعة. هذه وأمثالها هي الأمور التي تُبدّل منظورنا إلى العالَم، وهي وأمثالها التي تؤلّف أركان نظرتنا إلى العالَم والوجود.

كذلك الأمر بخصوص معرفتنا شخصاً ما: هل هو محبّ للخير أم أنّه معقّد حسود؟ هل هو ذكي يُدرك النكتة أم أنّه أحمق أبله؟ ما هي نظرته إلى العالَم والحياة؟ ما هو أسلوبه وطريقته؟ إنّ أمثال هذه الأسئلة التي ترتبط (بشخصيّته) لا بشخصه هي التي تؤثّر في نوع نظرتنا إليه. أي كونه محبّاً للخير وذكياً وحاذقاً، يرسم له صورة معيّنة في نظرنا، ويكون مردود هذا في استجابتنا له مختلفاً عمّا لو تلقّيناه في صورة المعقّد الحقود أو الأحمق الأبله، بخلاف معرفة ضغط دمه أو صنفه أو إن كان قلبه في الجهة اليسرى المألوفة من صدره أم أنّه في الجهة اليمنى بصورة شاذة، أم أنّ له قلباً واحداً أو قلبين، فذلك كلّه لا تأثير له في صورة شخصيّته في نظرتنا، ولا في انعكاسات أفعالنا تجاهه.

هذه هي طريقة العلم فبمعرفة العلل والمعلولات والأسباب والمسبّبات، فبالاختبار العملي يكتشف العلّة أو الأثر، ومن ثم يسعى للوصول إلى علّة تلك العلّة أو معلولها.

وبما أنّ العلم يستند إلى التجربة العملية، فإنّ له مميّزاته ونواقصه. إنّ أهمّ مميّزات المعرفة العلمية كونها دقيقة وواضحة تتناول الأجزاء. إنّ العلم، بدراسته وفرضيّاته وتجاربه واختباراته قادر على إعطاء الإنسان آلاف المعلومات عن أصغر ظاهرة من الظواهر الطبيعية. إنّه من ورقة نبات صغيرة يصنع كرّاسة من المعرفة. ثم إنّه باكتشافه القوانين المتحكِّمة في أيّ كائن، يكشف للإنسان طرق الهيمنة والتسلّط على ذلك الكائن، ويكون بهذا قد أعلى دعائم الصناعة والتكنولوجيا.

ولكن العلم، على الرغم من أنّه دقيق، وواضح، ويمنح الإنسان القدرة والقوّة فإنّ دائرته ضيّقة، ولا يتجاوز حدود موضوعه الخاص. فهو يتقدّم في مجال معرفة العلل والأسباب، أو المعلولات والآثار، ثم يصل إلى حيث يقول (لا أدري). والسبب واضح. فنحن نُريد، مثلاً أن نعرف الحادث (أ) بالطريق العلمي فنبحث عن علّته، أو معلوله، أو ما يربطه بمحيطه، أو تاريخه والتحوّلات التي طرأت عليه ونعرفها، ثم نفتّش عن علّة العلّة ومعلول المعلول، وعن محيط أوسع وتاريخ أبعد، ولنفرض أنّنا قد بلغنا بكلّ ذلك، بالبحث والافتراض والاختبار، إلى مرحلة وضع القوانين العلمية، ولكنّنا مع ذلك سنواجه في نهاية المطاف سلسلة لا نهاية لها من العلل والمعلولات اللامتناهية وعبر الزمان اللامتناهي في حجم بحار من المجهولات، تتجسّد كلّها أمامنا. إنّ المعرفة العلمية أشبه بالكاشف القوي في ليلة ظلماء، يُضيء دائرة محدودة إضاءة جيّدة، بحيث إنّنا نعثر على إبرتنا الضائعة في تلك الدائرة من الضوء الساطع. إلّا أنّ ما يُضاء أمامنا لا يتعدّى تلك الدائرة المحدودة، وكلّما تقدّمنا وأضأنا الظلمات المتتالية، وجدنا أمامنا فضاء من المجهول المظلم الذي لا ينتهي.

إنّ العالَم، في المنظور العلمي، مثل كتاب قديم سقط أوّله وآخره، فلا أوّل له معروف ولا آخر له معروف، ولا يعرف مؤلِّفه، ولا يُدرى هدفه والغرض منه. فالمنظور العلمي للعالَم منظور جزئي، لا كلّي، وبديهي ألا تُحيط النظرة الجزئية إلى العالَم بالمنظور الكلّي للعالَم.

وبما أنّ المنظور العلمي منظور جزئي، لا كلّي، فإنّه غير قادر على توضيح ملامح العالَم كلّها. أمّا محاولة معرفة ملامح العالَم ككل استناداً إلى القياس على الجزء فتُذكِّرنا بالمحاولة الشعبية للتعرّف إلى الفيل حيث كانوا يتلمّسونه في الظلام الدامس، محاولين تصوّر ماهيّته وشكله ممّا تلمسه أيديهم من جسمه. فالذي لمست يده أذن الفيل قال إنّ الفيل يُشبه المروحة، والذي لمس رجله قال إنّه يشبه العمود، والذي لمس خرطومه قال إنّه أشبه بالميزاب، والذي بلغت يده ظهره قال إنّه أشبه بسرير النوم.

إنّ الإنسان بحاجة إلى معرفة أكثر من المعرفة التي يمنحها العلم، بالمعنى الدقيق للعلم. من ذلك الإجابة على أسئلة مثل: من أين جاء العالَم وإلى أين يذهب؟ ما وضعنا نحن من العالَم؟ هل تُسيّر العالم قوانين ثابتة لا تتغيّر؟ هل الموجود مآله العدم، والمعدوم ممكن الوجود؟ (بالمفهوم الفلسفي للوجود والعدم). وهل يُمكن إعادة المعدوم إلى الوجود، أم أنّ ذلك مستحيل؟ هل السيادة حقّاً للوحدة أم للكثرة؟ هل ينقسم العالَم إلى ماديّ وغير ماديّ؟ هل يسير العالَم على هدى أم أنّه أعمى ولا هدف له؟ هل علاقة العالم بالإنسان علاقة أخذ وعطاء، يجزى الإحسان بالإحسان والإساءة بالإساءة، أم أنّ ذلك لا يعنيه في شيء؟ هل الحياة الآخرة بعد هذه فانية أم خالدة؟ وأمثال هذه المسائل ممّا سبق أن ذكرنا بعضاً آخر منها، وهي مسائل ليست لها ماهية علمية، أي إنّ العلم لا يملك جواباً عنها بل يصل إلى حيث يقول (لا أعلم). مع أنّ هذه المسائل هي التي تمنح العالَم قيافته وملامحه.

من مساوىء المنظور العلمي الأُخرى، وهي ناتجة ممّا سبق ذكره، هي أنّه لا يؤثّر في توجيهنا توجيهاً مناسباً. إنّ المنظور العلمي لا يستطيع أن يُلهمنا السلوك المناسب الذي يجب أن نختاره. وكذا لا يستطيع أن يُلهمنا السلوك الذي (يجب) أن نختاره في حياتنا. أي إنّ العلم يُطلعنا إلى حدٍّ ما، على ما هو موجود، دون أن يوحي إلينا بما (ينبغي).

يقول (برتراند راسل) في كتابه عن المنظور العلمي: "في معرض بحثنا في تأثير العلم في حياة الإنسان يجب أن تُدرس ثلاثة مواضيع دراسة مستقلّة ومنفصلة بعضها عن بعض إلى حدٍّ ما: الأوّل ماهية المعرفة العلمية وحدودها، والثاني القدرة المتزايدة على التصرّف في الطبيعة الناشئة عن تطوّر العلم، والتكنولوجيا، والثالث التطوّرات والتقاليد الاجتماعية التي أوجدتها بالضرورة المؤسّسات العلمية الجديدة. لا شكّ أنّ العلم، بصفته معرفة، يُعتبر أساساً لموضوعين آخرين أيضاً، وذلك لأنّ جميع تأثيرات العلم ناشئة عن المعرفة العلمية. إنّ الإنسان، بسبب جهله بالأساليب والوسائل اللازمة، قد فشل في تحقيق آماله، وكلّما اقترب هذا الجهل من الزوال، ازداد الإنسان قرباً من دائرة التكيّف مع محيطه الماديّ ومحيطه الاجتماعي وفق المثال الذي وضعه لنفسه. و"إنّ قدرة العلم الجديدة هذه بالنسبة إلى تعميق إدراك الإنسان، مفيدة له، وبالنسبة إلى جهله مضرّة به. وعليه، إذا أُريد للتمدّن العلمي أن يكون تمدُّناً نافعاً، فلا بدّ من ازدياد الحكمة مع ازدياد العلم.

"إنّ قصدي من الحكمة هو إدراك أهداف الحياة الحقّة، وهذا بذاته لا يأتي به العلم. وبناءً على ذلك، فإنّه على الرغم من أنّ التقدّم العلمي واحد من العناصر اللازمة للتقدّم البشري، إلّا أنّ هذا لا يضمن إيجاد تقدّم حقيقي أبداً.
خلاصة رأي (راسل) هو أنّ العلم يزيد من هيمنة الإنسان على المحيط الطبيعي والمحيط الاجتماعي بحيث إنّه يستطيع أن يصوغهما كيفما يشاء، إلّا أنّ العلم لن يقدر أن يُلهم الإنسان هدفه الذي يُناسبه وكيف يطلبه. في الحقيقة، إنّ معرفة العالَم العلمية لا يُمكن أن تكون (منظوراً للعالَم) بالمعنى الصحيح لهذا المصطلح، أي إنّها لا يُمكن أن تُعيّن للإنسان وظيفته في العالَم، وأن تكون سبباً لخيره وصلاحه، وبعبارة أُخرى، إنّ ما يُطلق عليه اسم النظرة العلمية للعالَم، ليس بمقدوره أن يُصبح متّكأ عقائدياً إنسانياً واقعيّاً.

إنّ من مساوىء المعرفة العلمية الأخرى هي أنّ قيمة المعرفة العلمية أقرب إلى القيمة العلمية منها إلى القيمة النظرية، في حين إنّ ما يُمكن أن يكون صانعاً للمطامح، ومولداً للإيمان، ومتّكأً عقائدياً ليس سوى القيمة النظرية. فالقيمة النظرية تعني قدرة العلم على كشف حقيقة الوجود كما هي، والقيمة العلمية تعني قدرة العلم على إعانة الإنسان على التسلّط على الطبيعة والتصرّف فيها وتغييرها على وفق مراده.

إنّ الفصل بين هذين الأمرين يبدو مستحيلاً لأوّل وهلة. فأن يكون للعلم أو للفلسفة قيمة نظرية دون أن تكون لهما قيمة علمية لا يبدو عجيباً بقدر عجبنا في أن تكون لهما قيمة علمية دون قيمة نظرية.

إنّ من العجائب في عالَم اليوم هو أنّه بقدر ازدياد قيمة العلم العلمية يوماً بعد يوم تنخفض قيمته النظرية. إنّ الذين يتدفؤون بنار العلم من بعيد يظنّون أنّ تقدّم العلم ناشىء من استنارة الضمير الإنساني ومن الإيمان والاطمئنان بأنّ الواقع هو هذا الذي تنطبع صورته في مرآة العلم وتقدّمه الذي لا يُمكن إنكاره. غير أنّ الأمر على العكس من ذلك.

يقول (برتراند راسل) في كتابه الآنف الذكر، بعد أن يشرح نماذج من الأساليب العلمية في البحث وخصائصها، والحدود التي يدور فيها بحث علمي حول ما وراء الطبيعة: (أرى أنّ العالَم مجموعة من منطلقات تفتقر إلى وحدة لا ثباتَ لها ولا نظام ولا ترتيب، وتخلو من أيّ محتوى آخر يودّي إلى علاقة حبٍّ وتعلّق. في الواقع لو تغاضينا عن التعصّب والعادات، فمن النادر أن نستطيع الدفاع حتى عن وجود العالَم نفسه. وهذا بالطبع يشمل نظريّات الفيزيائيّين الأخيرة... فكيف ينبغي أن نُفكّر في الشمس اليوم؟ لقد كانت الشمس فيما مضى مصباح السماء النيِّر، وآلهة الأفلاك ذات الشعر الذهبي، ولكنّها اليوم ليست سوى أمواج من الاحتمالات. فإذا سألتم: ما هي هذه التي تدعونها احتمالات أو في أيّ محيط تسير هذه الأمواج؟ لأجابك الفيزيائي كالمجنون: لقد سمعنا كثيراً من هذا الكلام. لنفرض أنّنا أخذنا المسألة مأخذاً آخر، فماذا حينئذٍ؟ مع ذلك، إذا كنتم تُصرّون، سوف يُجيبكم قائلاً: إنّ الأمواج موجودة في معادلته والمعادلة في فكره).

ثم يقول أيضاً: "إنّه لأمر يدعو إلى العجب، ففي الوقت الذي نجد أكثر العلوم واقعية، الفيزياء، قد تخلّى عن المنطق العلمي، وبدلاً من أن يضع الإنسان في عالم صلد نيوتني، يجعله في قبال عالم خيالي وغير واقعي، لقد أصبح العلم أوفر ثمراً وأقوى من أيّ عصر مضى لكي يُقدّم للحياة الإنسانية نتائج أفضل.

إنّ انفصال العلم عن الفلسفة هو الذي جاء بخسائر لا يّمكن تلافيها. وهكذا نجد أنّ (الفلسفة العلمية) تلك الفلسفة التي تستند إلى بحوث جزئية وفرضيات واختبارات، يصل بها الأمر في النهاية إلى الاعتماد كلّياً على الحواس. فما مصير فلسفة كهذه؟ ليس هنا مجال تفصيل هذا الموضوع.

من نواقص المعرفة العلمية الأخرى هي أنّها من حيث وجهة نظرها الواقعية، وفي تلك الحدود التي تظهرها فيها، تبدو في مركز متزلزل غير ثابت. إنّ ملامح العالَم تتغيّر يوماً بعد يوم من حيث المنظور العلمي، وذلك لأنّ العلم يقوم على البحوث والفرضيات والاختبار، لا على البديهيات الأولية العقلية والأصول الثابتة التي لا تتغيّر. إنّ القوانين التي تستند على الفرضية والاختبار ذات قيمة مؤقّتة. وهي دائماً عرضة لظهور قوانين تنسخها. وبما أنّ المنظور العلمي للعالَم غير ثابت، فهو لا يصلح لأن يكون مرتكزاً عقائدياً. فالعقائد لا تكون عقائد حقّاً إلّا إذا استمسك بها الأفراد استمساكاً هو الإيمان المنظّم. والإيمان يتطلّب مرتكزاً ثابتاً لا يتزحزح، مرتكزاً يصطبغ بصبغة الخلود، ولذلك فإنّ المنظور العلمي لا يُمكن أن يكون هذا المرتكز بالنظر لمكانته المؤقّتة غير الثابتة.

منذ (هيـكل) طرحت فرضية تكامل الحقيقة. وهي فرضية ذات مفهوم خاص في الفلسفة الهيكلية، تعتمد صحّتها أو عدم صحّتها على صحّة الفلسفة الهيكلية أو عدم صحّتها بكلّيتها. وهذا ما لا نُريد الخوض فيه.

إنّ الذين لا يؤمنون بالفلسفة الهيكلية يسعون إلى التوسّل بفرضية تكامل الحقيقة لتعليل نواسخ الفرضيات العلمية. لقد سبق لي أنْ بحثت أُصول الفلسفة الواقعية في مقالة سابقة، وأثبتّ متى يكون مفهوم تكامل الحقيقة صحيحاً ومتى لا يكون.

لقد ظهر ممّا قُلناه أنّ النظرة إلى العالَم، إذا أُريد لها أن تزجر بالمطامح وأن تبني الإيمان ولكي تكون مرتكزاً للأيديولوجية، عليها أولاً أن تتجرّد من التحديدات التي تلازم المعرفة العلمية، وأن تُجيب على المسائل الخاصّة التي تطرحها المعرفة والتي تتعلّق بالعالَم كلّه من حيث الهيئة والماهية. وعليها ثانياً أن تتبنّى معرفة خالدة يعتمد عليها، لا معرفة مؤقّتة وسريعة الزوال. وثالثاً أن تكون لها قيمة نظرية ذات منظور واقعي، لا أن تكون عملية وفنّية فحسب. كما ظهر أيضاً أنّ المعرفة العلمية تفتقر إلى كلّ هذه المزايا، على الرغم من مزاياها المتعلّقة بجوانب أُخرى. وعليه، فإنّ المعرفة العلمية لا تستطيع أن تمنح الإنسان معرفة بالعالَم بالمفهوم الخاص، وتُجيب على تساؤلات الإنسان الذي يُريد تفسيراً عامّاً للوجود وتحليلاً شاملاً له.

إنّ جميع الذين تحدّثوا عن معرفة العالَم العلمية، أو أطلقوا على فلسفتهم اسم (الفلسفة العلمية)، تراهم، بعد التمحيص، قد ولجوا أماكن لا يضع العلم قدمه فيها. إنّهم استغلّوا أوجه شبه سطحية بين بعض فرضيّاتهم وبعض المعطيات العلمية، فأطلقوا على فلسفتهم خطأً اسم الفلسفة العلمية، وسمّوا نظرتهم إلى العالَم نظرة علمية. وهنا ينبغي ألّا ننسى التأثير الإعلامي لهذه التسميات.


* الكتاب: الإنسان والحياة، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

03-01-2017 عدد القراءات 2673



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا