6 حزيران 2020 م الموافق لـ 14 شوال 1441 هـ
En FR

 

القرآن الكريم :: مقدمات في التفسير

صلاحية المفسر



قال الراغب: اختلف الناس في تفسير القرآن، هل يجوز لكل ذي علم الخوض فيه؟ فبعض تشدد في ذلك، وقال: لايجوز لاحد تفسير شيء من القرآن، و ان كان عالما اديب، متسعا في معرفة الادلة والفقه والنحو والاخبار والاثار وانما له ان ينتهي الى ما روي عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم، وعن الذين شهدوا التنزيل من الصحابة، والذين اخذواعنهم من التابعين واحتجوا في ذلك بما روي عنه عليه السلام: "من فسر القرآن برايه فليتبوا مقعده من النار"، وقوله :"من فسر القرآن برايه فاصاب فقد اخطا" وفي خبر: "من قال في القرآن برايه فقد كفر".

قال: وذكر آخرون ان من كان ذا ادب وسيع، فموسع له ان يفسره،  واحتجوا في ذلك بقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ1.

وذكر بعض المحققين ان المذهبين هما: الغلو والتقصير، فمن اقتصر على المنقول اليه فقد ترك كثيرا مما يحتاج اليه، ومن اجاز لكل احد الخوض فيه فقد عرضه للتخليط، ولم يعتبر حقيقة قوله تعالى: ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَاب.

قال: والواجب ان يبين اولا ما ينطوي عليه القرآن، وما يحتاج اليه من العلوم، فنقول و باللّه التوفيق:

ان جميع شرائط الايمان والاسلام التي دعينا اليها واشتمل القرآن عليها ضربان:علم غايته الاعتقاد، وهو الايمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر وعلم غايته العمل، وهو معرفة احكام الدين والعمل بها.

والعلم مبد، والعمل تمام ولا يتم العلم من دون عمل، ولا يخلص العمل دون العلم، و لذلك لم يفرد تعالى احدهما من الاخر في عامة القرآن، نحو قوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا2، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ3 ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ4.

ولا يمكن تحصيل هذين (العلم و العمل) الا بعلوم لفظية، وعقلية، وموهبية:

فالاول: معرفة الالفاظ، وهو علم اللغة .
والثاني: مناسبة بعض الالفاظ الى بعض، وهو علم الاشتقاق .
والثالث: معرفة احكام ما يعرض الالفاظ من الابنية والتصاريف والاعراب، وهو النحو.
والرابع: ما يتعلق بذات التنزيل، وهو معرفة القراءات .
والخامس: ما يتعلق بالاسباب التي نزلت عندها الايات، وشرح الاقاصيص التي تنطوي عليها السور، من ذكر الانبياء عليهم السلام والقرون الماضية، وهو علم الاثار والاخبار.
والسادس: ذكر السنن المنقولة عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم وعمن شهد الوحي، وما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه، مما هوبيان لمجمل، او تفسير لمبهم المنبا عنه بقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم5 وبقوله : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه6، وذلك علم السنن.

والسابع: معرفة الناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص، والاجماع والاختلاف، والمجمل والمفسر، والقياسات الشرعية، والمواضع التي يصح فيها القياس، والتي لا يصح، وهو علم اصول الفقه.

والثامن: احكام الدين وآدابه، وآداب السياسات الثلاث التي هي سياسة النفس والاقارب والرعية، مع التمسك بالعدالة فيه، وهو علم الفقه والزهد.

والتاسع: معرفة الادلة العقلية، والبراهين الحقيقية، والتقسيم والتحديد، والفرق بين المعقولات والمظنونات وغير ذلك، وهو علم الكلام .

والعاشر: وهو علم الموهبة، وذلك علم يورثه اللّه من عمل بما علم قال امير المؤمنين عليه السلام: قالت الحكمة: من ارادني فليعمل باحسن ما علم، ثم تلا ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه7 وروي عنه عليه السلام حيث سئل: هل عندك علم عن النبي لم يقع الى غيرك؟ قال: "ل، الا كتاب اللّه، وما في صحيفتي، وفهم يؤتيه اللّه من يشاء".

وهذا هو التذكر الذي رجانا اللّه تعالى ادراكه بفعل الصالحات، حيث قال: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ8، وهو الهداية المزيدة للمهتدي في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى9، وهو الطيب من القول المذكور: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيد10.

فجملة العلوم التي هي كالالة للمفسر، ولاتتم صناعته الا به، هي هذه العشرة: علم اللغة، والاشتقاق، والنحو، والقراءات، والسير، والحديث، واصول الفقه، وعلم الاحكام، وعلم الكلام، وعلم الموهبة .

فمن تكاملت فيه هذه العشرة واستعمله، خرج عن كونه مفسرا للقرآن برايه ومن نقص عن بعض ذلك مماليس بواجب معرفته في تفسير القرآن، واحس من نفسه في ذلك بنقصه، واستعان باربابه، واقتبس منهم، واستضا باقوالهم، لم يكن ـ ان شا اللّه ـ من المفسرين برايهم.

واخيرا قال: ومن حق من تصدى للتفسير ان يكون مستشعرا لتقوى اللّه، مستعيذا من شرور نفسه والاعجاب به، فالاعجاب اس كل فساد وان يكون اتهامه لفهمه اكثر من اتهامه لفهم اسلافه الذين عاشروا الرسول وشاهدوا التنزيل وباللّه التوفيق11.

ولقد احسن واجاد فيما افاد، وادى الكلام حقه في بيان الشرائط التي يجب توفرها في كل مفسر، حتى يخرج عن كونه مفسرا برايه، وبشرط ان يراعي تقوى اللّه، فلا يقول في شي بغير علم ولا كتاب منير.

قال جلال الدين السيوطي: ولعلك تستشكل علم الموهبة، وتقول: هذا شي ليس في قدرة الانسان وليس كما ظننت من الاشكال، والطريق في تحصيله ارتكاب الاسباب الموجبة له من العمل والزهد قال الامام بدرالدين الزركشي: اعلم انه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي، ولا يظهر له اسراره، وفي قلبه بدعة او كبر اوهوى او حب الدني، او هو مصر على ذنب، او غير متحقق بالايمان، او ضعيف التحقيق، او يعتمد على قول مفسر ليس عنده علم، او راجع الى معقوله وهذه كلها حجب وموانع بعضها آكد من البعض قال السيوطي: وفي هذا المعنى قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ12 قال سفيان بن عيينة: يقول تعالى: انزع عنهم فهم القرآن13.

قلت: وهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ14 فلا تتجلى حقائق القرآن ومعارفه الرشيدة الا لمن خلص باطنه وزكت نفسه عن الادناس والارجاس .

قال الامام امير المؤمنين عليه السلام ـ في خطبة خطبها بذي قارـ: "ان علم القرآن ليس يعلم ما هو الا من ذاق طعمه، فعلم بالعلم جهله، وبصر به عماه، وسمع به صممه، وادرك به علم ما فات، وحيي به بعد اذ مات، واثبت به عنداللّه الحسنات، ومحا به السيئات، وادرك به رضوانا من اللّه تبارك وتعالى، فاطلبوا ذلك من عند اهله خاصة"15.

وقال ـ في حديث آخر ـ: "ان اللّه قسم كلامه ثلاثة اقسام، فجعل قسما منه يعرفه العالم والجاهل، وقسما لايعرفه الا من صفا ذهنه ولطف حسه وصح تمييزه، ممن شرح اللّه صدره للاسلام، وقسما لايعلمه الا اللّه وامناؤه والراسخون في العلم"16.

قال تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانا17، وقال : ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ18.

*التفسير والمفسرون في ثوبه الثقيب، من منشورات الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية، ط1، ص52-57.


1- ص:29.
2- التغابن:9.
3- غافر:40.
4- الرعد:29.
5- النحل:44.
6- الانعام:90.
7- الزمر:18.
8- النحل:90.
9- محمد:17.
10- الحج:24.
11- مقدمته في التفسير، ص 93 ـ 97.
12- الاعراف:146.
13- اخرجه ابن ابي حاتم، الاتقان، ج4، ص 188.
14- الواقعة:77 ـ 79.
15- الوسائل، ج18، ص 137، رقم 26 عن روضة الكافي، ج8، ص 390 ـ 391، رقم586 .
16- الوسائل، ج18، ص 143، رقم44 عن كتاب الاحتجاج، ج1، ص 376.
17- الانفال:29.
18- البقرة:282.

02-01-2010 عدد القراءات 10518



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا