29 أيار 2020 م الموافق لـ 06 شوال 1441 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: الأخلاق والثقافة الإسلامية

كمال الأخلاق (القناعة - الزهد- الإيثار)



روي عن الإمام الصادق عليه السلام، أَنّه قال لرجل يعظه: "اقنع بما قسم الله لك، ولا تنظر إلى ما عند غيرك، ولا تتمنَّ ما لست نائله، فإنّه من قنع شبع، ومن لم يقنع لم يشبع، وخذ حظّك من آخرتك".

مدخل
هي الاكتفاء من المال والمأكل والملبس بقدر الحاجة والكفاف، وعدم الاهتمام فيما زاد عن ذلك. وهي صفة كريمة تعرب عن عزّة النفس وشرف الوجدان وكرم الأخلاق. فالقانع هو الذي لا يطمع في الناس، ولا يلتفت إلى ما في أيديهم، ولا يتعدّى أمله يومه أو شهره، فلا يشغل قلبه بأزيد من ذلك، لأنّ الشوق لتحصيل المزيد وطول الأمل يحرم الإنسان من نعمة الراحة وسكون القلب، ويشغل قلبه عن ذكر الله تعالى.

فضيلة القناعة

أ- في القرآن:
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ1.

وقال عزّ وجلّ أيضاً: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى2.

ب- في الروايات:
عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، قال: "القانع غنيّ، وإن جاع وعري"3.

وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "من قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس‏"4.

وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "حُرم الحريص خصلتان ولزمته خصلتان، حُرم القناعة فافتقد الراحة، وحُرم الرضا فافتقد اليقين"5.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "المستريح من الناس القانع"6، وقال عليه السلام: "القانع ناجٍ من آفات المطامع"7.

أهمّيّة القناعة ودورها في تربية النفس
للقناعة أهميةٌ كبرى وأثر بالغ في حياة الإنسان، فهي تحقّق الرخاء النفسي والراحة الجسدية، وتحرّر الإنسان من عبودية المادة واسترقاق الحرص والطمع وعنائهما المرهق وهوانهما المذلّ، وتفتح باب العزّة والكرامة والإباء والعفّة والترفّع عن صغائر الأمور. والقانع بالكفاف أسعد حياةً وأرخى بالاً وأكثر دعةً واستقراراً من الحريص المتفاني في سبيل أطماعه والذي لا ينفكّ عن القلق والمتاعب والهموم. والقناعة تمدّ صاحبها بصفاء ويقظة روحية، وبصيرة نافذة، وتحفّزه على التأهب للآخرة، والقيام بالأعمال الصالحة. لذا، صار القانع أغنى الناس، لأنّ حقيقة الغنى هي غنى النفس، والقانع راضٍ ومكتفٍ بما رزقه الله تعالى، وهو لا يحتاج أحداً ولا يسأل سوى الله تعالى. وأهمّيّة القناعة تظهر بشكل جليّ عندما يتحرّر الإنسان من قيود المادّة، لأنّ التمسّك بالمادّة ذلٌّ على عكس القناعة التي تورث الإنسان العزّة والكرامة. أمّا الثروة والمال فلا تعطي صاحبها الأفضلية على الآخرين سوى بالمال وليس بالمحاسن والفضائل المعنوية، لأنّ المال قابلٌ للزيادة والنقيصة، بل والزوال أيضاً، بعكس القناعة التي هي كنزٌ كما قال الإمام علي عليه السلام: "لا كنز أغنى من القناعة"8، بل وهي كنزٌ لا يفنى كما في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال: "القناعة كنز لا يفنى"9، لأنّها كنز معنويّ، نتيجته تحصيل المقامات المعنوية الرفيعة، كيف لا؟! وهي من أهمّ الأمور التي تُعين الإنسان على صلاح نفسه كما في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أعوَن شيء على صلاح النفس القناعة"10.

الزهد مفتاح حبّ الله والناس

1- حقيقة الزهد:
الزهد في الدنيا مقامٌ شريف جداً، ومن أعلى مقامات السالكين إلى الله تعالى، وهو أن لا يرغب الإنسان في الدنيا ولا يميل إليها بقلبه، ويتركها بجوارحه إلا بقدر الضرورة، بهدف العدول إلى ما هو خير منها وأشرف وأبقى، إلى الله تعالى والحياة الآخرة. فجميع الدعوات الإلهية والشرائع الربانية الحقّة هدفها الأساسي ربط الإنسان بالله عزّ وجلّ، وهو ما لا يمكن أن يتحقّق إلا بالإعراض عن غير الحقّ وكلّ ما سواه، مقدّمة للوصول إلى جماله المطلق، كما قال إمامنا الصادق عليه السلام: "وإنّما أَرادوا الزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة"11.

فالرغبة في الدنيا موجبة للاحتجاب عن الحقّ تعالى. والمقصود من الدنيا كلّ ما يشغل الإنسان عن الحقّ عزّ وجلّ. وإلى هذه الحقيقة أشار الإمام الصادق عليه السلام حين عرّف الزهد بأنّه: "تركك كلّ شيء يشغلك عن الله"12، لأنّه من المستحيل العروج إلى الكمالات الروحية والوصول إلى لقاء الحقّ مع التعلّق بغيره تعالى، والتبعية للشهوات والملذّات الفانية.

2- فضيلة الزهد في الكتاب والسنة:
قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ13, حيث قال الإمام زين العابدين عليه السلام لرجلٍ سأله عن الزهد، فأجابه أنّ الزهد في هذه الآية14. وقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلً15، حيث فُسّر أحسن العمل في التفاسير بأنّه الزهد.

وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "حرام على قلوبكم أَن تعرف حلاوة الإيمان حتى تزهد في الدنيا"16.

وعن أَمير المؤمنين علي عليه السلام، قال: "إنّ من أَعون الأخلاقِ على الدين الزهد في الدنيا"17.

وجاء أَعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا محمد، أَخبرني بعمل يحبني الله عليه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "يا أَعرابي، ازهد في الدنيا يحبّك الله، وازهد فيما في أَيدي الناس يحبّك الناس"18.

وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "من زهد في الدنيا أَثبت الله الحكمة في قلبه وأَنطق بها لسانه، وبصّره عيوب الدنيا، داءها ودواءها، وأَخرجه منها سالماً إلى دار السلام"19.

وعن أَمير المؤمنين عليه السلام، قال: "إنّ علامة الراغب في ثواب الآخرة زهد في عاجل زهرة الدنيا"20.

3- علامات الزهد:
للزهد ثلاث علامات أساسية، كما أخبر الله تعالى في سورة الحديد المتقدّمة، الآية 23، وهي:
- أن لا يفرح بموجود.
- أن لا يحزن على مفقود.
- أن يستوي عنده من يذمّه ومن يمدحه.

4- شروط تحقّق الزهد:
يشترط في الزهد ثلاثة أمور:
أ- أن يترك الإنسان ما تحبّه النفس وترغب فيه وتطلبه، لأنّ من ترك ما ليس مطلوباً، كتارك التراب والحشرات مثلاً، لا يُسمّى زاهداً، بل من رغب عن الدراهم والذهب يُسمّى زاهداً.
ب- أن يكون زهده في أمرٍ بمقدوره نيله والوصول إليه، إلا أنّه آثر تركه بملء إرادته واختياره، لأنّ ترك ما لا يقدر عليه الإنسان ولا يستطيع الوصول إليه لا يُسمّى زهداً.

ج- أن يكون الهدف من الزهد هو الله والدار الآخرة، أمّا لو كان لغرضٍ غير الله تعالى، كاستمالة القلوب أو الاشتهار وأمثال ذلك، لم يكن من الزهد أصلاً.

الإيثار سجيّة الأبرار

الإيثار هو من أرفع درجات الجود والكرم. ولا يتحلّى بهذه الصفة إلا الذين بلغوا قمّة السخاء، فجادوا بالعطاء، وهم بأمسّ الحاجة إليه، وآثروا بالنوال، وهم في ضنك العيش، لذا عدّت من أهمّ صفات الأبرار وشيم الأخيار، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "الإيثار سجيّة الأبرار وشيمة الأخيار"21. والإيثار هو أن يجود الإنسان بالمال أو النفس أو الراحة أو ما إلى ذلك من النّعم مع الحاجة إليها، وتفضيل الإنسان الآخرين على نفسه، وتقديم حاجتهم على حاجته. بخلاف السخاء الذي هو عبارة عن بذل الإنسان وجوده بما لا يحتاج إليه، لذا كان الإيثار من أرفع درجات السخاء، كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: "الإيثار أعلى مراتب الكرم، وأفضل الشيم"22.

1- فضيلة الإيثار في الكتاب والسنة:
أثنى الله تعالى كثيراً في كتابه الكريم على الذين يؤثرون على أنفسهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ23.

وعن الإمام الباقر عليه السلام، قال: "إن لله عزّ وجلّ جنّة لا يدخلها إلا ثلاثة: رجل حكم على نفسه بالحقّ، ورجل زار أَخاه المؤمن في الله، ورجل آثر أَخاه المؤمن في الله"24.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: "من آثر على نفسه آثره يوم القيامة بالجنّة"25، وعن الإمام الصادقِ عليه السلام أَنّه سُئِل: ما أَدنى حقّ المؤمن على أَخيه؟ فقال: "أَن لا يستأثر عليه بما هو أَحوج إليه منه"26.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "الإيثار أفضل عبادة وأجلّ سيادة"27، وقال عليه السلام أيضاً: "الإيثار أحسن الإحسان وأعلى مراتب الإيمان"28.

2- الإيثار وتربية النفس:
عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "عند الإيثار على النفس تتبيّن جواهر الكرماء"29.

فالإيثار يكشف باطن الإنسان ويعرّفه حقيقة نفسه، لأنّه ليس من السهل أن يقدّم الإنسان حاجة أخيه على نفسه، إلا إذا تجاوز عقبة حبّ الذات والدنيا، وآثر عليهما الله والدار الآخرة. فالإيثار من أهمّ العوامل التي تساعد على ارتقاء النفس وصفائها وبلوغها الدرجات العليا، لأنّها تجرّد النفس من التعلّقات الدنيوية والرغبات والأهواء النفسية التي لا تزيد الإنسان عن الله سبحانه وتعالى إلا بعداً واحتجاباً. فالمطلوب من الإنسان في سيره إلى الله أن يتخفّف من أوزان وأثقال هذه الدنيا الفانية ليلحق بالصالحين الأبرار، كما قال مولى الموحّدين علي عليه السلام: "تخفّفوا تلحقوا"30. والتحلّي بصفة الإيثار يحتاج في البداية إلى ترويض ٍومجاهدة حتى تصبح هذه الصفة ملكةً راسخة في النفس، لذا في البداية يتكلّف الإنسان الإيثار ويجبر نفسه عليه، لأنّ حبّ النفس ومصالحها ما زالت موجودة. من هنا، يعتبر الإيثار من أنواع جهاد النفس أيضاً وثوابه عظيمٌ عند الله تعالى، إلى أن تطوّع النفس بشكل كامل بفعل المداومة على أعمال البرّ والإحسان فيصبح الإيثار عن طوعٍ ورضا ورغبة نفسية بعد أن كان عن كرهٍ وانزعاج.
 

* كتاب أنوار الحياة، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- سورة التوبة، الآية 85.
2- سورة طه، الآية 131.
3- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج15، ص 228.
4- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص139.
5- وسائل ‏الشيعة، ج16، ص 20.
6- الآمدي، غرر الحكم، ص 393.
7- م. ن.
8- العلّامة المجلسي، بحار الانوار، ج66، ص 411.
9- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج 15، ص 226.
10- الآمدي، غرر الحكم، ص 391.
11- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 16.
12- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج12، ص45.
13- سورة الحديد، الآية 23.
14- الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج16، ص 12.
15- سورة الكهف، الآية 7.
16- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 128.
17- م. ن، ص 128.
18- الحرّ العاملي، وسائل ‏الشيعة، ج9، ص 450.
19- م. ن، ج 16، ص 10.
20- م.ن، ج 16، ص 11.
21- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج16، ص396.
22- الآمدي، غرر الحكم، ص 395.
23- سورة الحشر، الآية 9.
24- الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 178.
25- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج7، ص 249.
26- م. ن، ص 212.
27- الآمدي، غرر الحكم، ص 395.
28- م. ن، ص 396.
29- م.ن، ص 396.
30- العلّامة المجلسي، بحار الانوار، ج6، ص135.

14-03-2017 عدد القراءات 3001



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا