5 حزيران 2020 م الموافق لـ 13 شوال 1441 هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: الهوية والسيرة

البعد



البعد "العرفاني" يختزل شخصية الإمام الحسين (عليه السلام) ويمنح "عاشوراء" عظمتها وخلودها

لشخصية الإمام الحسين عليه السلام الباهرة، بعدان: بعد الجهاد والشهادة وأنتم مطَّلعون على هذا البعد الأول. أما البعد الاخر فهو بعد معنوي وعرفاني. ويتجلَّى هذا البعد في دعاء عرفة بشكل واضح وعجيب. وقلَّما يوجد لدينا دعاء يحمل هذه اللوعة والحرقة في التوسُّل إلى اللَّه والابتهال إليه بالفناء فيه. إنه حقاً دعاء عظيم.

إذا نظرنا إلى واقعة عاشوراء وأحداث كربلاء؛ فمع أنها ساحة قتال وسيف وقتل، لكنكم ترون الحسين عليه السلام يتكلم ويتعامل بلسان الحب والرضا والعرفان مع اللَّه تعالى. اخر المعركة حيث وضع خده المبارك على تراب كربلاء اللاهبة، تراه يقول: "إلهي رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك". وكذا حين خروجه من مكة يقول: "من كان باذلاً فينا مهجته وموطناً على لقاء اللَّه نفسه، فليرحل معنا". كل قضية كربلاء ترون فيها وجه العرفان والتضرُّع والابتهال. اقترن خروجه ذاك بالتوسل والمناجاة وأمنية لقاء اللَّه. وبدأ بذلك الاندفاع المعنوي المشهور في دعاء عرفة، إلى أن انتهى به المطاف في اللحظة الأخيرة، إلى حفرة المنحر حيث قال: "ورضاً بقضائك".

معنى هذا أن واقعة عاشوراء تعدّ بحد ذاتها واقعة عرفانية. ومع أنها امتزجت بالقتال والقتل والشهادة والملحمة ـــــ وملحمة عاشوراء صفحة رائعة بشكل يفوق التصور ــــ ولكن إن نظرتم إلى عمق نسيج هذه الواقعة الملحميَّة لرأيتم معالم العرفان والمعنوية والتضرع، وجوهرية دعاء عرفة. إذن فهذا هو البعد الاخر في شخصية الإمام الحسين‏عليه السلام، وهو ما ينبغي أن يكون موضع اهتمام إلى جانب البعد الأول المتمثل بالجهاد والشهادة.

القضية التي أود الإشارة إليها، هي أنه يمكن القول قطعاً أن: هذا الاندفاع المعنوي والعرفان؛ والابتهال إلى اللَّه والفناء فيه؛ وعدم رؤية الذات أمام إرادته المقدَّسة، هو الذي أضفى على واقعة كربلاء هذا الجلال والعظمة والخلود. أو بعبارة أخرى، أن البعد الأول ــــ أي بعد الجهاد والشهادة ــــ جاء كحصيلة ونتاج للبعد الثاني. أي نفس تلك الروح العرفانية والمعنوية التي يفتقد إليها الكثير من المؤمنين ممن يجاهدون وينالون الشهادة بكل ما لها من كرامة؛ نفس تلك الروح العرفانية والمعنوية تجدها في شهادة أخرى نابعة من روح الإيمان؛ ومنبثقة من قلب يتحرق شوقاً؛ وصادرة عن روح متلهفة للقاء اللَّه، ومستغرقة في ذات اللَّه. هذا اللون الاخر من المجاهدة له طعم ونكهة أخرى، ويضفي أثراً اخر على التكوين.


* "الأبعاد المعنوية في شخصية الإمام الحسين(عليه السلام)" ــ كتاب "الثورة الحسينية خصائص ومرتكزات" للإمام الخامنئي دام ظله.

18-04-2018 عدد القراءات 1727



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا