27 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 10 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: الشهادة

حول شهادة الإمام العسكري (عليه السلام)




 
إن دراسة الأخبار الواصلة إلينا عن المدّة القصيرة من إمامة الإمام العسكري (عليه السلام) (254 ـ 260 ه‍) تقودنا إلى الاعتقاد بأن السلطة العباسية كانت منذ زمن المعتز (252 ـ 255 ه‍) بصدد الفتك بالإمام قبل أن يُولَد له، ذلك لأنّها تعتقد أن المولود له هو المهدي الموعود خاتم أئمة الحق الاثني عشر الذي يقصم الجبارين، ويبدد دول الظالمين، ويرسي دعائم دولة الحق، وينشر العدل والقسط، وقد حاول المعتز تنفيذ تلك السياسة، حيث أمر سعيد بن صالح الحاجب أن يحمل الإمام العسكري (عليه السلام) إلى الكوفة ويضرب عنقه في الطريق، فاجتهد الإمام (عليه السلام) بالدعاء عليه، فقتل قبل أن ينفذ عزمه[1].

وروى ثقة الاسلام الكليني بالاسناد عن أحمد بن محمد بن عبد الله، قال: «خرج عن أبي محمد (عليه السلام) حين قتل الزبيري: هذا جزاء من اجترأ على الله في أوليائه، يزعم أنه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأى قدرة الله فيه؟ وولد له ولد سماه محمداً»[2].

وحاول المهتدي العباسي (255 ـ 256 ه‍) تنفيذ هذه السياسة، فهدّد الإمام (عليه السلام) بالقتل قائلاً: «والله لأجلينهم عن جديد الأرض» غير أنه قتل قبل تنفيذ هذا الغرض[3].

ولم يخرج المعتمد (256 ـ 279 ه‍) عن هذا الإطار، فتعرض الإمام العسكري (عليه السلام) في زمانه لشتّىٰ أنواع التحديات والضغوط، وحاول قتل الإمام (عليه السلام) لنفس السبب الذي قدّمناه، وهو الاطمئنان لانقطاع الإمامة دون نسل، على الرغم من حدوث الولادة في زمان المعتمد، لأن الدولة على المستوى الرسمي لم تكن مطلعة عليها، بسبب اجراءات الإمام (عليه السلام) القائمة على أساس الكتمان والسرية في هذا الأمر، وأبى الله سبحانه إلا أن يتمّ نوره، فأخفى وليه الذي ينتظره العالم كلّه ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

روى الشيخ الصدوق بالاسناد عن سعد بن عبد الله، قال: حدثني موسى ابن جعفر بن وهب البغدادي، أنه خرج من أبي محمد (عليه السلام) توقيع: «زعموا أنّهم يريدون قتلي ليقطعوا هذا النسل، وقد كذب الله عزوجل قولهم والحمدلله»[4] وتكذيب قولهم كان بحدوث الولادة المباركة وحفظه مع أبيه (عليه السلام) من تحديات السلطة.

ومما تقدم يتبين أن واقع الحال يشير إلى أن المعتمد متّهم بقتل الإمام (عليه السلام)، فضلاً عن أنه ورد التصريح بموت الإمام (عليه السلام) مسموماً عن كثير من محدثي الشيعة وغيرهم.

قال أمين الاسلام الطبرسي: «ذهب كثير من أصحابنا إلى أنه (عليه السلام) مضى مسموماً، وكذلك أبوه وجده وجميع الأئمة: خرجوا من الدنيا بالشهادة، واستدلوا على ذلك بما روي عن الصادق (عليه السلام) من قوله: ما منا إلا مقتول شهيد. والله أعلم بحقيقة ذلك»[5].

بناءً على ذلك فإنّ جميع الأئمة: خرجوا من الدنيا بالقتل، وليس فيهم من يموت حتف أنفه، وقاتلهم دائماً هو الحاكم الذي يحذر نشاطهم ويتوجس منهم خيفة، لأنهم يمثلون جبهة المعارضة ضد الانحراف الذي يمثله الحاكم[6].

وصرّح بعض أعلام الشيعة في أرجازهم بموت الإمام (عليه السلام) مسموماً من قبل المعتمد، مؤكدين على ما يقوّي هذا الاحتمال وهو كون الإمام (عليه السلام) في سن الشباب، وأوج الصحة والقوة والعنفوان.

قال الحرّ العاملي في ارجوزته:
قتله بسمّه المعتمد بقوّة يرقّ منها الجلمد
 وعمره تسع وعشرون وقد قيل ثمان بعد عشرين فُقِد
 وعاش من بعد أبيه خمسا وقيل ستاً ثمّ حلّ الرمسا
[7]
 
وقال الشيخ محمد حسين الاصفهاني:
حتى قضىٰ العمر بما يقاسي فسمّه المعتمد العباسي
قضى على شبابه مسموما مضطهداً محتسباً مظلوما
فناحت الحور على شبابه وصبّت الدموع في مصابه
 وانصدت لرزئه الجبال كأنه الساعة والأهوال
[8]

الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) سيرة وتاريخ، علي موسى الكعبي


[1] راجع: المناقب لابن شهر آشوب 4: 464، غيبة الطوسي: 208 / 177، الخرائج والجرائح 1: 451 / 36، دلائل الإمامة: 427 / 391.
[2] أصول الكافي 1: 329 / 5 باب الاشارة والنص إلى صاحب الدار، إكمال الدين: 430 / 3 باب 42.
[3] أصول الكافي 1: 510 / 16 باب مولد أبي محمد الحسن بن علي 7، الإرشاد 2: 333، وراجع: إثبات الوصية: 245، مهج الدعوات: 343، المناقب لابن شهر آشوب 4: 463، غيبة الطوسي: 173 / 205 و 233 / 187.
[4] إكمال الدين: 407 / 3 باب 38.
[5] إعلام الورى 2: 131، وورد التصريح بموت الإمام العسكري (عليه السلام) مسموماً في عدة مصادر اُخرى، منها: الفصول المهمة 2: 1093، مصباح الكفعمي: 510 وقال: سمه المعتمد، دلائل الإمامة: 424، الصواعق المحرقة: 206، بحار الأنوار 50: 335 / 12، إحقاق الحق 12: 474 عن ينابيع المودة 3: 113، و 12: 475 عن أئمة الهدى ص 138 تأليف: محمد عبد الغفار الهاشمي الحنفي، وقال فيه: دسّ له المعتمد العباسي سماً، فتوفّي منه.
[6] راجع بحثاً مفصلاً حول هذا الموضوع في تاريخ الغيبة الصغرى / للسيد محمد صادق الصدر: 229.
[7] إحقاق الحق 12: 462، عن نزهة الجليس للسيد عباس المكي 2: 121.
[8] الأنوار القدسية / الشيخ محمد حسين الاصفهاني : 109 ـ مؤسسة الوفاء ـ بيروت.

05-11-2019 عدد القراءات 1282



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا