3 آب 2020 م الموافق لـ 13 ذو الحجة1441 هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: الهوية والسيرة

إمامة الإمام الجواد (عليه السلام) والحكمة من صغر سنّه




 
عندما أراد المأمون أن يزوج الإمام الجواد (عليه السلام) من ابنته أم الفضل، خشي العباسيون أن يذهب الأمر من أيديهم، فحاولوا إقناعه بعدم المبادرة إلى ذلك، وكان من جملة ما ورد في الحوار أنه قال لهم: "..وأما أبو جعفر فقد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل مع صغر سنه والأعجوبة به في ذلك، فقالوا له: إنه صبي لا معرفة له فأمهله ليتأدب ويتفقه في الدين ثم اصنع ما ترى، فقال لهم: ويحكم إنني أعرف بهذا الفتى منكم، وإن أهل هذا البيت علمهم من الله تعالى ومواده وإلهامه". ثم عملوا على امتحانه(عليه السلام)، فأعدوا اجتماعا بينه وبين قاضي قضاة المأمون "يحيى بن أكتم"، فأعد عددا كبيرا من الأسئلة الصعبة بزعمه، راجيا أن يخجل الإمام(عليه السلام)، فأجاب عنها الإمام جميعا، فتحير يحيى بن أكتم وبان في وجهه العجز والانقطاع وتلجلج حتى عرف أهل المجلس أمره، كما تقول الرواية[1].

وهنا يبرز دهاء المأمون ومكره، فهو يدبر لأمر خطير بحق الإمام، ولكن العباسيين لم يفهموا ما كان يرمي إليه، فأقنعهم بما يعلمه علم اليقين، دون أن يبين مراده الحقيقي، خوفا من افتضاح أمره، وإن كانت النتيجة كلها بصالح الإمام(عليه السلام)، فأثبت لهم مرة أخرى أن الإمامة لا تقاس بعامل السن والكبر والصغر.
 
الحكمة من تنزل السن:
قد يرد إلى الأذهان سؤال، وهو أن إثبات قدرات الإمام الذهنية والعقلية والمعرفية، من خلال مناظرة، أو حوار بينه وبين الخصوم، قد لا تكون كافية لتصديه لموقع الإمامة، ووضعها موضع التنفيذ، على مستوى الواقع، خصوصا إذا أخذنا بعين الإعتبار قضية التنازل في السن من الثمان سنوات مع الإمام الجواد(عليه السلام)، مروراً بالست مع الإمام الهادي(عليه السلام)، وصولا إلى الخمسة مع الإمام الحجة(عج).

وتتجلى هذه الإشكالية على المستوى العملي، في تقبل الناس لهذه المسألة، وإن اقتنع العلماء بها على المستوى النظري، خصوصا وأن الناس يتأثرون، على العموم، بالأجواء العامة المحيطة بهم، وبما تدركه عقولهم، وتؤثر به أهواؤهم وعواطفهم، سواء كانوا من ضعفاء الشيعة أم من غيرهم، بلا فرق بينهم من هذه الجهة.

استنادا إلى ما تقدم من معرفة الأمة، وعلى الأخص علماؤها وسياسيوها، بأسماء الأئمة(عليهم السلام) وأعيانهم، نظرا لإخبارات النبي(صلى الله عليه وآله)، والأئمة أنفسهم بذلك، حيث كان كل إمام يؤكد على من يخلفه من بعده، بالإضافة إلى تواتر الأحاديث المبشرة بالإمام المهدي(عج)، الذي "يملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملأت ظلما وجورا"، اعتبر السلاطين والمخالفون أن هذا الإمام(عليه السلام) سيهدد عروشهم ودولهم، ويقضي على أمجادهم التي بنوها، على حساب المؤمنين والمستضعفين. لذلك لا بد لهم من القيام بحرب استباقية، وإجراءات وقائية ضد هذا الظهور المبارك، علهم يفلحون في الإبقاء على مراكزهم، ويمنعون خروجه المبارك، إن لم يستطيعوا القضاء على شخصه الشريف.

لقد أخذت هذه المحاولات والإجراءات الوقائية، منذ عصر المأمون العباسي، ومن أتى بعده من خلفاء بني العباس، عبر وضع الأئمة تحت الرقابة الشديدة، بحيث يتمكنوا من معرفة كل شاردة وواردة عن الأئمة(عليهم السلام)، بل ليتمكنوا من عد أنفاسهم، إن استطاعوا ذلك، اتقاء للخطر المحدق بهم، فإنهم، وإن تباينت مظاهر سلوكياتهم معهم وتنوعت، ابتداء بالمكر والدهاء، من خلال إعطاء ولاية العهد صوريا للإمام الرضا(عليه السلام)، ثم تزويج المأمون ابنته للإمام الجواد (عليه السلام)، إلى وضع الإمامين العسكريين(عليهما السلام) تحت الرقابة العسكرية المباشرة، من قبل المتوكل العباسي ومن قبله وبعده، إلا أن كل ذلك قد هدف إلى تصفية قضية الإمام المهدي(عج)، لكن الأئمة(عليهم السلام) استطاعوا إفشال هذه المخططات والمحاولات، بحكمتهم وحسن تصرفهم مع السلاطين، دون أن يثيروا الشبهات حولهم من جهة، ومع أتباعهم وشيعتهم من جهة أخرى، بما يضمن سلامة الطريق، حتى أوصلوا مركب الإمامة إلى شاطئ الأمان والغاية المنشودة.

وهنا يبرز وجه الحكمة في عدم ظهور الإمام الحجة(عج) إلى العيان، وأهمية غيبته وإمامته في سن مبكرة، فإن نتيجة ذلك وقوع الإرباك والحيرة لدى الحكام، واهتزاز عروشهم، لعدم معرفتهم بطريق الخلاص منه، وانسداد السبل بوجههم، حتى لا يعلمون ماذا يفعلون.

وهذا بخلاف ما إذا كان(عج) ظاهرا للعيان، أو طالت فترة بقاء الإمام العسكري(عليه السلام) على قيد الحياة، فإن ذلك يعني شدة المضايقات، التي سيتعرض لها هو وعائلته وأتباعه، لبقاء الأمل عند الحكام في الوصول إليه وقتله، مما يعني أن الإرباك والضياع سيطال الموالين للأئمة وشيعتهم، وربما يضع الإمام(عج) في دائرة الخطر الداهم والمستمر.

ولما اقتضت الحكمة الإلهية أن يتولى الإمام الثاني عشر مهام الإمامة، في هذه السن المبكرة، كان لا بد من إقناع الناس بإمامته، وبجدارته لهذا المنصب الخطير، على المستوى العملي، وإلا أدى ذلك إلى ضياع الشيعة، واستقواء الآخرين عليهم، إما سخرية منهم لصغر إمامهم في السن، وعدم إمكان قدرته على القيام بمهام الإمامة وهو طفل، لعدم حصول أية سابقة لذلك في تاريخ الإسلام، أو لإنكار وجوده أساسا، خصوصا وأنه لم يكن ظاهرا للعيان، بل كان بعيدا عن أعين الحكام وجواسيسهم، وكان يظهر أمام خلص شيعته ومواليه، وهذا من أشد المحن التي تواجه الأمة، على الصعيدين النظري والعملي على حد سواء، فكان التمهيد لذلك بتولي الإمامين الجواد والهادي(عليهما السلام) مهام الإمامة في سن مبكرة. حتى إذا أثبتت هذه التجربة نجاحها على الصعيد العملي، كان قبول إمامته(عج) طبيعيا ومبررا، وقاطعا لحجة الخصوم.

ولعله لهذا السبب، كانت البداية مع الإمام الجواد(عليه السلام)، وهو في الثامنة من عمره الشريف، فإن في ذلك تخفيفا للصدمة التي ربما أصيب بها الناس، فإذا نجح في إمامته على أحسن وجه، أمكن الإنتقال إلى من هو أصغر سنا منه.

وهذا بخلاف ما إذا بدأت مباشرة بسن مبكرة جدا، دون تهيئة النفوس والعقول لقبول إمامته، فإنها ستواجه بالرفض والإنكار من قبل شيعته قبل الآخرين.

وهذا ما يفسر الحديث الوارد عن أبي يحيى الصنعاني قال: كنت عند أبي الحسن الرضا(عليه السلام)، فجاء بابنه أبي جعفر وهو صغير، فقال: هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه[2].

حيث أن الظاهر أن البركة التي يتحدث عنها الإمام(عليه السلام)، هي أنه فاتحة الإثبات العملي، والتمهيد الجاد لقبول فكرة الإمام المهدي(عج) وإمامته، وهو صغير السن.
 
سماحة الشيخ حاتم اسماعيل - بتصرّف


[1] إعلام الورى بأعلام الهدى، الطبرسي، ص335-336
[2] أعلام الورى، مرجع مذكور، ص332

04-03-2020 عدد القراءات 618



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا