31 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 14 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: إضاءات إسلامية

الهداية التكوينيّة في القرآن الكريم





مرّ أنّ الهداية التشريعيّة تعني ذلك الإرشاد الّذي يتمّ عن طريق الوحي وسنّ القوانين والأحكام، والطريق المشخّص المحدّد لذلك هو تلقّي القرآن الكريم وسنّة المعصومين (عليهم السلام) لأجل التعرّف علىٰ الحلال والحرام ويقال لهذا النحو من الهداية (إراءة الطريق) أمّا الهداية التكوينيّة الّتي يعبّر عنها بـ (الإيصال الىٰ المطلوب) فليس لها حدود معيّنة، وفيما يلي نُشير الىٰ بعض الآيات الناظرة الىٰ الهداية التكوينيّة:

أ. ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَه﴾[1]: يظهر من هذه الآية الكريمة انّ الهداية التكوينيّة يحظىٰ بها الإنسان عندما يقطع جزءً ومسافة من الطريق.

ب. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَ﴾.[2] فالهداية الّتي توهب للإنسان بعد الإيمان بالله والجهاد في سبيله هي الهداية التكوينيّة.

ج. ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُم﴾.[3] فالله سبحانه يكافئ الواجدين للهداية من أهل السلوك والعمل، ومكافأتهم هي هداية أيضاً، وهذه الهداية الثانية هداية تكوينيّة وجزائيّة، وبواسطتها يصبح اكمال بقيّة الطريق سهلاً علىٰ السالك، وتكون حركته علىٰ نحو الجذب، حيث يشعر في باطنه أحياناً برغبة تجعله مجذوباً نحو العمل الصالح.

وتارة يجعل الله بهدايته التكوينيّة قلوب الناس تميل الىٰ المؤمن كجزاء ومكافأة له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمٰنُ وُدّ﴾[4] وعندها يكون المؤمن محبوباً لله وكذلك محبوباً لخلق الله، ومن هنا فإنّ عباد الله المحبّين له يدعون له ودعاء القلب المحبّ مؤثّر.

وفي مقابل الجزاء الّذي يُعطىٰ علىٰ نحو الهداية التكوينيّة للمهتدين والمجاهدين، إذا اختار أحد طريق الضلالة والعمىٰ بعد البصيرة والهدىٰ: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَىٰ الْهُدَىٰ﴾[5] وواجه دين الله بالغطرسة والتكبّر وبعد امهاله مدّة كي يتوب لكنّه استمرّ في عناده ولم يتب فحينئذٍ سيُسلب منه توفيق فهم الآيات الإلٰهيّة وقبول الحقّ: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ﴾[6] وسيُعيّن له رفيق دائميّ ويُعهد إليه بولايته ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِين﴾.[7]

د. ﴿قَدْ جَاءَكُم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ٭ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَم﴾.[8] هذه الآية الكريمة تبيّن جيداً الاختلاف بين الهداية التكوينيّة والتشريعيّة، لأنّها من جهة تتحدّث عن النور والكتاب المبين النازل من الله سبحانه لهداية جميع الناس والّذي ذكر في آيات اُخرىٰ مثل: ﴿هُدىً لِلنَّاس﴾[9]، ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِير﴾[10] و ﴿ذِكْرَىٰ لِلْبَشَر﴾[11]، ومن جهة اُخرىٰ تتحدّث عن هداية المؤمنين التابعين والتوّاقين لرضوان الله، والسالكين سبيل الله الّذين لايتركون طاعة لأجل الله الاّ وعملوا بها، فالله سبحانه يمسك بأيدي هؤلاء في مرحلة البقاء ويعبر بهم بيسر وسلام جميع عقبات الدنيا المخوفة والمهولة.

(سُبُل السلام) هي السلامة في مراحل الحياة الثلاث: الولادة والموت والبعث، والّتي جاءت علىٰ لسان النبيّ عيسىٰ المسيح (عليه السلام) وأيضاً علىٰ لسان النبيّ يحيىٰ الشهيد (عليه السلام) مع قليل من الاختلاف: ﴿وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّ﴾.[12] فالّذي يعيش بسلام فإنّه يموت بسلام، ومن مات بسلام فإنّه يُبعث يوم القيامة بسلام، وتلك هي الهداية الىٰ الصراط المستقيم: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾.[13]

والهداية الىٰ سُبل السلام (الإيصال الىٰ المقصد بسلامة) والخاصّة بطالبي الرضوان الإلٰهيّ هي ذاتها الهداية التكوينيّة، وإلاّ فإنّ الهداية التشريعيّة الّتي تتمّ بإرسال الأنبياء وتبليغ الأحكام بواسطتهم فلاتختصّ بالمؤمنين.

تنويه: انّ الهداية التكوينيّة بمعنىٰ (الإيصال الىٰ المقصد بسلام) مختصّة بالمؤمنين وإلاّ فإنّ (الإيصال الىٰ المطلوب) بمعناه العام غير مختصّ بالمؤمنين، لأنّ الله بهدايته التكوينيّة يوصل الجميع الىٰ مقاصدهم، سواء كان هدف السالك إلٰهيّاً أم شيطانيّاً فالهداية التكوينيّة للكفّار والفاسقين نحو جهنّم تتمّ أيضاً بأمر إلٰهيّ وبواسطة الملائكة: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيم﴾[14]، لأنّ أحد أنواع العذاب الّتي يواجهها الكفّار في القيامة هو انّهم يضلّون طريقهم الىٰ مقصدهم «جهنّم» وبعد شوط من الحيرة والتخبّط تأتي جماعة من الملائكة فتسوقهم الىٰ جهنّم. والهداية الىٰ جهنّم هداية تكوينيّة دون شكّ، لأنّه في ذلك اليوم يغلق باب التشريع والتكليف والعمل الإختياريّ وينتهي دوره، كما انّ هداية أهل الجنّة الىٰ الجنّة هي هداية تكوينيّة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهٰذَ﴾.[15]

هـ . ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٭ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ٭ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ٭ وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ٭ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم﴾[16] أي مننّا[17] علىٰ موسىٰ وهارون  ونصرناهما في الحرب وآتيناهما التوراة وهديناهما الىٰ الطريق المستقيم. وهذه الهداية ليست هداية تشريعيّة، لأنّها لو كانت هداية تشريعيّة لم تكن لموسىٰ وهارون خاصّة بل لكانت شاملة لجميع بني اسرائيل.

و. ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَدُ فِي السَّماءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَيُؤْمِنُون﴾.[18]

اُولئك الّذين يريد الله هدايتهم يفتح قلوبهم، والقلوب المفتوحة والمنشرحة لها القدرة علىٰ فهم المعارف العالية: «إنّ هذه القلوبَ أوعيةٌ فخيرها أوعاها»[19] وكلّ من يريد الله أن يضلّه يجعل قلبه ضيّقاً، فالهداية للفئة الاُولىٰ والضلالة للفئة الثانية كلتاهما تكوينيّة، لأنّه في نظام التشريع يكون الطريق مفتوحاً للجميع والهداية عامّة للعالمين. وأمّا الهداية الّتي تكون بعد الهداية العامّة الشاملة، والّتي تظهر للسائرين علىٰ الطريق الصحيح وعلىٰ شكل سعة وشرح الصدر وللمنحرفين علىٰ شكل ضيق الروح فهي هداية تكوينيّة.

والصدر الواسع والقلب المنشرح كالبحر العظيم الّذي لو اُلقي فيه شيء لم يغيّره وإذا اُخذ منه شيء لم ينقصهُ. القلب المنشرح لايحزن للمصائب الكبيرة ولايفرح للنعم الضخمة لأنّه ينظر الىٰ الحالين بأنّهما امتحان واختبار إلٰهيّ.

ز. ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىٰ﴾[20] أصحاب الكهف رجال عظام وفتية آمنوا بربّهم فزاد الله في هدايتهم، فهذه الهداية الّتي تأتي بعد الهداية الإبتدائيّة ليست بمعنىٰ تبيين الأحكام، بل هي بمعنىٰ تقوية ورفد السالك وتسهيل حركته نحو الله، وهي الهداية التكوينيّة.

ح. ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيد﴾[21] هداية أهل الجنّة الىٰ القول الحسن والطيّب هداية تكوينيّة وإلاّ فإنّ الله سبحانه أمر الجميع في الهداية التشريعيّة أن يتكلّموا بالأحسن ويتجنّبوا الكلام المؤذي والقبيح.

ط. ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾[22] يستفاد جيّداً من هذه الآية الكريمة إمتياز الهداية التكوينيّة عن التشريعيّة، ونفس هذا المضمون جاء في آية اُخرىٰ بهذا النحو: ﴿وَكَذٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَ﴾.[23]

والهداية الّتي تتعلّق بفئة خاصّة (من يشاء) هي الهداية التكوينيّة لأنّ الهداية التشريعيّة عامّة لجميع الناس. ومهمّة النبيّ هي تبليغ أحكام الدين الىٰ جميع الناس: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغ﴾[24]، وليس هناك الاّ جماعة خاصّة علىٰ أثر قبول الهداية التشريعيّة تتنوّر قلوبهم ويُهدون الىٰ الصراط المستقيم، وهناك جماعات كثيرة تمتنع عن قبول الهداية التشريعيّة، كما حصل في غدير خُم، حيث أعلن النبيّ امتثالاً لأمر الله له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّك﴾[25] خلافةَ وولايةَ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) الىٰ الناس، لكنّ الجميع أعرضوا عنها الاّ فئة قليلة.
 
آية الله الشيخ جوادي آملي – بتصرّف يسير


[1] . سورة التغابن، الآية 11.
[2] . سورة العنكبوت، الآية 69.
[3] . سورة محمّد، الآية 17.
[4] . سورة مريم، الآية 96.
[5] . سورة فصّلت، الآية 17.
[6] . سورة الأعراف، الآية 146.
[7] . سورة الزخرف، الآية 36.
[8] . سورة المائدة، الآيتان 15 و16.
[9] . سورة البقرة، الآية 185.
[10] . سورة الفرقان، الآية 1.
[11] . سورة المدّثر، الآية 31.
[12] . سورة مريم، الآية 33.
[13] . سورة المائدة، الآية 16.
[14] . سورة الصافات، الآية 23.
[15] . سورة الأعراف، الآية 43.
[16] . سورة الصافات، الآيات 114 ـ 118.
[17] . المنّة هي النعمة الكبيرة والثقيلة الّتي يصعب حملها، ولم يذكر القرآن الكريم انّ خلق السماوات والأرض ومجموع النظام الكوني بأنّه منّة، لكن عبَّر عن (الرسالة) و(الهداية) بالمنّة: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُول﴾ (سورة آل عمران، الآية 164)، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَان﴾ (سورة الحجرات، الآية 17).
[18] . سورة الأنعام، الآية 125.
[19] . نهج البلاغة، الحكمة 147.
[20] . سورة الكهف، الآية 13.
[21] . سورة الحجّ، الآية 24.
[22] . سورة القصص، الآية 56.
[23] . سورة الشورىٰ، الآية 52.
[24] . سورة المائدة، الآية 99.
[25] . سورة المائدة، الآية 67.

 

14-08-2020 عدد القراءات 477



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا