31 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 14 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

 

محطات إسلامية :: محطات من محرم الحرام

ما هي موجِبات البصيرة الإيمانية؟




 
توجد عوامل وأسباب تؤسس لتحقق وتجذر البصيرة الإيمانية عند الإنسان، نذكر منها ما يلي:

1- التقوى:
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "...إِنَّ تَقْوَى اللَّه دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ، وبَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ، وشِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ، وصَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ، وطُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ، وجِلَاءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ، وأَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ، وضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ..."[1].
 
يُبيّن أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الخِطبة الشريفة ثِمار التقوى، فإنّ للتقوى ثماراً ومنافع عظيمة، منها ما هو مرتبط بموضوع بحثنا بالبصيرة، ومنها ما هو أعمُّ من ذلك. ومن هذه الثمار المرتِبطة بالبصيرة قوله: وبَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ، أي أبصار أفئدتكم من عمَى الجهل.

بيان ذلك: إنّ حصول وصف العمى للأعمى لمّا كان موجباً لعجزه عن إدراكه للمحسوسات، وسبباً لضلاله عن الطريق، فكذلك حصول هذا الوصف للأفئدة الناشىء من اتّباع الهوى والانهماك في الشهوات، موجِبٌ لقصورها عن إدراك المعقولات، وعن الاهتداء إلى الصراط المستقيم. وكما أنّ بحسّ البصر يرتفع عمى الأبصار الظاهرة، ويحصل إدراك المحسوسات، فكذلك بالتقوى يرتفع عمى الأفئدة ويتمكَّن من إدراك المعقولات ويُهتدى إلى الصراط المستقيم، لكونِها مانعة من متابعة الهوى وانهماك الشهوات الموجِبَين لعماها، وهذا معنى كونها بصراً لعمى أبصار الأفئدة.
 
النتيجة: فكلّما طَهُر الإنسان وتجذّرت في نفسه مَلَكة التقوى، ازدادت بصيرته نفاذاً، وازداد توقُّداً.
 
2- ذِكْر الله تعالى:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾[2].
 
ذِكْر الله عزّ وجلّ وعلاقته بالبصيرة:
يقول الإمام علي عليه السلام: "مَن ذَکَرَ اللَّهَ اِستَبصَر"[3].
عنه عليه السلام: "الذِّكرُ هِدايَةُ العُقولِ، وتَبصِرَةُ النُّفوسِ"[4].
عنه عليه السلام: "الذِّكرُ نورُ العَقلِ، وحَياةُ النُّفوسِ، وجِلاءُ الصُّدورِ"[5].
عنه عليه السلام: "الذِّكرُ يُؤنِسُ اللُّبَّ، ويُنيرُ القَلبَ، ويَستَنزِلُ الرَّحمَةَ"[6].
عنه عليه السلام: "الذِّكرُ جِلاءُ البَصائِرِ، ونورُ السَّرائِرِ"[7].
عنه عليه السلام: "ثَمَرَةُ الذِّكرِ استِنارَةُ القُلوبِ"[8].
 
3- الموعظة:
عن الإمام عليّ عليه السلام: "المَواعِظُ صِقالُ النُّفوسِ وجِلاءُ القُلوبِ"[9].
وعنه عليه السلام في كِتابِهِ إلَى ابنِهِ الحَسَنِ عليه السلام: "أحيِ قَلبَكَ بِالمَوعِظَةِ"[10].
 
4- التفكُّر:
يقول الإمام عليّ عليه السلام: "مَن تَفَکَّرَ أبصَر"[11]، أي أدرك بِعيْن بصيرته حقائق الأمور وعواقبها.
 
والمراد بالتفكُّر هنا هو ما وصفه الإمام عليه السلام بقوله: "والْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ"[12]، المـُراد بالفِكر هنا القوّة المدركِة العاقلة التي إذا أعملَها الإنسان بعيداً عن الهوى والمحاكاة دلّت على الحقّ والصواب، وكنّى الإمام عليه السلام عن هذه الدلالة الصادقة بالمرآة الصافية التي تعكس الشيء كما هو في واقعه[13].
 
وفي الروايات الشريفة أنّ العبادة الأساسيّة هي التفكُّر، وأنّ هذا النوع من العبادة يؤدّي إلى زيادة البصيرة.
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام يَقُولُ: "لَيْسَ الْعِبَادَةُ كَثْرَةَ الصَّلَاةِ والصَّوْمِ، إِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ"[14].

عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْحَلَبِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليه السلام قال: "كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام يقول: "بِالْعَقْلِ اسْتُخْرِجَ غَوْرُ الْحِكْمَةِ، وبِالْحِكْمَةِ اسْتُخْرِجَ غَوْرُ الْعَقْلِ، وبِحُسْنِ السِّيَاسَةِ يَكُونُ الأَدَبُ الصَّالِحُ، قَالَ: وكَانَ يَقُولُ: التَّفَكُّرُ حَيَاةُ قَلْبِ الْبَصِيرِ، كَمَا يَمْشِي الْمَاشِي فِي الظُّلُمَاتِ بِالنُّورِ بِحُسْنِ التَّخَلُّصِ وقِلَّةِ التَّرَبُّصِ"[15].

"يعني أنّ التفكّر والتأمّل في الحوادث الواردة وتمييز الحقّ منها عن الباطل، والخطأ من الصواب "حياة"، أي مُحيي لقلب البصير العاقل، أي ذو البصيرة الثاقبة، وكون التفكّر حياة لقلبه أنّه باعث له وحامل إيّاه على سلوك طريق الحقّ وجادّة الصواب سلوكاً كسلوك "الماشي في الظلمات بالنور"، أي بذي النور، من مشعلٍ ونحوه، مع "حُسن التخلّص" من تلك الظلمات، أي اجتناب العوالي والوِهاد والوَعِر والحزن".
 
"وقلّة التربّص" والمكْث، أي إسراع الخروج من تلك الظلمات، فإنّه، وإن كان معه نور، لكنّه لا يأمن بسلوك العوالي والوِهاد وطول المكْث أن يُطفَئ ذلك النور الذي معه، فيبقى حيراناً لا يدري أين يذهب، كذلك العاقل البصير إذا وردت عليه الحوادث والشبهات، ولم يُعمل الفِكر في دفعها، ولم يُحسن التخلّص منها، باجتناب طرق الضلالة والتمسّك بسفن النجاة، ولم يُسرِع لذلك، بل تأنّى بحيث يستولي الشبه على قلبه، وتستحكم اللوابس في لبّه، فإنّه لا يأمن بذلك أن يُطفَئ نور عقله ويُخمد الهوى نبراس لبّه[16].
 
وهناك ترابطٌ واضح كما تقدّم بين البصيرة والنور، فإذا صحّ التعبير ممكن القول، إنّ البصيرة من مقولة النور فيمكن من خلال هذا الترابط مراجعة الآيات والروايات التي تحدّثت عن موجبات النور تكون هي بنفسها موجبات البصيرة، وموجبات العمى أو الظُلمة هي موجبات عدم البصيرة، ونطرح نماذج من هذه العناوين:

موجبات النور - البصيرة
ومن موجبات النور، في الدنيا والآخرة، بحسب ما أفادت الروايات الشريفة:

1- تقوى الله: وقد تقدّم الكلام على التقوى ودورها في البصيرة.
 
2- الصلاة: وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "الصَّلاةُ نورُ المُؤمِنِ، والصَّلاةُ نورٌ مِنَ اللهِ"[17].
 
3- تلاوة القرآن: فعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "عَلَيْكَ‏ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ‏، وَذِكْرِ اللَّهِ عزّ وجلّ فَإِنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، وَنُورٌ لَكَ فِي الْأَرْض"[18].
 
4- صلاة الليل: عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "ما تركتُ صلاة الليل منذ سمعت قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: صلاة الليل نور"، فقال ابن الكوّاء: ولا ليلة الهرير؟ قال: "ولا ليلة الهرير"[19].
 
5- تَرْك فضول الكلام: وهو مادّة أكثر أحاديث الناس في مجالسهم، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "أكثِر صمْتك يتوفّر فِكْرك، ويستَنِر قلبك، ويسلَم الناس من يديك"[20].
 
6- تجنّب ظُلم الآخرين: والآخرون المقصودون بالظلم يمكن أن يكونوا الأهل أو الزوجة أو الأولاد أو الجيران لتضييع حقوقهم أو عموم الناس عند عدم مراعاة الحقّ والعدل والإنصاف معهم، روي أنّ رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أحبُّ أن أحشرَ يوم القيامة في النور، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تظلم أحداً تُحشر يوم القيامة في النور"[21].
 
إنّ معي لبصيرتي، دار المعارف الإسلامية الثقافية


[1] نهج البلاغة، خُطب الإمام عليّ عليه السلام (تحقيق صالح)، مصدر سابق، الخطبة رقم 198 ومن خِطبة له ينبّه على إحاطة عِلْم اللَّه بالجزئيّات، ثمّ يحثّ على التقوى، ويبيّن فضل الإسلام والقرآن، ص 313.
[2] سورة الأنفال، الآية 2.
[3] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحِكَم والمواعظ، مصدر سابق، ص 429.
[4] التميميّ الآمديّ، عبد الواحد بن محمّد، تصنيف غُرَر الحِكَم ودُرَر الكَلِم، تحقيق وتصحيح مصطفى درايتيّ، ‏ مكتب الإعلام الإسلاميّ، إيران - قم، 1407ه‏، ط1، ص 189.
[5] المصدر نفسه.
[6] المصدر نفسه.
[7] المصدر نفسه.
[8] المصدر نفسه.
[9] المصدر نفسه، ص 224.
[10] نهج البلاغة، مصدر سابق، ص 392.
 [11]المصدر نفسه، ص 402.
[12] المصدر نفسه، حِكَم أمير المؤمنين عليه السلام، حكمة رقم 5، ص469.
 [13]محمّد جواد مغنيّة، في ظلال نهج البلاغة، انتشارات كلمة الحقّ، إيران، 1427، ط1، ج4، ص 219.
[14] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 55.
[15]ا لمصدر نفسه، ج1، ص 28.
[16]العلويّ العامليّ، أحمد بن زين العابدين‏، الحاشية على أصول الكافي، تحقيق وتصحيح الحسينيّ الأشكوريّ، دار الحديث‏، إيران - قم‏، 1427ه‏، ط1، ص 54.
[17] الميرزا النوريّ، حسين بن محمّد تقيّ‏، مُستدرَك الوسائل ومُستنبَط المسائل‏، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام، إيران - قم، 1408ه‏، ط1، ج3، ص 92.
[18]الطوسيّ، الشيخ محمّد بن الحسن، الأماليّ، دار الثقافة، إيران - قم، 1414ه‏، ط1، ص 541.
[19] مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، مصدر سابق، ج1، فصل في المسابقة بصالح الأعمال، ص 388.
[20] التميميّ الآمديّ، تصنيف غُرَر الحِكَم ودُرَر الكَلِم، مصدر سابق، ص 216.
[21] ميزان الحكمة، محمّد الريشهريّ، ج4، نور المؤمنين في القيامة، ص 339.

 

17-09-2020 عدد القراءات 656



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا