29 أيار 2020 م الموافق لـ 06 شوال 1441 هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: الإمامة والخلافة

الإمامة حفظ الدين



للمتكلمين كلام كثير بشأن كون الإمام حافظا للدين. وغالبا ما عبروا عن هذه المهمة بمثال فحواه: لو افترضنا أن هناك بناية قد شيدت فإن الواجب يقضي بالحفاظ عليها من عاديات الزمان كأضرار الرياح والأمطار وسائر الأشياء الأخرى.

وقد قالوا في نقضه: إن بناء يشيده بناة عظام لا نظير لهم، لا يحتاج إلى حفظةٍ بمستواهم.

على سبيل المثال: إن أبنية من طراز مسجد شيخ لطف الله، ومسجد شاه، وعالي قابو، وزخارف مسجد جوهر شاد، والخطوط التي تزين المصاحف المخطوطة، وبقية الروائع لا تحتاج إلى حفَظة بمستوى مبدعيها.

ولكن الحقيقة أن وقوع الخلل في الدين لا يتم بمثل هذه الصورة البسيطة، وإنما له مسار آخر، فبمقتضى أصل نفسي واجتماعي، يلاحظ أن النهضة والثورة -أي نهضة وثورة كانت - ما تلبث أن توقف تقدمها صوب جبهة العدو في اللحظة التي تحقق فيها التوفيق (النصر والاستقرار) وتطمئن إلى أن العدو يئس من النيل منها.

ثم يبدأ العدو بالالتحاق بالنهضة والانخراط في صفوفها، من دون أن يكون ذلك بباعث من وقوعه فعلا تحت تأثيرها الواقعي أو إيمانه بروحها ومعناها وهدفها، بل هو يندرج تحت إطارها بدافع الفائدة ولما انتهى إليه تشخيصه من أن مصالحه تتحقق من خلال هذا الانتماء.

هذا الذي نتحدث عنه يعبر بدقة عما حصل لمعارضي الحركة الدستورية في إيران، إذ الملاحظ أن أعداء الحركة التحقوا بها، وتظاهروا بتبنيها بقوة، حتى آل الأمر إلى أن يكون أمثال عين الدولة وصدر الأشراف، رئيسا وزراء للحركة.

والذي فعله هؤلاء المناهضون للحركة الدستورية بعد الإنتماء إلى صفوفها، أنهم حافظوا على شكل النهضة وظاهرها، بل منحوها أُبهة شكلية أكبر. بيدَ أنهم سلبوها روحها وجوهرها، وأفرغوها من محتواها وحقيقتها، بحيث أضحت وجودا شكليا فارغا لا لبّ فيه، وبتعبير الإمام أمير المؤمنين في توصيف هذه الحال: "يكفأ فيه الإسلام كما يكفأ الإناء".

بهذا الأسلوب يصار إلى حرف النهضة عن مسارها، وقلب ماهيتها مع الإبقاء على الصورة. والناس - لكون أكثريتها الغالبة تقنع بالظاهر وترضى بالشكل - في رضى وسرور، بل في شكر ودعاء، لأن الشعارات محفوظة في أعلى مستوى، وإن كانت الأصول قد اندثرت وزالت!

والشيء الضروري في مثل هذه الحالات هو النضج، والبصيرة التي تنفذ إلى العمق. وفي هذا السياق يمكن أن يكون الخبر‎:"وإن لنا في كل خَلفَ عدولاً ينفون عنّا تحريف الغالين وانتحال المبطلين" ناظرا إلى الأئمة الأطهار أنفسهم، أو إلى العلماء العدول الذين ينهضون بدور النظارة على عقائد الناس بعد الأئمة.

إن مناهضة البدعة لا تقتصر على المعنى المألوف المتحقق في إدخال ما ليس من الدين في الدين، إذ يقوم أحدهم مثلا بابتداع سنّة وقانون ونسبتهما علنا إلى الدين، حتى تبلغ الحال أن يستنكر المجتمعُ الفكرَ الديني الأصيل.

ما نريد تأكيده، أننا يجب ألا نخشى على الإسلام مما يأتي إليه من خارج العالم الإسلامي، بل مما يحيط به من الداخل، وذلك تماما كما صرح القرآن في قوله تعالى (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون ) والخطر الذي يتهدد الإسلام من الداخل، لا يقتصر على مفاسد المجتمع وفجوره التي يندفع إليها بباعث الشهوة وغيرها، بل يمتد ليشمل حركة النفاق الداخلي، والقوى التي تهاب مواجهة الإسلام علنا، فتلبس قناع الإسلام نفسه، وتحقق أهدافها المشبوهة، وتمارس مسخ الإسلام وتفريع محتواه من الداخل عبر سياسة التركيز الشديد على الشعارات الإسلامية، فتقضي على المضمون وتُبقي القشور، فيتحقق لها تغيير المسار والهدف بممارسة نوع من التحريف المعنوي.

التحريف المعنوي هو التصرف في تفسير المقصود من اللفظ وتوجيهه مع الحفاظ على اللفظ. نظير التفسير الذي ساقه معاوية في النص المعروف:"تقتلك الفئة الباغية" الوارد بشأن عمار بن ياسر. فهذا تحريف معنوي. وكذا يضم إليه قول الخوارج: "إن الحكم إلا لله" ورفعهم شعار:"لا حكم إلا لله" حيث رد عليهم الإمام عليّ عليه السلام بقوله:"كلمة حق يراد بها الباطل" فهذا أيضا مثال لتحريف الآية وتفسيرها على نحوٍ خاطئ، تم بدافع العمد أو الجهل، وساق للعالم الإسلامي جميع تلك المصائب. كما يلحق مثالا بالتحريف المعنوي قصة الحديث:"إذا عرفت فاعمل ما شئت" ينبغي الخوف من هؤلاء، ومن انخداع المسلمين البسطاء من هذه الجماعة المنافقة التي تتمترس بالإسلام زوراً.

*الامامة،الشيخ مرتضى مطهري، المترجم:جواد علي كسّار، مؤسسة أمُّ القرى،لبنان بيروت،ط2 1422هـ،ص237ـ240.

29-03-2010 عدد القراءات 10364



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا