27 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 10 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

 

القرآن الكريم :: صدى الآيات

كيف أقوم بالتكليف؟



 

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ً1.

أ- في كنف الآية:

تشير الآية الكريمة إلى أهم برامج الأنبياء العامة وهو القيام بأداء تكليفهم في تبليغ الرسالة الإلهية من دون خوف من أحد من الخلق بحيث يمضون في الوجهة التي أراد اللَّه تعالى لهم السير نحوها وهكذا القادة الإلهيون وسائر أهل التقوى حيث يجب أن يكون سلوكهم المضي في تنفيذ تكاليفهم دون الالتفات يميناً أو يساراً إلى كل القوى المتمردة على الحق والمجنّدة لدى الباطل فهي لا تشكل لهم مصدر رعب وقلق وإنما تزداد عزائمهم ويكبر إصرارهم على واجباتهم وهنا ينبغي الالفات إلى أمرين في الآية:

الأول: أن المراد من التبليغ هنا هو الابلاغ والايصال، وعندما يتصل برسالات اللَّه فإنه يعني أن يعلّم الأنبياء الناس ما علمهم اللَّه عن طريق الوحي، وأن يُنفذوه إلى القلوب عن طريق الاستدلال والانذار والتبشير والموعظة والنصيحة.

والثاني: إن الخشية تعني الخوف المقترن بالتعظيم والاحترام، وهي تختلف عن الخوف الخالي من هذه الخاصية، وبينهما فرق وهو: أن الخوف يعني القلق والاضطراب الداخلي من العواقب التي ينتظرها الإنسان نتيجة ارتكابه المعاصي والذنوب أو تقصيره في الطاعة وهذه الحالة تحصل لأغلب الناس وإن اختلفت درجاتها، وأما الخشية فهي الحالة التي تحصل للإنسان لدى إدراكه عظمة اللَّه وهيبته وحين الخوف من بقائه مبعداً عن أنوار فيضه، وهي لا تحصل إلا لأولئك الذين وقفوا على عظمة ذاته المقدسة وجلال كبريائه وتذوّقوا طعم قربه لذلك عدّ القرآن الكريم هذه الحالة خاصة بعباد اللَّه العلماء فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء2.


ب- الطاعة والتسليم روح الإسلام:

من خلال ما تقدم في الفقرة الأولى، اتضح أن الإنسان المؤمن هو الذي يؤدي تكليفه المطلوب منه دون خوف أو تردد، ويعود جوهر هذا الأمر إلى حقيقة الارتباط باللَّه سبحانه وترجمة الإيمان به في عالم الأعمال والانقياد التام لأوامره والابتعاد عن نواهيه والتسليم إليه، وإن الإسلام أخذ من مادة التسليم وهو يشير إلى هذه الحقيقة وبناء على هذا فإن كل إنسان يتمتع بروح الإسلام بمقدار تسليمه للَّه سبحانه يقول عزّ من قائل: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًاً3 والناس في هذه الناحية أقسام: فقسم يسلّمون لأمر اللَّه في الموارد التي تنفعهم فقط وهؤلاء هم كمن قالوا: "نؤمن ببعض ونكفر ببعض".

والقسم الثاني: هم الذين جعلوا إرادتهم تبعاً لإرادة اللَّه وإذا تعارضت منافعهم الزائلة مع أمر اللَّه يغضون الطرف عنها ويسلّمون لأمر اللَّه وهؤلاء هم المؤمنون والمسلّمون الحقيقيون.

والقسم الثالث: هم أسمى من هؤلاء فهم لا يريدون إلا ما أراد اللَّه وقد صبغ التوحيد كل وجودهم وغرقوا في حب اللَّه تعالى.

وهذه الأقسام بأجمعها جارية في التسليم لأمر المعصوم عليه السلام فعنهم عليه السلام: "شيعتنا المسلّمون لأمرنا"وكذلك ولي الأمر كامتداد له في أثر الطاعة والانقياد لا المكانة والرتبة ومن هنا يقول سماحة السيد القائد في حديثه عن ولي الأمر: يجب التسليم لأمره ونهيه حتى على سائر الفقهاء العظام فكيف بمقلديهم4.

وعليه يكون التسليم لحكم ولي الأمر ركناً وثيقاً في بناء الشخصية الإيمانية الواعية.

ج- صور التكليف الشرعي:

إن للتكليف صوراً عديدة هي:

الصورة الأولى: أن يكون فتوى صادرة من المرجع الذي يجب على الإنسان تقليده.

الصورة الثانية: أن يكون حكماً من ولي أمر المسلمين فإنه تجب الطاعة على مقلديه وغيرهم وعلى الفقهاء وسائر مراجع الدين، وعدم الأخذ بحكمه يعتبر رداً على الأئمة ثم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم على اللَّه عزّ وجلّ يقول الصادق عليه السلام: "فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا، فلم يقبل منه، فإنما استخف بحكم اللَّه وعلينا ردّ والرادّ علينا كالراد على اللَّه"5 ومن أجوبة سماحة السيد القائد في هذا المجال قوله: طبقاً للفقه الشيعي يجب على كل المسلمين إطاعة الأوامر الولائية الشرعية الصادرة من ولي أمر المسلمين6.

الصورة الثالثة: أن يكون حكماً غير مباشر، بل عبر قنوات تنظيمية من خلال إيكال الأمر من قبل الولي الفقيه إلى أشخاص معينين في بلدٍ ما فيعطيهم صلاحيات ويفوِّضهم في أمور يكون طاعتهم فيها طاعة للولي بحيث تعتبر مخالفتهم في دائرة صلاحياتهم مخالفة للولي فيكون الراد عليهم كالرادِّ عليه.

*صدى الآيات، سلسلة الدروس الثقافية، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، ط1، أيلول 2002م، ص50-55.


1- الأحزاب:39
2- فاطر:28
3- النساء:65
4- أجوبة الاستفتاءات، ج‏1، ص‏19، س‏65.
5- الكافي، ج‏7، ص‏412.
6- أجوبة الاستفتاءات، ج‏1، ص‏19.

25-01-2011 عدد القراءات 9925



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا