31 أيار 2020 م الموافق لـ 08 شوال 1441 هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: الإمامة والخلافة

تصوّر الصحابة للخلافة بعد النبي



إنّ المتتبع في تاريخ الخلفاء الذين تعاقبوا على مسند الحكومة، يرى بوضوح أنّهم كانوا يتّبعون الطريقة الأنتصابية لا الإنتخابية، بالتشاور أو البيعة، أو غير ذلك من المفاهيم التي حدثت في أيام خلافة الإمام أمير المؤمنين، وإليك الشواهد.

1- إنّ خلافة عمر تمّت بتعيين من أبي بكر، وليس هذا خافياً على أحد. روى ابن قُتَيبة الدينوري، أنّ أبا بكر دعا عثمان بن عفان، فقال: أكتب عهدي، فكتب عثمان:

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قُحافة، آخر عهده في الدنيا، نازحاً عنها... إنّي أستخلف عليكم عمر بن الخطاب، فإن تروه عدل فيكم، ظنّي به ورجائي فيه، وإن بدّل وغَيّر، فالخير أردت..." ثم ختم الكتاب ودفعه، ودخل عليه المهاجرون والأنصار حين بلغهم أنّه استخلف عُمَر1.

2- إنّ استخلاف عثمان تَمَّ عن طريق شورى عين أعضاءها عمر بن الخطاب، يقول التاريخ: دعا عمر عليّاً، وعثمان وسعداً، وعبد الرحمن، والزبير، وطلحة، فقال: "إنّي نظرت فوجدتكم رؤساء الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها، واختاروا منكم رجلاً، فإذا متّ فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيباً، ولا يأتي اليوم الرابع إلاّ وعليكم أمير"2.

فلو كانت صيغة الحكومة هي انتخاب القائد عن طريق المشورة باجتماع الامّة، أو بالبيعة، فما معنى انتخاب الخليفتين بهذين الطريقين؟.

3- لما اغتيل عمر بن الخطاب. وأحسّ بالموت، أرسل ابنه عبد الله إلى عائشة، واستأذن منها أن يدفن في بيتها مع رسول الله ومع أبي بكر، فأتاها عبد الله، فأعلمها، فقالت، نعم، وكرامة. ثم قالت: يابني، أبلغ عمر سلامي وقل له، لا تدع أمّة محمد بلا راع، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فانّي أخشى عليهم الفتنة، فأتاه، فأعلمه"3.

4- إنّ عبد الله بن عمر دخل على أبيه قبيل وفاته، فقال: "إنّي سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، وزعموا أنّك غير مستخلف، وأنّه لو كان ذلك راعي إبل أو غنم ثم جاءك وتركها، لرأيت أن قد ضيّع، فرعاية الناس أشد"4.

5- قدم معاوية المدينة لأخذ البيعة من أهلها لابنه يزيد، فاجتمع مع عدّة من الصحابة، وأرسل إلى عبد الله بن عمر، فأتاه، وخلا به، وكلّمه بكلام، وقال: إنّي كرهت أن أدع أمّة محمد بعدي كالضأن لاراعي لها"5.

هذه النصوص التي حفظها التاريخ، صدفة "وكم لها من نظائر" تدلّ على أنّ انتخاب الخليفة عن طريق أهل الحلّ والعقد، والأنصار والمهاجرين، وأخيراً الإستفتاء الشعبي، لم يكن له أصل في منطق الصحابة، وإنّما اخترعت هذه الألفاظ في فترة خاصة، في مقابل خلافة الإمام أمير المؤمنين علي عليه السَّلام.

ثم إنّ ها هنا أمراً بديعاً يجب إلفات نظر الباحث إليه وهو إنّه إذا كان ترك الأمّة بلاراع، أمراً غير صحيح في منطق العقل، أو كان ترك تعيين القائد كترك الضأن بلا راع لها، فكيف يجوز لهؤلاء أن ينسبوا إلى النبي أنّه ترك الأمّة بلا راع، وودعهم بعده هملا، يخشى عليهم الفتنة. فكأنّ هؤلاء كانوا أعطف على الأمّة من النبي الأكرم، وأحنّ على مصالحها منه؟ إنّ هذاممّا يقضي منه العجب.

غير أنّ كلّ من كتب في الإمامة، وواجه هذا التاريخ المسلّم، حاول تصحيح هذه التنصيبات بأنّ تعيين القائد السابق، الإمام اللاحق، أحد طرق انعقاد الإمامة، ولكن هؤلاء قد جمعوا بين المختلفين، فتارة يعترفون بالتنصيب، وأخرى بالإنتخاب، وبعبارة أخرى: يعترفون بكفاية رأي واحد من الأمّة تارة، ويشترطون تصويت الشعب، أو الصحابة، ثانياً.


* الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني.مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.ج4،ص68-70


1- الإمامة والسياسة، ج 1، ص 18. ورواه ابن سعد في طبقاته الكبرى، ج 3، ص 200، وابن الأثير في تاريخه "الكامل"، ج 2، ص 292 باختلاف يسير وقد نقل موضوع استخلاف أبي بكر لعمر، عدّة من أعلام التاريخ والحديث، والكل يتحد جوهراً، وأنّ التنصيب صدر من الخليفة الأول.
2- الكامل لابن الأثير، ج 3، ص 35، أُنظر باقي الواقعة.
3- الإمامة والسياسة، ج 1، 32.
4- حلية الأولياء، ج1، ص 44.
5- الإمامة والسياسة، ج 1 ص 168.

23-07-2009 عدد القراءات 9583



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا