2 حزيران 2020 م الموافق لـ 10 شوال 1441 هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: أدلة إثبات الخالق

برهان النَّظم بتقرير آخر



برهان النظم بتقرير ثان
الإِنسجام آية دخالة الشعور في وجود الكون

هناك تقرير لبرهان النَّظم  يعتمد على ملاحظة كل ظاهرة مادية، مستقلة ومنفصلة عن سائر الظواهر، فالنظام السائد على الخلية منفصلا عن سائر الظواهر، كان محل البحث والنظر.

ومثله سائر الظواهر المادية ذات الأَنظمة البديعة كحركة الشمس والقمر وغيرها، غير أَنَّه يمكن تقرير هذا البرهان بشكل آخر يعتمد على الإِنسجام السائد على العالم، والإِتصال البديع بين أَجزائه فيستدل بالإِنسجام والإِتصال على أَنَّ ذاك النظام المتصل المنسجم إِبداع عقل كبير وعلم واسع، ولولا وجوده لما تحقق ذلك النظام المعجب المتصل المتناسق.

إِنَّ الأبحاث العلمية كشفت عن الإِتصال الوثيق بين جميع أَجزاء العالم وتأثير الكل في الكل، حتى أَنَّ صفصفة أَوراق الشجر غير منقطعة عن الريح العاصف في أقاصي بقاع الأرض وحتى أَنَّ النجوم البعيدة التي تحسب مسافاتها بالسنين الضوئية، مؤثرة في حياة النبات والحيوان والإِنسان، وهذا الإِنسجام الوثيق، الذي جعل العالم كمعمل كبير يشدّ بعضه بعضاً، أَدل دليل على تدخل عقل كبير في إِبداعه وإِيجاده بحيث جعل الكل منسجماً مع الكل.

وبعبارة واضحة، إِنَّ الضبط والتوازن في الكون السائدين في الطبيعة أَوضح دليل على تدخل عقل كبير في طروئهما، ولأجل أن تتبين ملامح هذا التقريب نأْتي بالأَمثلة التالية:

1ـ إِنَّ حياة كل نبات تعتمد على مقدار صغير من غاز ثاني أوكسيد الكاربون، الذي يتجزأ بواسطة أَووراق هذا النبات إلى كاربون وأوكسجين، ثم يحتفظ النبات بالكاربون ليصنع منه ومن غيره من المواد، الفواكه والأَثمار والأَزهار ويلفظ الأوكسجين الذي نستنشقه في عملية الشهيق والزفير الأساسية في حياة الإِنسان.

ولو أَنَّ الحيوانات لم تقم بوظيفتها في دفع ثاني أو كسيد الكاربون، أو لم يلفظ النبات الأوكسجين، لا نقلب التوازن في الطبيعة واستنفذت الحياة الحيوانية، أو النباتية كل الأوكسجين أو كل ثاني أوكسيد الكاربون، وذوى النبات ومات الإِنسان.

فمن ذا الذي أَقام مثل هذه العلاقة بين النبات والحيوان وأَوجد هذا النظام التبادلي بين هذين العالمين المتباينين؟ أَلا يدل ذلك على وجود فاعل مدبر وراء ظواهر الطبيعة هو الذي أَقام مثل هذا التوازن؟.

2ـ منذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبَّار في أوستراليا كسياج وقائي ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة واسعة وزاحم أَهالي المدن والقرى، وأتلف مزارعهم ولم يجد الأَهالي وسيلة لصده عن الإِنتشار وصارت أوستراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت، يتقدم في سبيله دون عائق!!.

وطاف علماء الحشرات في أرجاء المعمورة إلى أَنْ وجدوا أَخيراً حشرة لا تعيش إلاّ على ذلك الصبار، ولا تتغذى بغيره وهي سريعة الإنتشار وليس لها عدو يعوقها في أوستراليا وما لبثت هذه الحشرة أَنْ تغلب على الصبار، ثم تراجعت ولم يبق منها سوى بقية للوقاية تكفي لصد الصبار عن الإِنتشار إلى الأَبد1.

فكيف عرفت هذه الحشرة أَنَّ عليها أَنْ تقضي على الزائد من الصبار وتكف عن الباقي لتحفظ أَشجار الصبار على توازنها فلا تطغى على الأَشياء الأُخرى؟ أَلا يكشف هذا التوازن والضبط عن خالق مدبر حكيم؟.

3ـ كان ملاّحُو السفن الكبيرة في العهود الماضية يصابون بمرض الأسقربوط2، ولكن أحد الرحالة اكتشف دواءً بسيطاً لذلك المرض وهو عصير الليمون، ترى من أَين نشأت هذه العلاقة بين الفواكه التي تحوي فيتامين (ث) وهذا المرض، ألا يدل ذلك على أَنَّ خالق الداء خلق الدواء المناسب له، ولولا هذا التوازن لعمّت الكارثة وانعدم النوع الإِنساني وغاب كلية عن وجه البسيطة؟.

4ـ عندما نزل المهاجرون الأولون أوستراليا واستقروا فيها، استوردوا اثني عشر زوجاً من الأرانب وأطلقوها هناك، ولم يكن لهذه الأَرانب أَعداء طبيعيون في أوستراليا، فتكاثرت بشكل مذهل، مما تسبب بإِحداث أَضرار بالغة بالأَعشاب والحشائش، ولم تنفع المحاولات الكثيرة لتقليل نسل هذه الأَرانب حتى اكتشف فيروس خاص يسبب مرضاً قاتلا لها، فعادت المروج الخضراء يانعة، وزاد على أَثر ذلك إِنتاج الأغنام والمواشي. أليس هذا التوازن الدقيق المبرمج في مظاهر الطبيعة والذي يؤدي أَي تخلخل فيه إلى أَضرار بالغة، دليلا قاطعاً على وجود الخالق الخبير والإِله المدبر وراء الطبيعة؟

5ـ الماء هو المادة الوحيدة المعروفة التي تقل كثافتها عندما تتجمد، ولهذه الخاصية أهميتها الكبيرة بالنسبة للحياة إذ بسببها يطفو الجليد على سطح الماء عندما يشتد البرد، بدلا من أَنْ يغوص إلى قاع المحيطات والبحيرات والأَنهار، ويكون تدريجياً كتلة صلبة لا سبيل إلى إخراجها وإذابتها. والجليد الذي يطفو على سطح البحر يكون طبقة عازلة تحفظ الماء تحتها عند درجة حرارة فوق درجة التجمد، وبذلك تبقى الأسماك وغيرها من الحيوانات المائية حية، فإِذا جاء الربيع ذاب الجليد بسرعة وبلا عائق.

فهل يمكن إِعزاء كل هذا الضبط والدقة في المقاييس والنسب إلى فعل المادة الصمَّاء العمياء البكماء، والحال إِنَّه يكشف عن تدبير وحساب ويحكي عن نظام متقن وعظيم ويدل على أَنَّ وراء كل ذلك خالقاً حكيماً هو الذي أَوجد هذا التوازن المدهش والضبط الدقيق.

أَجل إِنَّ ذلك التوازن وهذا الضبط يشهدان على دخالة الشعور والحكمة والعقل في إِدارة هذا العالم وتدبيره وتسييره وهي أمور لا تتوفر في الصدفة بل تتوفر في قوة عليا شاعرة هادفة تدرك مصلحة الكون واحتياجات الحياة إِدراكاً كاملا وشاملا، فتخضع الكون لمثل هذه الضوابط والعلاقات.

برهان النظم بتقرير ثالث
الهادفية آية تدخل الشعور في تطور النظم

إِنَّ النظرة الدقيقة في عالم الكون تهدينا إلى نظام خاص نسميه بنظام الخدمة، بحيث نرى أنَّ أَنظمة خاصة في الكون جعلت في خدمة أَنظمة كونية أُخرى بحيث لا بقاء للثانية بدون الأُولى، ولذالك نلاحظ صلة قويمة بين المظاهر المختلفة. فعندئذ يطرح السؤال التالي: إِنَّ هذه الكيفية الملموسة في عالم الكون كيف برزت في عالم الوجود؟.

أَمِنْ ناحية الصدفة، وهي أقل شأناً من أَنْ تبدع أَنظمة يكون قسم منها في خدمة القسم الآخر، وهي عاجزة عن إِيجاد فرد بهذا الشكل الدقيق فكيف بهذه المجموعة الكبيرة؟.

أَمْ من ناحية "خاصية المادة" التي ربما يلتجئ إِليها بعض الماديين. وهي أَيضاً أَعجز عن القيام بالتفسير. فإِنَّ "فرضيّة الخاصية" تهدف إلى أَنَّ لكل خلية، أَوْ لكل ذرة من الذرات أَثراً خاصاً ينتهي إلى موجود خاص وهو ذو نظام. وأَمَّا كون أنظمة كبيرة في خدمة أَنظمة مثلها فلا يمكن أَنْ يفسر بخاصية المادة، فإِن هذا أثر المجموع لا أثر كل جزء من أجزاء المادة. ولنأتي بمثال: لا شك أنَّ لتكون المرأة والأجهزة التي خلقت بها عللا مادية تظهرها على صفحة الوجود، فلها مع ثدييها والخصوصيات الحافَّة بها واللبن الذي يتكون في صدرها عللا مادية تنتهي إلى تلك الظواهر.

كما أَنَّ لتكون الطفل في رحمها وولادته على نحو يتناسب والخصوصيات القائمة بها وتكونه بفم خاص ومجاري تغذية خاصة تعتمد على اللبن فقط، إِنَّ لكل ذلك عللا مادية لا تُنكر.

إِلا أَنَّ هناك أَمراً ثالثاً وهو كون المرأة بأجهزتها الماديّة في خدمة الظاهرة الثَّانية بعامة أجهزتها بحيث لولا الأُولى لما كان للثانية مجال العيش وإِدامة الحياة. فعندئذ نسأل عن هذه الكيفية التي سميناها بنظام الخدمة، هي وليدة أَية علة؟ هل الصدفة جعلت الأولى وسيلة للثانية، وهي عاجزة عن إِيجادها بهذه الكمية الهائلة، ولو صح التفسير بها لصح في مولود أو مولودين لا في هذه المواليد غير المتناهية وغير المعدودة، إِلاَّ بالأَرقام النجومية.

أو من ناحية خاصية المادة وهو إِذن عقيم، لأن فرضية الخاصية، على فرض صحتها، تهدف إلى تفسير النظام الجزئي بخاصية المادة، وأَمَّا تفسير الكمية من النُّظُم التي يقع بعضها في خدمة البعض بخاصية المادة فهو مما لا تفي به تلك الفرضية، ولا يقول به أصحابها، والإِنسجام والتخادم مما لا يمكن أَنْ يكون أَثراً لخلية واحدة أو نحوها.

إِنَّ العقل في هذا الموقف يقضي بوجه بات بأَنَّ هذا النظام وهذه الخصوصية وليدة مبدع عالم قادر قد نسّق هذه النُّظُم بأطروحة علمية، وخريطة خاصة جعلت الظاهرة الأُولى ذريعة للثانية، وأَوجد الأُولى قبل أَنْ يبدع الثانية بزمن، وهذا ما نسميه بالهادفية، وأنَّ الخلقة غير منفكَّة عن الهدف، كما أنَّ القول به لا ينفك عن إِشراف مبدع عالم قادر على الكون وهو الذي يتبناه الإِلهيون باسم إِله العالم.

وبعبارة واضحة نرى أَنَّ يد القدرة والإِبداع قد هيَّأتْ قبل ولادة الطفل بأَعوام، أَجهزة كثيرة يتوقف عليها عيش الطفل وحياته في مسير الحياة، وتداركت ما يتوقف عليه حياة الطفل في أوليات عمره بوجه بديع، وهذا أَوضح دليل على أنَّ الكون لا يخلو من هدف، وأَنَّ مبدعه كان هادفاً. وهو لا ينفك عن تدخل الشعور، ورفض الصدفة عن قاموس تفسير الكون وتحليله.

وكم ترى من نظائر بارزة وأَمثلة رائعة لهذا النوع من الهادفية في صفحة الكون طوينا عنها الكلام.

برهان النَّظم بتقرير رابع
برهان حساب الاحتمالات في نشأة الحياة

ويمكن تقرير برهان النَّظم بصورة رابعة وليست هي دليلا مستقلا وإِنما هو اختلاف في التقرير، فروح البرهان واحدة، وصور التقرير مختلفة، وهذا التقرير ما نسميه بـ "برهان حساب الإِحتمالات في نشأة الحياة".

الحياة رهن قيود وشروط
إِنَّ تكوّن الحياة فوق الأرض نتيجة اجتماع شروط عديدة يكون كل شرط منها بمثابة جزء علّة لوجود ظاهرة الحياة، وتكون ظاهرة الحياة مستحلية بفقدان واحد منها فضلا عن كثير منها أو جميعها، وهذه الشروط منها ما يرتبط بالفلك، ومنها ما يرتبط بالهواء المحيط والغازات، ومنها ما يرتبط بالأرض وما فيها من نبات وحيوان وجماد. وقد تكفلت العلوم الطبيعية بتبيين تلك الشروط ونحن في غنى عن سردها، غير أَنَّا نقول: إِنَّ هذه الشروط من الكثرة إلى درجة يكون احتمال اجتماعها بالترتيب والنسق الذي يؤدي إلى استقرار ظاهرة الحياة عن طريق الصدفة، احتمالا في مقابل ما لا يحصى من الإِحتمالات، ويكون الإِحتمال في الظآلة على وجه لا يعتمد عليه. مثلا إِنَّ تحقق الحياة يحتاج إلى عوامل وأَسباب نشير إلى أَقل القليل منها:

1ـ يحيط بالأَرض التي نعيش على متنها غلاف سميك من الغازات يسمى بالغلاف الجوي يبلغ سمكه ثمانمائة كيلومتر وهو بمثابة مظلة واقية تصون الكرة الأَرضية من التعرض لخطر النيازك التي تنفصل يومياً من الكواكب وتتناثر في الفضاء منذ ما يقرب من عشرين مليوناً من السنين ولولا هذا الغلاف لسقطت على كل بقعة من الأَرض ملايين النيازك المحرقة.

2ـ الأَرض تبعد عن الشمس مسافة 93 مليون ميلا، ولأجل ذلك تكون الحرارة التي تصل إليها من الشمس بمقدار يلائم الحياة، ويتناسب مع متطلباتها، فلو زادت المسافة بين الشمس والأرض على المقدار الحالي إلى الضعف مثلا لنقصت كمية الحرارة التي تتلقاها من الشمس، ولو نقصت هذه المسافة إلى النصف لبلغت الحرارة التي تتلقاها الأرض الضعف، وفي كلتا الصورتين تصير الحياة غير ممكنة.

3ـ إِنَّ الهواء الذي نستنشقه مزيج من غازات شتى منها النيتروجين 78% والأوكسيجين 21%، فلو تغير المقدار وصارت نسبة الأُوكسيجين في الهواء 50% لتبدلت جميع المواد القابلة للإِشتعال إلى مواد محترقة، ولبلغ الأَمر إلى درجة لو أَصابت شرارة غابة، لأحرقت جميع ما فيها دون أَنْ تترك غصناً يابساً، ولو تضاءلت نسبة الأُكسجين في الهواء وبلغت 10% لفقدنا أكثر العناصر التي تقوم عليها حضارتنا اليوم.

هذه نماذج من الشروط العديدة التي يتوقف عليها إِمكان الحياة في هذه الكرة، وهي إلى درجة من الكثرة تكاد لا تعد فيها ولا تحصى. وعلى هذا الأَساس نرجع إلى صلب الموضوع فنقول: إِنَّ لظهور الحياة على وجه البسيطة عوامل ضرورية لا بدّ منها فإِذا ما فقدت عاملا من عواملها اللامتناهية انعدمت الحياة واستحال على الكائنات الحية استمرارها.

وعلى ذلك فإِنَّ فرض توفر هذه الشروط اللازمة المتناسقة، بانفجار المادة العمياء بنحو الصدفة، احتمال ضئيل لا يعتمد عليه، لأن المادة الأولى عند انفجارها كانت تستطيع أن تظهر بما لا يحصى. من الصور المختلفة التي لا تستقر فيها الحياة إلاّ بصورة خاصة أو بحالة واحدة، فعندئذ يتساءل كيف تفجّرت المادة الأولى بلا دخالة شعور وعقل واسع إلى هذه الصورة الخاصة التي تمكّن الحياة من الإِستقرار.

فلنأخذ من جميع الظواهر الحيوية حشرة صغيرة بما تحويه من ملايين العناصر المختلفة وقد ركبت بنسبها المعينة الخاصة. فبوسع المادة الأُولى أَنْ تظهر بأَشكال مختلفة غير صالحة لحياة الحشرة، وإِنَّما الصالحة لها واحدة منها. وعندئذ نتساءل: كيف استطاعت المادة الأُولى عن طريق "الصدفة"، من بين الصور الكثيرة الخضوع لصورة واحدة صالحة لحياتها؟!

وهذا البرهان هو البرهان المعروف في العلوم الرياضية بحساب الإِحتمالات، وعلى توضيحه نأتي بمثال:

نفترض أَنَّ شخصاً بصيراً جالساً وراء آلة طابعة ويحاول بالضغط على الأزرار، وعددها مائة بما فيها الحروف الصغيرة والكبيرة، أَنْ يحرر قصيدة لشاعر معروف كقصيدة لبيد التي يقول فيها:

ألا كُلُّ شَيء مَا خلا الله باطلُ   وَ كُلُّ نَعيم لا محالةَ زائلُ

فاحتمال أَنَّ الضربة الأُولى أَصابت صدفة الحرف الأَول من هذه القصيدة (أ)، والضربة الثانية أصابت كذلك الحرف الثاني منها (لا)، والضربة الثالثة أَصابت صدفة الحرف الثالث منها (كـ)، وهلم جرّاً....هو احتمال في مقابل احتمالات كثيرة لا يمكن بيانها بالأرقام الرياضية المقروءة. وإِنْ أرْدتَ تحصيل ذلك الرقم الرياضي فعليكَ أَنْ تضرب عدد حروف الآلة الطابعة في نفسها بقدر عدد حروف القصيدة المراد تحريرها، فلو كانت حروف الآلة الطابعة مائة، وعدد حروف البيت من القصيدة (38) فسوف يكون عدد الاحتمالات واحد أمامه (76) من الأصفار.

ولو أَضفنا إلى البيت الأول بيتاً آخر، فإِنَّ احتمال تحرير هذين البيتين على يد صاحبنا الأعمى صدفة، سيصل إلى عدد يقرب من الصفر.

ويستحيل على المفكر أَنْ يتقبل هذا الإِحتمال الضئيل "الذي هو المناسب لتحقق المراد" من بين تلك الإِحتمالات والفرضيات الهائلة. وكل من يرى البيتين وقد حُرّرا بالآلة الطابعة وبصورة صحيحة، يقطع بحكمة وعلم محررها. ولم تكن لتحدث عن طريق الصدفة العمياء.

هذا بالنسبة إلى قصيدة فكيف بالكون والحياة الناشئين من اجتماع ملايين الملايين من الشرائط والعوامل بنسب معينة في غاية الإِتقان والدّقة، فهل يصح لعاقل أَنْ يتفوه بأَنَّ هذه الشرائط للحياة تواجدت عند انفجار المادة الأُولى وتحققت صدفة من بين هذه الاحتمالات الكثيرة. ويعد الإِعتماد على هذا الإِحتمال، رياضياً، اعتماداً على صفر، وفي ذلك يقول العلامة (كريسي موريسن):

"إِنَّ حجم الكرة الأَرضية وبعدها عن الشمس، ودرجة الحرارة في الشمس، وأَشعتها الباعثة للحياة، وسمك قشرة الأَرض، وكمية الماء، ومقدار ثاني أوكسيد الكاربون، وحجم النيتروجين، وظهور الإِنسان وبقاءه على قيد الحياة كل هذه الأُمور تدل على خروج النظام من الفوضى (أَي إِنَّه نظام لا فوضى)، وعلى التصميم والقصد. كما تدل على أنه "طبقاً للقوانين الحسابية الصارمة" ما كان يمكن حدوث كل ذلك مصادفة في وقت واحد على كوكب واحد مرة في بليون مرة. كان يمكن أَنْ يحدث هكذا، ولكن لم يحدث هذا بالتأكيد".

وتقرير هذا البرهان وهذه الصورة الرياضية، يدل على أنَّ برهان النَّظم يتماشى مع جميع العصور، ويناسب جميع العقول والمستويات، ولا ينحصر تقريره بصورة واحدة. وبهذا يعلم سر تركيز القرآن على ذاك البرهان، وفي الآية التالية إشارات إليه. قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ بَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّة وَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الاَْرْضِ لآَيَـات لِّقَوْم يَعْقِلُونَ(البقرة:164).

* الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني.مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.ج 1 . ص43-55.


1-  العلم يدعو للإِيمان، ص 159.
2- وهو من أَمراض سوء التغذية وينشأ عن نقص فيتامين (ث).

25-07-2009 عدد القراءات 9864



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا