31 أيار 2020 م الموافق لـ 08 شوال 1441 هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: العدل

عدالة الله تعالى



ماهو العدل؟
لماذا اعتبر العدل، من بين سائر صفات الله، أصلاً من أصول الدّين؟

الفرق بين "العدالة" و"المساواة".

1- لماذا اختير العدل من بين سائر الصفات؟
قبل الخوض في هذا البحث لابدّ من أنْ يتضح لنا: لماذا اعتبر العلماء العظام صفة العدالة التي هي واحدة من صفات الله أصل من "أصول الدين الخمسة؟

إنَّ الله "عالم" و "قادر" و "عادل" و "حكيم" و "رحمن" و "رحيم" و "أزلي" و "أبدي" و "خالق" و "رزاق"، فلماذا اختاروا "العدالة" دون سائر صفات الله لتكون أحد أصول الدين الخمسة؟

للاجابة عن هذا السّؤال لابدّ من معرفة عدّة نقاط
1- إنَّ للعدالة، من بين سائر صفات الله، أهمية خاصة بحيث أنَّ كثيراً من الصفات الاُخرى مترتبة عليها، لأنَّ "العدالة" بمعناها الواسع، هي وضع الاُمور في مواضعها. وعلى ذلك فان صفات اُخرى مثل "الحكيم" و"الرّزاق" و"الرّحمن" وأمثالها تعتمد على العدالة في معانيها.

2- كما أنَّ "المعاد" يستند على "العدل الالهي"، وكذلك ترتبط رسالة الانبياء عليهم السلام و مسؤولية الأئمة عليهم السلام بعدالة الله أيضاً.

3- ظهر في صدر الاسلام خلاف بشأن مسألة عدالة الله. فقد أنكر بعض المسلمين وهم الأشاعرة عدالة الله كلياً، وقالوا: إنَّ "العدالة" و "الظلم" لا معنى لهما بالنسبة لله، فجميع ما في عالم الوجود من ملكه، وكل ما يفعله فهو العدالة بعينها. لقد أنكر هؤلاء حتى "الحسن" و "القبح" العقليين، قائلين أن عقولنا لا تستطيع أنْ تدرك هاتين الصفتين مطلقتين، بل أنَّها لا تدرك حُسْنَ الحَسَن ولا قبح القبيح (وغير ذلك من الاخطاء).

وفريق آخر من أهل السنة وهم المعتزلة ومعهم الشيعة، قالوا بعدالة الله وبأنَّه لا يظلم أبداً.

وللتمييز بين هذين الفريقين، أطلقوا على الفريق الثّاني اسم "العدليين" أو "العدلية" لأنهم اعتبروا "العدل" عنوان مدرستهم، وأطلقوا على الفريق الآخر اسم "غير العدليين".

ولكي يميز الشيعة أنفسهم عن بقية "العدليين" اعتبروا الامامة أصلاً آخر من أصول الدين. وعليه، أصبح "العدل" و"الامامة" من مميزات مذهب الشيعة الامامية.

4- بما أن فروع الدين ليست سوى إشعاعات اصول الدين، وإنَّ أشعة عدالة الله شديدة التأثير في المجتمع البشري، أصبحت العدالة الاجتماعية من أهم اُسس المجتمع الانساني. إنَّ اختيار العدالة كأصل من أصول الدين إشارة الى إحياء العدل في المجتمعات البشرية ومكافحة كل أنواع الظلم.

ومثلما كان توحيد ذات الله وصفاته وعبادته نوراً دعا للوحدة والاتحاد في المجتمع الانساني لتمتين وحدة الصفوف، كانت قيادة الانبياء و الائمّة عليهم السلام مثالاً "للقيادة الحقّة" في المجتمعات الانسانية. وعليه، فإنَّ أصل عدالة الله السائدة في كل عالم الوجود، إشارة الى ضرورة تطبيق العدالة في المجتمع البشري على جميع الأصعدة.

إنَّ عالم الخليقة العظيم قائم على العدالة، لذلك لا يمكن أنَّ يقوم مجتمع انساني بغير العدالة.

2- ماهي العدالة؟
للعدالة معان مختلفة
أ- معنى العدالة العام والشامل هو كما قلنا: وضع الاُمور في مواضعها. أي التوازن والتعادل. وهذا المعنى هو المهيمن على عالم الخليقة برمته، على المنظومات الشمسية، على الذّرة، على بناء كيان الانسان وجميع الحيوان والنبات. وهذا هو المعنى الذي ورد في الحديث النّبوي الشريف: "بِالعدلِ قامَتِ السَّمواتُ وَالأرضُ".

فمثلاً، لو اختل تعادل القوتين الجاذبة والدافعة في الكرة الأرضية، وزادت أحدها على الاخرى، لانجذبت الارض نحو الشمس واحترقت وتلاشت، أو لخرجت عن مدارها وتلاشت في الفضاء الفسيح.

والعدالة هي أنَّك إنْ سقيت نبتة الورد والاشجار المثمرة فقد سكبت الماء في موضعه، وهذا هو العدل بعينه، وإنْ أنت سقيت الاشواك والطفيليات، فقد أرقت الماء، في غير موضعه، وهذا الظلم بعينه.

ب- وثمّة معنى آخر للعدل وهو "مراعاة حقوق الناس" ويقابله " الظلم" وهو الاستئثار بحقوق الآخرين، أو انتزاع حق شخص واعطائه لآخر لا حق له فيه، أي المحاباة، وهي اعطاء بعض حقّهم، ومنعه عن آخرين.

بديهي أنَّ المعنى الثّاني "خاص" والمعنى الاول "عام"، وأنَّ كلا معنيي "العدل" يصدقان بحق الله، غير أنَّ المعنى الثاني هو المقصود في بحثنا هذا غالباً.

معنى "عدل" الله هو أنه لا يسلب أحداً حقّه، ولايأخذه من بعض ليعطيه لبعض آخر، فلا يحابي بين الاشخاص، فهو عادل بكل معاني الكلمة.

إنَّ الله منزّه عن "الظلم" سواء تمثل بأخذ حق أحد، أم إعطاء حق أحد لآخر، أم بالاجحاف والمحاباة.

إنَّه لن يعاقب من يعمل الصالحات، ولا يثيب المسيء، ولا يأخذ أحداً بذنب أحد، ولا يحرق الاخضر بجرم اليابس أبداً.

وإذا كان جميع أفراد مجتمع ما مذنبين، سوى شخص واحد، فإنَّ الله تعالى يستثنيه عن الآخرين، ولا يحشره في مصاف المذنبين.

أمّا مقولة "الاشاعرة" بأنَّ الله إذا أرسل الانبياء الى الجحيم، والمذنبين الى الجنّة لا يكون ظالماً، فهي مقولة جزاف، قبيحة، مخجلة ولا أساس لها، وإنَّ كل شخص لم يغلف عقله التعصب والخرافات يشهد بقبح هذا القول.

ج- الفرق بين "المساواة" و "العدالة": النقطة المهمة الإخرى التي لابدّ من الاشارة إليها في هذا البحث هي ما يجرى أحياناً من الخلط بين "المساواة" و"العدالة" على اعتبار أنَّ العدالة هي تطبيق المساواة، وليس كذلك.

المساواة ليست شرطاً من شروط العدالة، بل العدالة هي إعطاء كل حق لمستحقه وأخذ الاولويات بنظر الاعتبار. فالعدالة بين تلاميذ صف واحد، مثلاً، ليست في منح جميعهم درجات متساوية، وليست العدالة بين العمال في اعطائهم اُجوراً متساوية.

بل العدالة هي أنْ ينال كلّ تلميذ الدّرجة التي تستحقها معلوماته ولياقته العلمية، وأنَّ ينال كل عامل اُجرته بحسب أهمية العمل الذي يؤديه.

والعدالة في عالم الطبيعة تدخل ضمن هذا المعنى الواسع، فلو أنَّ قلب حوت "البالن" الذي يزن طناً واحداً قد ساوى قلب عصفور لا يكاد يزن أكثر من بضعة غرامات، ما كان ذلك عدلاً، ولو تساوت جذور شجرة ضخمة مع جذور نبتة صغيرة لماكان ذلك عدلاً، بل لكان ظلماً فاضحاً.

فالعدالة، اذن، هي أن ينال كل كائن نصيبه بموجب استحقاقه واستعداده ولياقته.

*سلسلة دروس في العقائد الاسلامية، آية الله مكارم الشيرازي ، مؤسسة البعثة، ط2. ص219-224


27-07-2009 عدد القراءات 14579



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا