11 آب 2020 م الموافق لـ 21 ذو الحجة1441 هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: العدل

الدليل على حرية الارادة والاختيار



1- الوجدان العام في البشر يدحض الجبرية
على الرّغم أنَّ الفلاسفة والعلماء الالهيين أكثروا البحث فى مسألة حرية إرادة الانسان، ولهم على ذلك أدلة مختلفة ولكننا لكي نختصر الطريق نتناول أوضح الادلة على حرية إرادة الانسان، وهو الوجدان الانسانى العام.

إذا استطعنا أنْ ننكر كلّ شيء فليس بامكاننا أنْ ننكر هذه الحقيقة وهي أنَّ جميع المجتمعات البشرية سواء أكانت تعبد الله أم كانت مادية، شرقية أم غربية، قديمة أم حديثة، غنية أم فقيرة، متقدمة أم متخلفة ومهما تكن ثقافتها فإنّها جميعاً وبدون استثناء تؤيد ضرورة وجود "قانون" يسود المجتمعات البشرية، أي أنَّ الفرد مسؤول أمام القانون. وأنَّ الذي يخالف القانون يجب أن يعاقب بشكل ما.

إنَّ سلطة القانون ومسئولية الافراد ومعاقبة المخالف أُمور متفق عليها بين جميع عقلاء العالم، هذه المسألة هي التي نطلق عليها اسم الرأى العام العالمي وتعتبر أوضح دليل على حرية ارادة الانسان وتمتعه بحرية الاختيار.

كيف يمكن أنْ نصدق أنَّ انساناً يكون مجبراً في إرادته وعمله ولا يملك حرية في الاختيار، ثم نعتبره مسؤول أمام القانون، فاذا نقض القانون أتينا به الى قاعة المحكمة واستنطقناه، لماذا فعل هذا؟ ولماذا لم يفعل ذاك؟ وبعد اثبات خروجه على القانون نحكم بسجنه أوبإعدامه.

هذا أشبه بجلبنا الصخور، التي تتهاوى من الجبال فتقتل الناس في الطرقات، الى المحكمة لمحاكمتها!

صحيح أنَّ الانسان يختلف كثيراً في الظاهر عن صخرة من الصخور، ولكننا إذا أنكرنا إرادة الانسان، فلن يكون لهذا الاختلاف الظاهري أي أثر، فكلاهما يكونان تحت تأثير عوامل قهرية مجبرة، فالصخرة المحكومة بقانون الجاذبية تسقط على الناس في الطريق، والانسان المجرم أو القاتل يكون تحت تأثير عوامل قهرية مجبرة اُخرى. فبناء على عقائد الجبريين، ليس هناك أي فرق بين هذين من حيث النتيجة، فكلاهما لم يرتكب ذلك العمل باختياره، فلماذا يحاكم أحدهما دون الآخر؟

إنَّنا على مفترق طريقين: إمّا أن نقول بخطأ الرأى العام في العالم، ونعتبر كل القوانين والمحاكم ومعاقبة المجرمين عبثاً في عبث، بل ظلماً فادحاً، وإمّا أنْ ننكر ما يذهب اليه الجبريون واتباعهم.

لاشك أنَّ الرأى الاخير هو المتّعين!

وإنَّه لمن الغرابة بمكان أنْ نجد الذين ينحون في عقائدهم وافكارهم الفلسفية منحى الجبريين ويوردون الأدلة عليها، ينحازون الى جانب حرية الارادة عند دخولهم في معترك الحياة! فهم إذا اعتدى أحد على حقوقهم أو ألحق بهم ضرراً وأذى، يرونه جديراً بالتوبيخ والعتاب، وقد يشكونه الى المحاكم، بل ربّما ثاروا وهاجوا ولم يهدأوا حتى ينال غريمهم العقاب القانوني!

حسناً، فاذا كان الانسان غير مختار في أفعاله حقّاً، وأنّ ما يفعله ليس بارادته، فلم كل هذا التوبيخ والعتاب والشكوى والهياج؟

على كل حال، إنَّ هذا الرأي العام لعقلاء العالم دليل حي على حقيقة كون الانسان يؤمن في اعماقه بحرية الارادة، وكان دائماً كذلك، بل إنَّه لا يستطيع أنْ يحيا يوماً واحداً بخلاف ذلك، وبغير أنْ يدير عجلة حياته على محور هذا الايمان.

يقول الفيلسوف الاسلامي العظيم الخواجه نصير الدين الطوسي في بحث الجبر والتفويض، في عبارة قصيرة:"... والضرورة قاضية باسناد أفعالنا إلينا"1.

2- تضاد منطق "الجبرية" ومنطق "الدين"
إنَّ الكلام المذكور آنفاً كان في تضاد الجبرية مع الرأي العام عند عقلاء العالم، سواء الذين يدينون بدين والذين لا دين لهم إطلاقاً.

إلاّ أنَّ هناك دليلاً آخر من وجهة النظر الدينية تبطل مذهب الجبرية، وهوأنَّ الاعتقادات الدينية لا يمكن أنْ تنسجم مع المذهب الجبري، إذ إنَّ قبوله به يصيب العقائد الدّينية بالعطب والشلل.

كيف يمكن القول بعدالة الله ثم نقول إنَّها لا تناقض العقيدة الجبرية؟ كيف يمكن القول بأنَّ الله يجبر انساناً على القيام بعمل، ثم يعاقبه على ما فعل؟

وبناء على ذلك، إذا قبلنا بالمدرسة الجبرية، لا يكون هناك معنى للقول بوجود "ثواب" و"عقاب" و"جنة" و"نار". كما لا يكون هناك مكان لمفاهيم مثل "صحيفة الاعمال" و"السؤال" و"الحساب الالهي" وما جاء في القرآن من ذم المسيئين والثناء وعلى المحسنين، وذلك لأنَّ الجبريين يقولون: لا المحسن مختار في إحسانه، ولا المسيء مختار في أساءته.

ثم إنَّنا إذا تغاضينا عن كل ذلك، فإنَّ أوّل اتصال لنا بالدين نواجه "التكليف والمسؤولية". ولكن هل يمكن أنْ نكلف شخصاً بأي تكليف ونحمله مسؤولية ذلك إذا لم يكن له الخيار فيما يفعل؟

أيجوز أنْ نأمر شخصاً مرتعش اليد دون إرادة بأنْ لا يفعل ذلك؟ أم هل يجوز أنْ نطلب من شخص يتدحرج من سفح جبل شديد الانحدار أنْ يتوقف ولا ينحدر؟

ولهذا قال أمير المؤمنين علي عليه السلام يصف ما يقوله الجبريون: ... تلك مقالة اخوان عبدة الأوثان وخصماء الرّحمن وحزب الشّيطان".
 
*سلسلة دروس في العقائد الاسلامية، آية الله مكارم الشيرازي، مؤسسة البعثة، ط2. ص258-262


1- كتاب "تجربد العقائد" بحث الجبر والاختيار.
2- "اصول الكافي"، ج 1، ص 119، باب "الجبر والقدر".

27-07-2009 عدد القراءات 11369



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا