2 حزيران 2020 م الموافق لـ 10 شوال 1441 هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: الإمامة والخلافة

مسألة عدالة الصحابة باختصار



إنّ لِصَحابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الّذين آمَنوا به في حياته، واستفادوا منه المعرفةَ، وأخذوا عنه العلمَ، والسنة، احتراماً خاصّاً عندنا نحن الشيعة الاِمامية، وذلك من دون فرقٍ بين الذين استُشهدوا في معركة "بدر" و"أُحد" و"الخندق" و"حُنين"، أو بقوا على قيد الحياة بعد رَسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فكل هؤلاء الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاشوا معه، وصَحِبُوه محترمون، ولا يجوز لمسلمٍ في العالم أن يسيء إلى صحابة رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم (من جهة كونهم صحابةً للنبيّ) أو يؤذيهم، ونِسبة مثل هذا الموقف إلى فريق من المسلمين نسبةٌ ظالمةٌ وافتراءٌ مرفوض.

ولكن إلى جانبِ هذه المسألة ثمّت مسألةٌ أُخرى يجب دراستها من دون تعصّب أو حبّ وبُغض غير مُبرَّرَين، وهي: هل أن جميع صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدولٌ وأتقياء، ومنزَّهون عن الذنوب، أو أنّ حكمَ الصحابة في هذه النقطة هو عين حكم التابعين الذين لا يمكن ان نعتبر جميعهم عدولاً أتقياء.

إنّ من البديهيِّ أنَّ مرافقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورؤيته وان كانت مبعث فخرٍ واعتزاز لمن يرافقه ويراه إلاّ أنّ كل هذه الاَُمور لا توجب المصونية لهم من الذنوب، ولا الحصانة من المعاصي، ولا يمكن النظر إلى جميع الصحابة بنظرة واحدة ومساوية، واعتبارهم جميعاً عدولاً أتقياء، مبرَّأين عن كلّ زَلَلٍ وخطل، ذلك لاَنّهم بشهادة القرآن من حيث الاِيمان والِنّفاق، ومن حيث الطاعة والعِصيان، والتسليم وعدم التسليم أمامَ الله ونبيّه صلى الله عليه وآله وسلم على أصناف مختلفة، وفي هذا التصنيف لا يمكن اعتبارهم جميعاً في مرتبةٍ واحدةٍ، ولا اعتبارهم جميعاً عدولاً أتقياء.

إنّه ممّا لاشكَّ فيه أنّ القرآن الكريم مدح أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مواقع مختلِفة1 وللمثال قد ذَكَرَ القرآنُ أنّ اللهَ رضى عن الّذين بايَعوا تَحتَ الشجرة في حالة صلح الحديبية، إذ قال سبحانه: ﴿لَقَد رَضي اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيبا(الفتح:18).

فالآية تعكس رضى الله سبحانه عن المؤمنين، لكنّها لا تعني انّهم صاروا بذلك عدولاً أتقياء إلى آخر عمرهم وان عَصَوا وخالفوا أمره سبحانه، نعم ثبت رضاه سبحانه عنهم في فترة خاصة وهو حال المبايعة بشهادة قول: (إذ يبايعونك) وهو ظرف للرضا. فهذا المدح لهم لا يدلُّ على ضمان صلاحِهم واستقامتِهم حتى آخر لحظة من حياتهم.

ولهذا إذا سلك شخصٌ أو أشخاصٌ منهم طريق الخلاف فيما بعد لم يكن رضا الله تعالى عنهم في طرف المبايعة دليلاً على تقواهم المستمرّ، ولا شاهداً على فلاحِهم الاَبديّ، لاَنّ شأنَ هذا الفريق، ومقامَهم ليس أعلى ولا أسمى من شأن ومقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال الله مخاطباً إيّاه: ﴿لَئنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(الزمر:65).
 
إنّ الآيات المادحة للمهاجرين والاَنصار تبيّن ما حصل عليه هؤلاء الاَشخاص من الكمال في تلك الحالة، ومن البديهيِّ أنّهم سيكونون مفلِحين دائماً إذا حافظوا على هذا الكمال إلى آخر لحظة من حياتهم.

وعلى هذا الاَساس لو دلّتِ الدلائلُ القاطعة من الكتاب والسُّنّة على انحراف فردٍ، أو أفرادٍ لا يَصحُّ في هذه الحالة الاستنادُ إلى المدائح المذكورة لهم.

ولنضربْ مَثَلاً على ذلك ما جاء في القرآن الكريمِ في حق أحد الصحابة.

فإنّ القرآنَ الكريمَ وصف أحد الصحابة بأنّه "فاسق"2. إذ قال: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنباًَ فَتَبَيَّنُوا(الحُجُرات:6).

وقال في آية أُخرى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ(السجدة:18).

إنّ هذا الفرد بِشهادة التاريخ القطعيّ هو "الوليد بن عُقبة" وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رغم كونه صحابيّاً ومهاجراً وهما فضيلتان سامقتان إلاّ أنّه لم يتمكّن من المحافظة على هاتين الفضيلتين، بل تسبَّبَ كِذبُه على طائفة "بني المصطَلَق" بأن يُذكَر بلفظ "الفاسق".

ومع الاِلتفات إلى هذه الآية ونظائرها3 وكذا ملاحظة الاَحاديث التي وَرَدَت في ذمّ بعض الصَّحابة في كتب الحديث4 وكذا في ضوء مطالعة التاريخ الاِسلاميّ والوقوف على سيرة بعضهم5 لا يمكن اعتبار جميع صحابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الذين يتجاوز عددهم المائة ألف شخصٍعُدولاً أتقياء جميعاً.

على أنّ ما نحن بصدد بحثِه ودراستهِ هنا هو "عدالةُ جميع الصحابة" لا سبّ الصحابة، وإنّ من المؤسف أنّه لم يفرّق البعضُ بين المسألتين، وإنّما عمد إلى اتّهام المخالفين في المسألة الاَُولى والاِيقاع فيهم في غير ما حق.

وفي الخاتمة نؤكّدُ على أنّ الشيعةَ الاِماميّة لاترى احترام صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مانعاً من مناقشة أفعال بعض صحابته صلى الله عليه وآله وسلم والحكم عليها وتعتقد بأنّ معاشرةَ النبي لا تكون سبباً للمصُونيّة من المعاصي إلى آخر العمر.

على أنّ موقف الشيعة، في هذا المجال ينطلق من الآيات القرآنية، والاَحاديث الصحيحة، والتاريخ القطعي، والعقل المحايد الحصيف.

*العقيدة الاسلامية،آية الله جعفر السبحاني،مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.ط1،ص294-298.
 


1- لاحظ سورة التوبة:100، وسورة الفتح:18 و 29، وسورة الحشر:8 و 9.
2- راجع التفاسير عند توضيح هاتين الآيتين.
3- لاحظ آل عمران:153 ـ 154، الاَحزاب:12، التوبة:45 ـ 47.
4- جامع الاَُصول، ج 11، كتاب الحوض، الحديث رقم 7972.
5- صحيح البخاري، ج 5، تفسير سورة النور، ص 118 ـ 119.

04-08-2009 عدد القراءات 10053



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا