13 كانون الأول 2019 م الموافق لـ 16 ربيع الثاني 1441 هـ
En FR

نور الأسبوع :: صفر

عَمارَةُ الآخِرَة





سُئلَ الإمامُ الحسنُ (عليه السلام): «ما بالُنا نكرهُ الموتَ ولا نُحبُّه؟» فقالَ: «إنَّكم أخربتُم آخرتَكم وعمّرتُم دنياكم، فأنتم تكرهونَ النقلةَ من العمرانِ إلى الخرابِ».

يرتبطُ الخوفُ والحبُّ من الأشياءِ بالمعرفةِ التي يمتلكُها الإنسانُ عنها، فإذا كانتِ الصورةُ تنسجمُ مع رغباتِ النفسِ وأمانيِّها تعلّقتْ بذلك الشيءِ وتمنَّتْ تحقُّقَه، وإلّا فإذا كانتْ مخالفةً لما تريدُه كانَ الخوفُ منها هو الحاكمَ عليها، والموتُ هو المخوِّفُ الذي لا بدَّ منه، ولكنّ الناسَ في غفلةٍ منه مَعَ يقينِها بوقوعِه يوماً ما. وأمامَ الموقفِ الداخليِّ الذي يعيشُه معظمُ الناسِ من ظاهرةِ الموتِ، وردتْ رواياتٌ متعدِّدةٌ عن أهلِ البيتِ (عليهم السلام) تُبيِّنُ أنَّ السببَ في ذلك أنَّ الإنسانَ لم يعتنِ ببناءِ ما سيصيرُ إليه، فلم يتزوَّدْ لسفرِه بما يحتاجُ إليه ولم يُمهّدْ بالعملِ الصالحِ لآخرتِه.

ومن أهمّ المواعظِ الموقظةِ لهذا الإنسانِ من غفلةِ الدنيا، أنْ يتدبَّرَ فيمن حولَه ممَّن انتقلَ إلى عالمِ الآخرةِ، وكيف كان مصيرُ كلِّ ما صنعوه في الدنيا. يروى عن الإمامِ الحسنِ (عليه السلام) أنّه قالَ: «إنّه كان بين أيديكم أقوامٌ يجمعونَ كثيراً ويبنونَ مشيداً، ويأملونَ بعيداً، أصبحَ جمعُهم بواراً، وعملُهم غروراً، ومساكنُهم قبوراً».

وحالُ الإنسانِ الذي يجمعُ للدنيا حالُ من يكونُ جهدُه لغيرِه؛ لأنَّ مصيرَه الانقطاعُ عنها في لحظةٍ لا يدري متى تكونُ، ويخرجُ من هذه الدنيا متحسّراً، ففي روايةٍ عن الإمامِ الحسنِ (عليه السلام): «لا تخرجُ نفسُ ابنِ آدمَ من الدّنيا إلّا بحسراتٍ ثلاثٍ: إنّه لم يشبعْ ممَّا جمعَ، ولم يُدركْ ما أمَّلَ، ولم يُحسنْ الزّادَ لما قَدِمَ عليه».

فما تمكَّنَ الإنسانُ من جمعِه في هذه الدنيا لا يُشبعُ رغباتِه، بل يبقى غافلاً منهوماً يطلبُ المزيدَ من الدنيا؛ وما كان يأملُ في الوصول إليهِ لم يتمكّنْ من ذلك؛ لأنّ الإنسانَ يموتُ ولا ينتهي أملُه في هذه الدنيا، والأكثرُ حسرةً أنّه بدأَ برحلةِ الآخرةِ ولم يأتِ من الزادِ بما يكفيه للنجاةِ من الهلاكِ.

وبالمقارنةِ بين طالبِ الدنيا وطالبِ الآخرةِ، يتبيّنُ –بوضوحٍ- خسارةُ الأوّلِ بسببِ انقطاعِ هذه الدنيا، فعن الإمامِ الحسنِ (عليه السلام): «النّاسُ طالبان: طالبٌ يطلبُ الدّنيا حتّى إذا أدركَها هلكَ، وطالبٌ يطلبُ الآخرةَ حتّى إذا أدركَها فهو ناجٍ فائزٌ».

وقد وردَ في بعضِ الرواياتِ الوعدُ للإنسانِ إذا جعلَ الآخرةَ همَّه وسعى إليها، بأنَّ اللهَ سوف يُعطيهِ ما فرضَه له في هذه الدنيا، غيرَ منقوصٍ، ففي الروايةِ عنِ الإمامِ الحسنِ (عليه السلام): «معاشرَ الشّبابِ، عليكم بطلبِ الآخرةِ، فواللهِ رأينا أقواماً طلبوا الآخرةَ فأصابوا الدّنيا والآخرةَ».

والوعي والبصيرةُ هما الحافظانِ لهذا الإنسانِ من الانحرافِ عن طريقِ التزوّدِ للآخرةِ، وما ابتُلي به الإمامُ الحسنُ (عليه السلام) في حياتِه بعد شهادةِ أبيه أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) هو المجتمعُ الفاقدُ للبصيرةِ، الذي لم يجعلْ الآخرةَ ضمن حساباتِ السعي لديه؛ ولذا انصبَّ جهدُ الإمامِ الحسنِ (عليه السلام) بعد الصلحِ على تربيةِ الجيلِ الصالحِ الذي يُدركُ تماماً حقيقةَ هذه الدنيا؛ وبهذا كان الإمامُ (عليه السلام) من البناةِ لثورةِ الإمامِ الحسينِ (عليه السلام) من خلالِ مساهمتِه في بناءِ تلك الثلّةِ التي وقفتْ باذلةً دمَها بين يدَي إمامِ زمانِها في كربلاءَ.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين

08-10-2019 عدد القراءات 1426



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا