16 تشرين الأول 2021 م الموافق لـ 09 ربيع الأول 1443هـ
En FR

نور الأسبوع :: شهر رمضان

لا أرْجُو غَيْرَه عزَّ وجلّ





مِن دعاءِ السَّحَرِ للإمامِ زينِ العابدينَ (عليه السلام): «وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي لا أَرْجو غَيْرَهُ، وَلَوْ رَجَوْتُ غَيْرَهُ لأخْلَفَ رَجائِي»[1].

مِن فضائلِ شهرِ رمضانَ وخصائصِهِ أنَّ أبوابَ الرجاءِ تُفتحُ أمامَ الإنسان، فتتّسعُ أمامَهُ سُبُلُ العودةِ إلى اللهِ -عزَّ وجلَّ-، وبهذا يكونُ أقربَ إلى التوحيدِ في رجاءِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-. والرجاءُ يعني الأمل، وعلى ما ذَكَرَهُ العلّامةُ النراقيُّ في كتابِهِ (جامعُ السعادات)، فإنّ اسمَ (الرجاء) إنما يَصْدُقُ على انتظارِ محبوبٍ تمهّدتْ جميعُ أسبابِهِ الداخلةِ تحتَ اختيارِ العبد، ولم يبقَ إلّا ما ليس يَدخُلُ تحتَ اختيارِه، وهو فضلُ اللهِ تعالى بصرفِ القواطعِ والمفسدات.

والرجاءُ قرينٌ معَ صفةٍ أخرى، هي الخوف. وعلى الإنسانِ أن يعتدلَ في امتلاكِ كلتا الصفتَين، فعنْ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): «وإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللَّه، وأَنْ يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِه، فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنِّه بِرَبِّه، عَلَى قَدْرِ خَوْفِه مِنْ رَبِّه، وإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنّاً بِاللَّه، أَشَدُّهُمْ خَوْفاً لِلَّهِ»[2].

وفي روايةٍ أخرى أنَّ أميرَ المؤمنينَ (عليه السلامُ) قالَ لِرَجُلٍ قال عندَ النَّزْع: أجدُني أخافُ ذنوبي وأرجو رحمةَ ربّي، قالَ (عليه السلام): «ما اجتمعا في قلبِ عبدٍ في هذا الموطن، إلّا أعطاهُ اللهُ ما رجاه، وآمَنَهُ ممّا يَخاف»[3].

والرجاءُ منه ما يكونُ صادقاً ومنه ما يكون كاذباً. أمّا الرجاءُ الصادقُ فقوامُهُ العمل، قال تعالى واصفاً أصحابَ الرجاء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[4]، فالرجاءُ جاء تالياً للإيمانِ والهجرةِ والجهادِ في سبيلِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-، وهذا ما أَكَّدَ عليه أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام)، ففي الحديث: «لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ، ويُرَجِّي التَّوْبَةَ بِطُولِ الأَمَلِ، يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ، ويَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِبِينَ»[5].

وأمّا الرجاءُ الكاذبُ فهو الذي يَصدُقُ عليه التسويف، حيثُ يفارِقُ العملَ ولا يقترنُ به، ففي الروايةِ عنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلامُ) -لَمَّا سُئلَ عنْ قومٍ يعمَلونَ بالمعاصي، ويقولون: نرجو، فلا يزالونَ كذلكَ حتّى يأتيَهُمُ الموت-، قالَ (عليه السلام): «هؤلاءِ قومٌ يترجّحونَ في الأماني. كَذَبوا! ليسوا براجين. إنَّ مَن رجا شيئاً طَلَبَهُ، وَمَنْ خافَ شيئاً هَرَبَ منه»[6].

وَيَصِفُ أميرُ المؤمنينَ (عليه السلامُ) أمثالَ هؤلاءِ في نهجِ البلاغةِ، فيقول: «يَدَّعِي بِزَعْمِه أَنَّه يَرْجُو اللَّهَ. كَذَبَ والْعَظِيمِ! مَا بَالُه لَا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُه فِي عَمَلِه؛ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُه فِي عَمَلِه»[7].

ولذا، كان الرجاءُ أَصْلَحَ في موطنَين: أحدُهما: عندما تَكسَلُ النفْسُ عنِ العملِ الصالح، فالرجاءُ يبعثُهُ على النشاط، لِمَا يراهُ مِن وعدِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-. وثانيهِما: في حَقِّ العاصي المنهمكِ إذا خَطَرَ له خاطرُ التوبة، فَيُقْنِطُهُ الشيطانُ مِن رحمةِ الله، ويقولُ له: كيف تُقبلُ التوبةُ مِن مِثْلِك! فعند هذا يجبُ عليه أنْ يقمعَ قنوطَهُ بالرجاء، ويتذكَّرَ ما وَرَدَ فيه، كقولِهِ تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾[8].

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين


[1] الشيخ الطوسيّ، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، ج‏2، ص582.
[2] نهج البلاغة (تحقيق صبحي الصالح)، ص384.
[3] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج‏10، ص155.
[4] سورة البقرة، الآية 218.
[5] نهج البلاغة (تحقيق صبحي الصالح)، ص497.
[6] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج‏2، ص68.
[7] نهج البلاغة (تحقيق صبحي الصالح)، ص225.
[8] سورة الزمر، الآية 53.

22-04-2021 عدد القراءات 149



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد



جديدنا