16 تشرين الأول 2021 م الموافق لـ 09 ربيع الأول 1443هـ
En FR

نور الأسبوع :: ذو القعدة

احتَطْ لِدِينِك





ورد في المرويِّ عن الإمامِ الرضا، عليِّ بنِ موسى (عليهما السلام)، يقول: إنَّ أميرَ المؤمنينَ (صلواتُ اللهِ عليهِ) قالَ لكميلِ بنِ زيادٍ في ما قال: «يا كميل! أخوكَ دِينُكَ، فاحتَطْ لِدِينِكَ بما شِئتَ»[1].

تعدّدت الرواياتُ الواردةُ عن أهلِ البيتِ (عليهمُ السلامُ) بالحَثِّ على الاحتياطِ، وذلك عندما يتردَّدُ الإنسانُ في أمرٍ من الأمورِ، فلا ينبغي له أن يُقْدِمَ دونَ تثبُّتٍ، لا سيما فيما يكونُ مِن أمورِ الدِّينِ أو ما يرتبطُ بأموالِ الناسِ أو حقوقِهم، والتثبُّتُ بمعنى أن يُدرِكَ أنَّ فيما يقومُ به رضا اللهِ -عزَّ وجلَّ-، وأنهُ لا يَخرُجُ بذلكَ عن دائرةِ الطاعةِ ولو احتمالاً. وفي كتابِ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلامُ) إلى عثمانَ بنِ حنيفٍ عامِلِهِ على البصرةَ: «أَمَّا بَعْدُ يَابْنَ حُنَيْفٍ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ، فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا، تُسْتَطَابُ لَكَ الأَلْوَانُ، وتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ، ومَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ، عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ، وغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ، فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُه فَالْفِظْهُ، ومَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْه»[2]، ومرادُ الإمامِ (عليه السلامُ) هو الابتعادُ بالوالي مِن قبله عن الشبهات، فالمنهيُّ عنه ليس أصلَ استجابةِ الدعوة، وإنما هو أكلُ الشُبُهاتِ، وإلى ضرورةِ التدبُّرِ عندَ القيامِ بأيِّ عملٍ لمعرفةِ عواقِبِه.

والروايةُ عندما وَرَدَ التعبيرُ فيها عن الدينِ بأنّه (أخوك)، فالمرادُ أنه أقربُ الأمورِ إليكَ ممّا ينبغي أنْ تفكّرَ لأجْلِهِ أكثرَ مِن غيره، وأن تكونَ غايتُكَ حِفْظَهُ والعنايةَ بهِ كما هو الحالُ معَ أخيك، بكلِّ ما تستطيعُ، ومِن أيِّ طريقٍ أمكنَك.

فكما أنّنا نَهُبُّ لِنُصرةِ دِين اللهِ -عزَّ وجلَّ- إذا تعرَّضَ أحدٌ له بالسوءِ أو أرادَ ذلك، فإنّ علينا أن نَحْذَرَ دائماً مِن أن يُمَسَّ تديُّنُنا كأفرادٍ بأيِّ شائبةٍ من معصيةٍ أو شُبهة.

ويتأكَّدُ ذلك لِمَنْ هم في صفِّ المسؤوليّة، يقولُ الإمامُ الخامنئيُّ (دام ظلّه) في شرحِ الحديثِ المذكور: «إذا وجّهنا هذا الخطابَ للشخصيّاتِ مِن ذوي المسؤوليّات، فتصبحُ المسؤوليّةُ أعظمَ وأثقلَ. وعليه، فنخاطِبُ المسؤولينَ الأعزاءَ، ونقولُ لهم: كونوا محتاطين، فصيانةُ دِينِ الناسِ ودِينِ المجتمَعِ واجبُكُم... ما يجبُ عليكم هو صيانةُ دِينِكُم في المجتمَع».

وفي شرحٍ للآيةِ المبارَكة ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾[3]، يقولُ الإمامُ الخامنئيُّ (دام ظلّه): «إذا كانت بمعنى إقامةِ الصلاةِ فقط، فعندئذٍ لا تتلاءمُ وقولَهُ: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾؛ لأنَّ الصلاةَ حتّى على فرضِ عدمِ التمكُّن، يجبُ إقامتُها أيضاً. وذلك معناهُ أنّكم إذا تمكّنتم وأصبحتم رؤساءَ ومدراءَ، وصارت ميزانيةُ البلدِ في حيازتِكم، وصار حُكمُكُم نافذاً، فعليكم أنْ تقوموا بعملٍ يضمنُ صيانةَ دِينِ الناسِ».

وَيَذكُرُ السيّدُ مصطفى الخمينيُّ (قدّس سرّه) أنّ المرادَ مِنَ الحديثِ المعروفِ: «مَن بَلَغَ أربعينَ ولم يَتَعَصَّ فقد عصى»؛ أي لم يأخذْ عصا الاحتياطِ في المشْيِ على أرضِ الديانةِ[4].

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين


[1] الشيخ المفيد، الأمالي، ص283، المجلس الثالث والثلاثون.
[2] نهج البلاغة (تحقيق صبحي الصالح)، ص416.
[3] سورة الحجّ، الآية 41.
[4] السيّد مصطفى الخمينيّ، ثلاث رسائل، العوائد والفوائد، ص47.

24-06-2021 عدد القراءات 51



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد



جديدنا