17 كانون الثاني 2021 م الموافق لـ 03 جمادى الثانية 1442 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: تربية الأبناء

الكذب عند الأطفال



قُبْح الكذب

الكذب صفة ممقوتة قبيحة، كان كذلك، وسيبقى، وإن حاول البعض الترويج له تحت عناوين واهية، كالكذبة "البيضاء" والكذبة "الصغيرة" و"المهضومة"، وكذبة أوَّل نيسان!

وعن مولانا الإمام العسكري: "جُعِلَتْ الخَبَائِثُ في بَيتٍ وجُعِلَ مِفْتَاحُهُ الكَذِبُ"، فينبغي عدم التساهل في كل أنواع الكذب البسيط منه والكبير، حيث "لا يصلح جِدُّه ولا هزله، ولا يَعِد أحدكم صبيَّه ثم لا ينجز له".

وكان الإمام زين العابدين يُعلِّم أهله: اتَّقوا الكَذِبَ الصَّغير مِنْهُ والكَبِير فِي كُلِّ جِدٍّ وَهَزلٍ، فإنَّ الرَّجُلَ إذَا كَذِبَ في الصَّغِيرِ اجْتَرأ عَلَى الكَبِيرِ.

دروس نتلقاها!

والكذب صفة أو سلوك مكتسب، وليس صفة فطرية أو موروثة.

فكما نتعلَّم الصدق ونعتاد عليه ونمارسه في محيطنا... كذلك الكذب.

أكاذيب الأطفال

من هنا نرى أنَّ ما هو شائع عند الطفل من هذه الصفة القبيحة، إنَّما هو عادة اكتسبها من محيطه، وغذاها محيطه أيضاً أو شجع عليها.

وقد يكون ذلك عن قصد... أو عن غير قصد.

وقد يكون تهاوناً واستخفافاً "كاستهضام" الكذبة من فم الطفل و"استلطافها" والتشجيع عليها!

ويُساعد على ذلك، ممارسة المقرَّبين، خاصة الأبوين، ولا ننسى دور الإعلام أيضاً في تعبيد هذا السبيل لتحقيق المآرب أو تخلُّصاً من عقاب ما.

وقلَّما يخلو في هذه الأيام فيلم أو مسلسل تلفزيوني من هذه الصفة المذمومة.

ويولد الطفل على الفطرة النقيَّة ثم يتعلَّم من بيئته الأمانة أو (الخيانة)، والصدق أو (الكذب).

أنواعه

ونستطيع ذكر أنواع شائعة للأكاذيب بين الأطفال، وأهمية تحديدها أو تصنيفها نابعة من ضرورة تشخيص الحالة المرضية لتحديد خطورتها النسبيَّة (نوعاً ما) ومن ثم العلاج.

والمصطلحات التي سوف تُذكر ليست "مُنْزلة"، إنَّما باتت متداولة، وتشير بدورها إلى طبيعة الحالة.

ومن أنواع الكذب لدى الأطفال:

1- الكذب الخيالي الآتي من تخيلاته في يقظته ممَّا يسمع أو يرى أو يدور حوله... أو رؤية أثناء نومه. وتكثر هذه الحالة فيمن هو دون 4 سنوات من العمر. ويحسب غالباً، أنَّ فعله هذا هو نوع من اللَّعب. أما موقفنا فهو: أن لا نبادله هذا النوع من "اللعب" ونشاركه من خلال التأييد والتشجيع وطلب تكرار "الواقعة" بين حين وآخر، وبتعبير آخر، أن لا يحس من نبرات صوتنا وردود فعلنا أنَّنا صدَّقناه. بل نوحي له أنَّ قصته طرفة مسلِّية، لكنَّها غير حقيقية... فلا نقف عندها ولا نُكرِّرها. وهذه الحالة غالباً ما تزول مع التوجيه والإحاطة ونقاوة البيئة.

2- الكذب المزجي بين الخيال والحقيقة، وهو قريب من الصنف الأوَّل، لكنَّه يمزج معه بعض الحقائق والوقائع التي عايشها! نحن هنا بحاجة إلى رعاية وحرص، والتأكيد على المراقبة وعدم الإهمال... ثم التوجيه ولو بطريقة غير مباشرة.

3- الكذب الادِّعائي كالحديث عن المقتنيات والألعاب والثياب الفريدة التي يمتلكها... وقد لا تكون موجودة عنده أصلاً! وكذلك الحديث عن قوَّته و"مغامراته" وبطولاته... وبطولات أبيه! والهدف من ذلك لفت النظر والإعجاب عند سامعيه... والطريف أنَّ هذه الحالة نراها في محيطنا "الكبير" أيضاً، بل نرى بعض المسؤولين في بعض المواقع لا يكفُّون عن الادِّعاءات والمبالغات! فكيف لا ينسحب ذلك على الصغار؟! فبعض ممارسات الأهل قد تُؤدِّي إلى ذلك، خاصة في مجتمع المظاهر والتنافس والفهم الخاطىء... تماماً، كالمجتمع الذي نعيش فيه اليوم في محيطنا! وهذا النوع من الكذب ينبغي التوجه "المباشر" لمعالجته لأنَّه ينمو ويُصبح عادة وجزءاً من الشخصية.

4- الكذب التملُّكي والذي تكون خلفيَّته الوصول لشيء ما، لا يُمكن الوصول إليه إلاَّ بهذه الطريقة.

5- الكذب الانتقامي، ودافعه الغيرة، ويحدث هذا عندما لا يكون هناك اطمئنان أو راحة نفسية. وهذا تجب معالجته فوراً ومباشرة.

6- الكذب للتقليد للكبار، كأن يكون هذا عادياً بينهم! ويضاف عليه الكذب على الطفل نفسه بأن يُراد أخذه إلى الطبيب مثلاً، فيُقال له إنَّه ذاهب للحديقة، والصحيح الكلام معه بوضوح وصراحة.

7- الكذب العنادي، الذي له لذَّة خاصة في خرق المحظور لمجرد تسجيل موقف أو "انتصار"... فكل محجوب مرغوب، وكل ممنوع يُسعى إليه! وأمثلة ذلك بالعشرات في حياتنا اليومية، حيث تزداد الرغبة بالشيء عندما يُمنع، وتُلفت الأنظار إليه عندما يُحجب. فإذا أردنا الترويج لشيء أكَّدنا على منعه! فقد يُمنع الطفل من أمرٍ ما، فيُقدم عليه ليس رغبة، بل تحدياً وعناداً... وفكاً للحصار! وغالباً ما يحدث ذلك في بيئة يسودها التحدي والقسوة، مع أنَّ التربية عموماً بحاجة لحنان وصبر واستيعاب وتسامح. إنَّ خرق القانون والقواعد أمر مُحبَّب عند البعض وله متعته الخاصة!

8- الكذب المرضي، وهو أشد وأخطر الأنواع، حيث يُصبح جزءاً من الشخصية و"النشاط" اليومي... بل يشعر بالفراغ في غيابه! وهذا من أشد الأمراض المسلكية المُعاشة. وإهمال الأنواع المتقدمة يُؤدِّي إلى الذي نحن بصدده، لنُصبح أمام مشكلة "نوعية" لها تأثيراتها المتشعّبة اجتماعياً، وهي التي تُقصد ارتكازاً وبالبداهة عندما يُطلق عنوان "الكذب".

العلاج

هناك قواعد عامة لمعالجة مثل هذه الحالات، مع الإشارة إلى "وجوب" التعاون أفراداً وجماعات ومؤسـسات وإعلاماً.

عن رسول الله في الحديث الشريف: "أنَّ الكذب لا يصلح منه جدٌ ولا هزل، ولا أن يعد الرجل ابنه ثم لا ينجز له، إنَّ الصدق يهدي إلى البر وإنَّ البر يهدي إلى الجنَّة".

وعن مولانا أمير المؤمنين: لا يصلح من الكذب جد ولا هزل ولا يعد أحدكم صبيّه ثم لا يفي له، إنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النَّار وما يزال أحدكم يكذب حتى يُقال كذب وفجر وما يزال أحدكم يكذب حتى لا يبقى في قلبه موضع إبرة صدق فيُسمَّى عند الله كذاباً.

والخطوة الأولى: وقبل أية مبادرة، هي تشخيص الحالة ومن أيِّ نوع هي، وما هو الدافع، وهل تتكرَّر؟

والخطوة الثانية: تنظيف المحيط قدر الإمكان، بداهة تعذُّر الوقاية من وباء في مكان انتاجه ونموِّه وتصديره!

والخطوة الثالثة: تجنُّب الضحك والإعجاب وطلب الإعادة من الطفل عند اقترافه الكذب... ولو كان أداؤه "مهضوماً". فكثيرة هي الأُمور الجاذبة في شخصية الطفل، لأنَّه طفل، بما في ذلك الشواذ والمنكر من الألفاظ والحركات والإشارات والتصرفات! فهل نضحك له... ونُشجِّعه! كذلك عدم نقل كذبه للآخرين ليُعجبوا به! رُوي عن مولانا رسول الله: "ويل للذي يُحدِّث فيكذب ليُضحك به القوم، ويل له ويل له".

والخطوة الرابعة: في عدم المسارعة إلى التهديد والوعيد... فهذه، وإنْ كانت خيارات شرعية تربوية واردة، لكنَّها ليست من الخيارات الأولى.

والخطوة الخامسة: إذا كانت الكذبة واضحة وجليَّة... لا يجوز السكوت عنها، ولو بأدنى درجات التأنيب والاستنكار. ولا يجوز الإقدام على أية خطوة "اتهامية" مهما كان الشك قوياً، أو الظن راجحاً. فقط إذا كانت "واضحة فاضحة". فكثرة التهمة، تُهوِّن الأمر.

والخطوة السادسة: في أن لا ننسى دوماً احترام الطفل والثقة به ما دام يستحق ذلك، حتى لا تزر وازرة وِزْر أُخرى.

والخطوة السابعة: إنَّه في حال اعتراف الطفل، نُقدِّر له هذا الاعتراف، ولا نُعاقبه في الذي يجوز تجاوزه، وأما حقوق الناس فتبقى ثابتة، كما لو أتلف أو أهدر أو اعتدى.

والخطوة الثامنة: هي الفورية في العقاب (كما الفورية في الثواب لِمَن أحسن) وأن يكون العقاب متجانساً مع الفعل (كخيانة الأمانة أو الإتلاف أو قبح الكلام... بأن يُستبدل بالصحيح المقابل) فينطق بالكلام الصحيح مقابل نطقه بالكاذب، فلا يُكتفى بـ "عفواً" فقط.

والخطوة التاسعة: في عدم تعميم العقاب على كلِّ الحالات، فكلّ حالة لها عقابها وخصوصيتها.

والخطوة العاشرة: الإكثار من القصص الواقعية المفيدة لكي يمتثل بها ويحتذيها، والبُعد عن القصص الخيالية والخرافية واللاواقعية. فالأفلام التي هي من هذا الصنف تُنْشىء أجيالاً مشوَّهي الشخصية... ومن ذلك أفلام الرعب والخيال العلمي.

والخطوة الحادية عشرة: في عدم تبرير الكذب والغش واختلاق الأعذار (بعض المدارس تعرض أعمالاً لتلامذتهم هي ليست لهم!!!).

والخطوة الثانية عشرة: في تفهُّم المدرِّس للطفل، فلا يُحمِّله فوق طاقته وبلحاظ تكاليف المدرِّسين الآخرين... ممَّا يدفع التلميذ للكذب أو الغش تبريراً لتقصيره.

وختاماً

إنَّ نشأة الطفل في بيئة تُثمِّن الصِّدق قولاً وعملاً، آباء ومدرِّسين... هي الكفيلة بمعالجة أكثر ما نحن فيه.

فالأب والأُمّ لهما التأثير الأول على الطفل في مرحلة ما.

ثم المدرِّسون لهم دور أوَّل أيضاً في مرحلة طفولية لاحقة.

ورد عن رسول الله: "من قال لصبي ها تعال أعطك ثم لم يعطه فهي كذبة".

وعن عبد الله بن عامر قال: دعتني أُمِّي يوماً ورسول الله جالس في بيتنا قال ها تعالَ أعطك، فقال رسول الله: "وما أردت أن تعطيه؟" قالت: أعطيه تمراً، فقال لها رسول الله: "أما أنَّك لو لم تعطه لكتبت عليك كذبة".


* سماحة السيد سامي خضرة.

25-10-2013 عدد القراءات 6017



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا