20 كانون الثاني 2021 م الموافق لـ 06 جمادى الثانية 1442 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: الحج

أعمال تـُرجِـع الإنسان كما ولدته أُمـُّه



مطهِّرات القلوب

وفي مسار التوبة إلى الله يتقدّم الأطبّاء الكرام محمّد وآلُه عليهم السلام ليعرضوا على من سوَّد قلبه بالذنوب أعمالاً توجب رجوع قلب الإنسان طاهراً نقيّاً كيوم ولدته أُمُّه.

ونتعرّض هَهنا لبعض الأعمال ضمن ثلاثة محاور:
أ ـ أعمال ترتبط بعلاقة الإنسان بالمؤمنين.
ب ـ أعمال ترتبط بعلاقته بأهل البيت عليهم السلام.
ج ـ أعمال ترتبط بعلاقته بالله تعالى.


ولنبدأ بالأوّل:

أ ـ مع المؤمنين

هناك جملة من الأعمال التي يُحبّها الله تعالى ترتبط بعلاقة الإنسان بالمؤمنين وَرَد أنَّها تُخرج من الذنوب، وتُرجع القلب نقيّاً، ومن هذه الأعمال:

1 ـ السعي في حاجة مريض
فعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "من سعى لمريض في حاجة قضاها أو لم يقضها خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه"1.
 
2 ـ التصافح

فعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "ما تصافح أخوانِ في الله عزَّ وجلَّ إلاّ تناثرت ذنوبُهما حتى يعودا كيوم ولدتهما أمُّهما"2.

3 ـ تغسيل الموتى

فعن الإمام الباقر عليه السلام:3"كان في ما ناجى به موسى ربّه قال: يا ربّ، ما لمن غسَّل الموتى، فقال: أغسلُه من ذنوبه كما ولدته أُمّه"

4 ـ تشييع الموتى
فعن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: "من شيَّع جنازة وليٍّ من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدَتْه أمّه لا ذنب له"4.

ب ـ مع أهل البيت عليهم السلام

وفي علاقة المؤمن بأهل البيت عليهم السلام ما يُخرجه من ذنوبه، ويُرجعه كيوم ولدته أمّه، وليس عزيزاً على الله تعالى أن يُكرم أهل بيته عليه السلام بهذا العطاء وهم قد أعطوا كلّ ما عندهم لله تعالى. وإليك بعضَ أمثلة هذه العلاقة:

1 ـ الصلاة على محمّد وآله
فعن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "من قال: اللَّهمَّ صلِّ على محمّد وآل محمّد أعطاه الله أجر اثنين وسبعين شهيداً، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه"5.
وقد ورد أنّه قيل للإمام الصادق عليه السلام: كيف نصلّي على محمّد وآله؟ قال: تقولون: "صلواتُ الله، وصلواتُ ملائكتِه وأنبيائِه، ورُسلِه، وجميعِ خَلْقِه على محمّد وآل محمّد، والسلامُ عليه وعليهم ورحمةُ الله وبركاتُه".
فقيل: فما ثواب من صلّى على النبيّ وآله بهذه الصلاة؟ قال عليه السلام: "الخروجُ من الذنوبِ واللهِ، كهيئةِ يومِ ولدته أمّه"6.

2 ـ زيارة أهل البيت عليه السلام

فقد ورد أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال لحبيبه أمير المؤمنين عليه السلام: "يا عليّ... من زارَ قبورَكم عَدَلَ ذلك سبعين حِجّةً بعد حِجَّة الإسلام وخرج من ذنوبه حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أمّه"7.

وقد ورد عن حمران أنّه زار قبر الإمام الحسين عليه السلام فلمّا قدِمَ تشرَّف بلقاء الإمام الباقر عليه السلام فقال له: "أبشِرْ يا حمران، من زارَ شهداء آل محمّد يريد الله بذلك، وصِلَةَ نبيّه، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه"8.

وقد أكّدت الروايات على زيارة الإمامين الحسين والرضا عليهما السلام وأنّ زيارة أحدهما تُخرج من الإنسان من ذنوبه.

زيارة الحسين عليه السلام

فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن فضل إتيان قبر الحسين عليه السلام، فقال: "حدّثني أبي عن جدّي إنّه كان يقول: من زاره يريد به وجه الله أخرجه من ذنوبه كمولود ولدته أمّه"9.

زيارة الرضا عليه السلام

وعن أبي الصّلْت الهروي: كنت عند الرضا عليه السلام فدخل عليه قوم من أهل قُمّ، فسلموا عليه، فردَّ عليهم وقرَّبهم، ثمّ قال: "مرحباً بكم وأهلاً، فأنتم شيعتنا حقّاً، فسيأتي عليكم يوم تزورون فيه تربتي بطوس، ألا فمن زارني وهو على غُسْل خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه"10.

ج ـ مع الله تعالى

ما تقدّم من علاقة المؤمن بالمؤمنين ثمّ بأهل البيت عليهم السلام هو علاقة بالله تعالى، ولكنّنا أفردنا هذا العنوان لنورد عبادات خاصّة لها ميزة إرجاع الإنسان كيوم ولدته أمّه. وهنا لا بدّ أن نلفت إلى أنّ ما نذكرُه من الأعمال المطهِّرة للقلوب كلُّه مؤخَّر عن عمل جليل يتقدّم على كلّ الأعمال، ألا وهو القتل في سبيل الله تعالى، ففوق كل ذي بِرٍّ بَرّ حتى يُقتل المرء في سبيل الله فليس فوقه بَرّ.

وقد أكَّدت نصوص أهل العصمة عليهم السلام أنّ الشهادة تغسِّل الإنسان من كلّ ذنوبه إلاّ دَيْنَ الناس، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "يُغفَر للشهيد كلّ ذنب إلاّ الدَّيْن".

وعن الإمام الباقر عليه السلام: "كلّ ذنب يكفِّره القتلُ في سبيل الله إلاّ الدَّيْن فإنّه لا كفّارةَ له إلاّ أداؤه، أو يقضي صاحبُه ويعفو الذي له الحقّ"11.

وبعد هذا العمل نذكر أعمالاً يقوم بها الإنسان في علاقته بربِّ العالمين تُرجعه كيوم ولدته أمّه:

1 ـ الصلاة
فعن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا قام العبد إلى الصلاة فكان هواه وقلبه إلى الله تعالى، انصرف كيوم ولدته أُمّه"12.

وقد ورد أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال لأمير المؤمنين عليه السلام: "يا علي والذي بعثني بالحقّ بشيراً ونذيراً أنّ أحدكم لَيقومُ إلى وضوئه فتساقطُ عن جوارحه الذنوب، فإذا استقبل اللهَ بوجهه وقلبه لم ينفتل عن صلاته وعليه من ذنوبه شيء كما ولدته أمُّه.. يا عليّ، منزلة الصلوات الخمس كنهر جار على باب أحدكم، فما ظنُّ أحدكم لو كان في جسده دَرَنٌ ثمّ اغتسل في ذلك النهر خمس مرّات في اليوم، أكان يبقى في جسده درن؟! فكذلك والله الصلوات الخمس لأمّتي"13.

وأكّد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هذا المعنى في حادثة رواها سلمان رضي الله عنه إذ قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ظلّ شجرة فأخذ غصناً فنفضه فتساقط ورقه فقال: ألا تسألونني عما صنعت؟ قلنا: أخبرنا يا رسول الله. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ العبد المسلم إذا قام إلى الصلاة تَحاتَّتْ عنه خطاياه كما ورق هذه الشجرة"14.

إذاً الصلاة تطهِّر قلب المؤمن من الذنب، لكن بشرطين:

الشرط الأوّل:

حدّده أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: "من أتى الصلاة عارفاً بحقّها غُفِر له"15 ومن معرفة حقّ الصلاة أنّها:

أ ـ أساس الدين: فعن الإمام الباقر عليه السلام: "الصلاة عمود الدين، مَثَلُها كمَثَل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود ثبتت الأوتاد والأطناب، وإذا مال العمود لم يثبت وَتِدٌ ولا طُنْب"16.
ب ـ رأس الإسلام: فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "ليكن أكثر همّك الصلاة، فإنّها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدين"17.
ج ـ وجه الدين:
فعن الصادق عليه السلام: "لكلّ شيء وجه، ووجه دينكم الصلاة"18.
د ـ أفضل الأعمال: فقد ورد أنّ أحدهم قال للإمام الصادق عليه السلام: أيّ الأعمال هو أفضل بعد المعرفة؟ فقال عليه السلام: "ما من شيء بعد المعرفة يَعْدِل هذه الصلاة"19.
هـ ـ أَحَبُّ الأعمال: فعن الصادق عليه السلام: أَحَبُّ الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ الصلاة، وهي آخر وصايا الأنبياء20.

الشرط الثاني:

هو ما مرَّ بعنوان "كان هواه وقلبه إلى الله" و"استقبل الله بوجهه وقلبه"21.

وقد جعل الإمام الخميني قدس سره هذا الشرط من مقدِّمات الصلاة، فقال في تحرير الوسيلة: "ينبغي للمصلّي إحضارُ قلبه في تمامِ الصلاة أقوالِها وأفعالِها، فإنّه لا يُحسَب للعبد من صلاته إلاّ ما أَقبَل عليه، ومعناه الالتفات التامّ إليها، وإلى ما يقول فيها، والتوجّه الكامل نحو حضرة المعبود جلّ جلاله، واستشعار عظمته وجلال هيبته، وتفريغ قلبه عمَّا عداه، فيرى نفسه ممتثلاً بين يدي ملك الملوك عظيم العظماء مخاطباً له مناجياً إيّاه، فإذا استشعر ذلك وقع في قلبه هيبتُه فيهابه، ثمّ يرى نفسه مقصِّراً في أداء حقِّه فيخافه، ثمّ يلاحظ سَعة رحمته فيرجو ثوابه، فيحصل له حالةٌ بين الخوف والرجاء، وهذه صفة الكاملين"22.

2 ـ الصوم

الصوم هو من الأعمال التي تُطهِّر القلوب من الذنوب وتُرجع الإنسان كيوم ولدته أمّه. إلاّ أنّ للصوم شروطاً لتحقيق ذلك كما أنّ له أوقاتاً أحبَّها الله وجعلها محلّاً للتطهير، والبدء بأيام رجب.

صوم رجب

فعن الإمام الرضا عليه السلام: "من صام رجب كلّه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه وأُعتق من النار ودخل الجنّة مع المصطفين الأخيار"23.

وصل شعبان برمضان

فعن الإمام الرضا عليه السلام: "من صام ثلاثة أيام من آخر شعبان وَصَلها بصيام شهر رمضان إيماناً واحتساباً خرج من الذنوب كيوم ولدته أمّه"24.
 
صوم رمضان

فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "شهر رمضان شهر فَرض الله عليكم صيامه، فمن صامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه"25.
وقد بيَّن الإمام الباقر عليه السلام الشروط التي لا بدَّ من تحقيقها ليحقّق الصوم هذه الغاية الكبرى، وذلك حينما قال لصاحبه جابر: "يا جابر، من دخل عليه شهر رمضان فصام نهاره، وقام وِرْداً من ليلته، وحفظ فرجه ولسانه، وغضَّ بصره، وكفَّ أذاه خرج من الذنوب كيوم ولدته أمّه".

فقال جابر: جُعلت فداك، ما أحسن هذا الحديث!
فأجاب الإمام عليه السلام: "ما أشدَّ هذا من شرط!"26.

فإذا لم يتوفَّق الإنسان لمغفرة الله تعالى في شهر رمضان فإنه لا يُغفر له إلى أن يأتي شهر رمضان اللّاحق، اللَّهمَّ إلاّ إذا حقّق أمراً جليلاً عبَّر عنه الصادق عليه السلام بقوله: "من لم يُغفر له في شهر رمضان ما يُغفَر له إلى قابل إلاّ أن يشهد عرفة"27.

بل "من الذنوب ذنوب لا تُغفر إلاّ بعرفات".
وهذا ما يُدخلنا في العمل الثالث في علاقة الإنسان بالله وهو "الحجّ". ولأهميّة هذا العمل ولحساسيته في إرجاع الإنسان كيوم ولدته أمّه نتوسَّع في الموضوع في الصفحات اللَّاحقة لنبيِّن أثر هذا السَّفَر الإلهيّ في تطهير قلب الإنسان ورقيّه في مدارج الكمال الإلهي، فهلمَّ بنا نتعرَّف على جانب من أسرار الحجّ الذي ورد فيه بحقّ أنّه يُرجع الإنسان كيوم ولدته أمّه.

* كتاب كيف ترجع كما ولدتك أمك؟، سماحة الشيخ أكرم بركات.


1- المجلسي، بحار الأنوار، ج76، ص335.
2- المصدر السابق، ج74، ص307.
3- المصدر السابق، ج81، ص298.
4- المصدر السابق، ج49، ص98.
5- المصدر السابق، ج94، ص64.
6- المصدر السابق، ج94، ص55.
7- المجلسي، بحار الأنوار، ج100، ص121.
8- المصدر السابق، ج101، ص20.
9- المصدر السابق، ج101، ص19.
10- المصدر السابق، ج60، ص231.
11- الري شهري، ميزان الحكمة، ص8192.
12- المصدر السابق، ص373.
13- الري شهري، ميزان الحكمة، ص372.
14- المصدر السابق، ص371 ـ 372.
15- المصدر السابق، ص371.
16- المصدر السابق، ص369.
17- المصدر السابق، ص366.
18- المصدر نفسه.
19- المصدر السابق، ص369.
20- المصدر السابق، ص367.
21- المصدر السابق، ص371 ـ 372.
22- تحرير الوسيلة، ج1، ص140.
23- المجلسي، بحار الأنوار، ج97، ص42.
24- المصدر السابق، ج97، ص80.
25- المصدر السابق، ج96، ص375.
26- المصدر السابق، ج96، ص371.
27- المصدر السابق، ج96، ص375.

01-10-2014 عدد القراءات 10010



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا