19 كانون الثاني 2021 م الموافق لـ 05 جمادى الثانية 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: مآب المذنبين

آثار الذّنوب في الدُّنيا-1




المراحل الثلاث للعمل:

إنّ مخالفة الإرشادات الصحيّة التي يصفها الطّبيب، وعدم اعتماد العلاج المناسب يؤدّيان إلى ظهور آثار وعوارض على صحة الإنسان قد تودي بحياته. وكذا مخالفته للأوامر الربّانية وارتكابه للذّنوب فإنَّهما يؤدّيان إلى ظهور آثار وعوارض على صحّته النَّفسيّة.

ولتوضيح هذه الفكرة أكثر نقول: إنّ ارتباط الإنسان بأعماله السيِّئة أو الحسنة يمرُّ بمراحل ثلاث، هي*:

المرحلة الأولى: الحال

ونعني بها حصول حالة معينة لدى الإنسان بعد قيامه بعمل ما، لكن سرعان ما تزول هذه الحالة بزوال المؤثّر. من قبيل أن يسمع الإنسان موعظةً في المسجد، أو كلمةً حماسيَّةً، فتحصل لديه رغبة في الإنفاق أو الجهاد أو غير ذلك، ولكنّها سرعان ما تزول بمجرَّد خروجه من المسجد، ومرور فترةٍ زمنيّةٍ قصيرةٍ على الموعظة.

المرحلة الثّانية: الملكة

ونقصد بها اشتداد الحالة السَّابقة وقوّتها في نفس الإنسان بحيث يتعسَّر زوالها، كملكة الشَّجاعة في الشُّجاع، وملكة العدالة في العادل. وإذا تزلزلت هذه الملكات فإنّها سرعان ما تعود.

المرحلة الثالثة: الاتّحاد

وهي المرحلة التي تكون فيها الملكة جزءاً من وجود الإنسان بحيث لا يمكن زوالها منه، وهي أول درجات العصمة، ولذا لا يمكن تصوُّر صدور المعصية من المعصوم؛ لأنّ ملكة العدالة قد اشتدّت فيه حتَّى صارت جزءاً من وجوده المبارك.

فارتباط الإنسان بعمله يمرّ بهذه المراحل الثلاث، والإنسان في أيّ مرحلة كان، فإنّ لعمله ظاهرٌ وباطنٌ، فأكل مال اليتيم قد يبدو في ظاهره مصدرَ نفْعٍ لمرتكبه، ولكنّه في باطنه "نارٌ"، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا1 ، وإذا افترضنا أنّ هذا الجزاء صار جزءاً من وجود الإنسان فسيكون هو قطعةُ نارٍ وسيدخل النّار خالداً فيها.

فذنوب الإنسان حينما تكون "حالاً" قد يكفي في عقابه ضغطة القبر أو عذاب البرزخ، فيَطْهُر من تبعات ذنوبه ليأتي يوم القيامة وهو طاهرٌ، أمّا إذا اشتدَّت هذه الحالة وتحوَّلت إلى "ملكة" فقد لا تكفي ضغطة القبر ولا عذابات البرزخ كلُّها لتطهيره، بل لا بدَّ من أن يدخل النّار يوم القيامة لكي يَطَّهر بها إن كان موحِّداً. وهكذا بمقدار اشتداد الملكات الطالحة فينا وتراكم الأعمال السيّئة، يتحدّد مقدار عذابنا من حيث الشدّة وطول المدّة.


آثار الذنوب العامّة:

إنّ لكلّ ذنبٍ من الذُّنوب آثاراً، ولكن تارةً نتحدَّثُ عن الآثار التي وضعتها وحدَّدتها الشَّريعة المقدَّسة، كمن يشرب الخمر فإنه يجلد، والسارق تقطع يده، وهكذا، وهذا ما يتحدّث عنه الفقهاء، ونجده في الرسائل العملية، ونطلق عليه اسم الآثار الشرعيّة، والتي ليست مورد بحثنا.

وأخرى نتحدّث عن الآثار الوضعيَّة التكوينيَّة، وهي المقصودة في هذا البحث.

ومن خلال ما تقدّم نستنتج الآتي:

1. إنّ آثار الذّنوب تحصل بمجرد ارتكابها؛ لأنّ الجزاء هو باطن العمل.
2. إنَّ تخلُّص الإنسان من آثار الذنوب وتبعاتها مرتبطٌ بنوعيَّة علاقته بذنبه كونها "حالاً، ملكةً، أو اتحاداً".
3. إنّ الذّنوب تؤثِّر على باطن الإنسان وقلبه.
4. إنّ طبيعة آثار الذّنوب تختلف من عالَم إلى عالَم، فعندما نقول إنّ الذَّنب الفلاني له أثر، فلا بدّ من تحديد طبيعة العالَم الذي نتحدّث عنه، فمن آثار الذّنوب في الدُّنيا مثلاً حرمان العلم أو الرِّزق وغيرها من الأمور التي تتناسب مع طبيعة عالم الدُّنيا، أمّا آثار الذّنوب في عالم البرزخ فإنّها تتناسب مع طبيعة ذلك العالم، كوحشة القبر وظلمته والمساءلة فيه الخ. وأيضاً آثار الذّنوب في الآخرة تتناسب مع طبيعة عالم الآخرة، من غضب الله، والحسرة والندامة، والعمى يوم القيامة الخ.


وفيما يلي نشرع في بيان بعض الآثار الخطيرة للذنوب في الدُّنيا، وهي:

1- الفساد في الأرض:

قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون 2.

من آثار الذّنوب والمعاصي أنّها تُحْدِث في الأرض أنواعاً من الفساد في الماء والهواء والزّرع والثّمار وغير ذلك. فالآية الكريمة تدعو للاتّعاظ بما حلَّ بالأمم السَّابقة من المصائب التي ما كانت إلا بما كسبت أيديهم، من الفساد والذّنوب والآثام، فيوشك أن يحلّ بالمخاطبين مثل ما حلّ بأولئك.

روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "ما من سنة أقلّ مطراً من سنة، ولكنّ الله يضعه حيث يشاء. إنّ الله عزّ وجلّ إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدّر لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم، وإلى الفيافي والبحار والجبال، وإنّ الله ليعذّب الجُعَلَ في جحرها بحبس المطر عن الأرض التي هي بمحلّها خطايا من بحضرتها، وقد جعل3 الله لها السبيل في مسلك سوى محلّة أهل المعاصي. قال: ثمّ قال أبو جعفر عليه السلام: فاعتبروا يا أولي الأبصار"4.

ويعلّق العلامة الطباطبائي على الآية الكريمة ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر بالقول: "الحوادث الكونية تتبع الأعمال بعض التبعية، فجري النوع الإنساني على طاعة الله سبحانه وتعالى وسلوكه الطريق الذي يرتضيه يستتبع نزول الخيرات، وانفتاح أبواب البركات، وانحراف هذا النوع عن صراط العبودية وتماديه في الغيّ والضلالة وفساد النيّات وشناعة الأعمال يوجب ظهور الفساد في البر والبحر، وهلاك الأمم بفشو الظلم وارتفاع الأمن وبروز الحروب وسائر الشرور الراجعة إلى الإنسان وأعماله، وكذا ظهور المصائب والحوادث المبيدة الكونية كالسيل والزلزلة والصاعقة والطوفان وغير ذلك، فالأمّة الظالمة إذا انغمرت في الرذائل والسيئات أذاقها الله وبال أمرها، وآلَ ذلك إلى إهلاكها وإبادتها..."5.

2- نزول العذاب الإلهي:

يعتمد القرآن الكريم في طرقه وأساليبه التَّربوية المتعدِّدة طريقةَ ربط الماضي بالحاضر؛ لأنَّ الارتباط بين هذين الزَّمنين يوضِّح الحقائق التاريخيَّة، ويكشف عن مسؤولية الأجيال القادمة، ويوقفها على واجباتها تجاه خالقها اعتبارها بما حصل في الأمم السابقة، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ6 ، وهذا يعني أن لله في الأمم سنناً عامّة لا تختصّ بهم، إذ هي تجري على الحاضرين كما جرت على الماضين سواء بسواء، وهي سننٌ للتقدّم والبقاء، وسنن للتّدهور والاندحار، التقدّم للمؤمنين المجاهدين الواعين لقداسة عملهم وأهميّة جهادهم، والاندحار والتَّدهور للأمم الكافرة، والأمم البعيدة عن عزّ الجهاد المقدَّس، والغارقة في الذّنوب والآثام.

وقد ورد في القرآن الكريم آياتٌ تشيرُ بشكلٍ واضحٍ إلى وجود نوعٍ من الارتباط الوثيق بين الأعمال والذّنوب التي يقترفها الإنسان، وبين المصائب والابتلاءات التي تصيبه بسبب تلك الأعمال، قال الله تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْديكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثير 7، وقال تعالى في آية أخرى ﴿وَلا يَزالُ الَّذينَ كَفَرُوا تُصيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ 8 أَوْ تَحُلُّ قَريباً مِنْ دارِهِمْ حتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْميعاد9.

روي عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير هذه الآية، قال: "وهي النقمة، أو تحلّ قريباً من دارهم "فتحلّ بقوم غيرهم فيرون ذلك ويسمعون به، والذين حلّت بهم عصاة كفّار مثلهم، ولا يتّعظ بعضهم ببعض، ولا يزالون كذلك حتَّى يأتي وعد الله الذي وعد المؤمنين من النصر ويخزي الله الكافرين"10.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أنواعاً متعدِّدة من العذاب، نزلت على الأقوام السابقة والقرى؛ جرّاء تماديهم في الذّنوب والمعاصي، ممّا جعلهم يستحقون ألوان العذاب.

نعرض فيما يأتي نماذج من هذه الابتلاءات:

قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْرا 11.

وقال الله تعالى في وصف عذاب قوم نبي الله نوح عليه السلام: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً12.

وكذا حينما ذكر عذاب قوم سبأ بالسيل والطوفان فقال: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَ الْكَفُور 13.

ومنها أيضاً ما عذّب الله تعالى به قوم عاد لما كفروا بربّهم: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ14 ، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَرا15..."16.

وعذاب قوم صالح عليه السلام بالصيحة: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ17 ، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِر18.

ومنها الخسف أيضاً وهو الذهاب في الأرض. وهو العذاب الذي عذّب الله به قارون لما بغى وأفسد، قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِين 19.

وغيرها من أنواع العذاب الذي نزل على الأقوام السالفة بعد أن أعرضت عن الحقّ وعصت أمره.

3- حبط الأعمال في الدُّنيا:

قال الله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَ كَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ20.

من الآثار السَّلبيّة والخطيرة للذنوب أنها تحبط الأعمال في الدُّنيا. والحبط هو سقوط ثواب العمل الصالح بالمعصية المتأخّرة، والتكفير عكسه، أي سقوط الذّنوب المتقدّمة بالطاعة المتأخّرة. ومرجع هذه الفكرة هو معرفة مدى التأثير المتبادل بين الأعمال الحسنة والأعمال السيئة، فجميع الأعمال لها تأثير على بعضها، أي أنّ هناك تأثيرٌ وتأثُّرٌ وحبطٌ وتكفيرٌ بصورةٍ مستمرّةٍ.

إنّ رضا اللّه تعالى شرطٌ في قَبول الأعمال، بل وفي كلّ سعيٍ وجهد، وعليه من الطَّبيعي أن تُحبطَ أعمال أولئك الذين يُصرِّون على إغضاب اللّه عزّ وجلّ وإسخاطه، ويخالفون ما يرتضيه، ويودِّعون هذه الدُّنيا وهم خالو الوفاض، قد أثقلتهم أوزارهم وأرهقتهم ذنوبهم.

وقد ورد في القرآن الكريم ذنوباً متعدِّدة توجب حبط العمل، نذكر منها على سبيل المثال:

1. الارتداد عن الإسلام: إن الارتداد عن الإسلام يوجب حبط العمل، لأن المعيار الأساسي في قبول الأعمال هو الإسلام، وعندما يرتد الإنسان تسقط جميع أعماله من ميزان القبول، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنيا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ21.

2. الشرك المقارن بالعمل: من مصاديق الشرك بالله تعالى هو الشرك بالعمل، وهذا الشرك يؤدّي إلى أن يرتد العمل على صاحبه، ولا أجر لصاحبه إلا ممن عمل له ذلك العمل، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ 22، ﴿ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ 23.

3. كراهة ما أنزل الله: إن كراهية ما أنزل الله تعالى هو كراهية لدينه عزوجل، وهذه الكراهية طريق لترك الإنسان الالتزام بالأحكام الإلهية، وبالتالي وقوعه في شرك إبليس وأعوانه، ما يأخذ بيده إلى حبط أعماله عند الله عزوجل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ24.

4. الصدَّ عن سبيل الله: الصد عن سبيل الله صد عن دينه، وعن طريق الهدى والصلاح، ثم إن أعداء الله وأعداء رسله لا عمل لهم لكي يوضع في الموازين يوم القيامة، بل إن جميع أعمالهم لا قيمة لها يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى‏ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ25.

هذا بالإضافة إلى أن مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه واله ومشاقّته طريق لحبط الأعمال، لأن مخالفته هي مخالفة لله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ26.

5. الكفر: إن من أهم أسباب الحبط هو الكفر، والكافر الذي سلك سبيل الغي، وسبيل البعد عن الله سبحانه وتعالى، أعماله كالسراب الذي يراه السائر عن بعد فيحسبه ماء، فأعماله لا قيمة لها، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرين27.

6. الإقبال على الدُّنيا والإعراض عن الآخرة: إن التعلّق بالدنيا وإرادتها لذاتها يبعد الإنسان عن ساحة الطاعة الإلهية، وبعده عن تلك الساحة الإلهية هو بعده عن الأعمال المقرِّبة لله عزوجل، فتعلّقه بالدنيا هو بعد عن الله، وبعده عن الله ترك لأوامره، وهذا ما يؤدّي به إلى الانغماس بالمعصية والذنب حتى تحبط أعماله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ إِلاَ النّار وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ28.

7. إنكار الآخرة ولقاء الله: إن تكذيب آيات الله تعالى سبب لحبط الأعمال، لأنها إنكار لدين الله عزوجل، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون29.

8. النفاق: إن النفاق يحبط العمل، ويميث الإيمان من القلب، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرينَ30.


قساوة القلب:


قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً...31.

إنّ قسوة القلب وذهاب اللين والرحمة والخشوع مرض خطيرٌ جداً، قد ذم الله عليه بعض الأمم السابقة كبني إسرائيل، وإنّ صاحب القلب القاسي أبعد ما يكون عن الله تعالى، وصاحبه لا يميِّز بين الحقّ والباطل، ولا ينتفع بموعظة ولا يقبل نصيحة.

فالقلب إذا صَلُح استقام حال العبد، وصحَّت عبادته، وصار يعيش في سعادة وهناء، وذاق طعم الأنس ومحبة الله ومناجاته، ولكن إذا قسا القلب وأظلم، فسُد حال العبد، وخلت عبادته من الخشوع، وغلبت عليه مظاهر وآثار متعدِّدة، فتراه لا يخشع في صلاته وعبادته ولا يتأثّر بقراءة القرآن، ولا تنفعه المواعظ ولا يتأثَّر بها، ويحسّ بضيقٍ شديدٍ وفقرِ نَفْسٍ رهيب، حتَّى لو ملك الدُّنيا بأسرها.

رُوي عن رسول الله صلى الله عليه واله: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله يقسّي القلب، وإنّ أبعد النَّاس من الله القاسي القلب"32.

وعنه صلى الله عليه واله قال: "يا علي ثلاث يقسّين القلب: استماع اللهو، وطلب الصيد، وإتيان باب السلطان"33.

وروي عن الإمام الصَّادق عليه السلام: "ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة، إنّ القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتَّى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله"34.

إنّ تراكم المعاصي وظلمتها على قلب الإنسان يصيّره طبعاً له؛ لأنّ الذّنوب لها ظلمات إنْ تراكمت صارت ريناً، كما قال تعالى: ﴿كَلاَ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ35.

(ران): من (الرين) على وزن (عين)، وهو: الصدأ يعلو الشيء الجليل (كما يقول الراغب في مفرداته) ، ويقول عنه بعض أهل اللغة: إنه قشرة حمراء تتكون على سطح الحديد عند ملامسته لرطوبة الهواء، وهي علامة لتلفه، وضياع بريقه وحسن ظاهره. وقيل: ران عليه: غلب عليه، ورين به: وقع في ما لا يستطيع الخروج منه ولا طاقة له به 36.

وإذا صارت هكذا طُبع على قلب الإنسان، وهذا ما قد يُعبّر عنه بالقلب الأسود أو المنكوس وغير ذلك. إذ يصبح هذا القلب قابلاً لكلّ أنواع الضلالة والانحراف؛ فلو فرضنا أنّ فيه نوراً ما، فإنّ ارتكابه الذّنوب ينزع من قلبه النّور، ولا يعود قابلاً لتلقِّي الحقّ أبداً، بل يخرج منه ما كان فيه من الحقّ فيصبحُ خالياً قابلاً لكلِّ ضلالةٍ وانحراف؛ لأنَّها من سنخه المظلم.

ولذا ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "إذا أذنب الرجل خرج من قلبه نكتة 37 سوداء، فإن تاب انمحت، وإن زاد زادت حتَّى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً" 38.

وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "ما جفّت الدموع إلا لقسوة القلوب، وما قسّت القلوب إلا لكثرة الذّنوب" 39.

* مآب المذنبين، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية. 


1- النساء، 10.
2- الروم، 41.
3- الجعل، هي الحرباء.
4- أصول الكافي، ج2، ص272.
5 - راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص181.
6 - آل عمران، 137.
7 - الشورى، 30.
8 - القارعة، الداهية المهلكة، وهي النازلة التي تزعج النِّعمة.
9 - الرعد، 31.
10 - تفسير نور الثقلين، ج2، ص507.
11 - الطلاق، 8.
12- الفرقان، 37.
13- سبأ، 16-17.
14- الحاقة، 6.
15- الريح الصرصر: الشديدة الصوت والبرد أو العاتية شديدة العصف.
16- فصلت، 16.
17 - هود، 67.
18 - القمر، 31.
19 - القصص، 81.
20 - محمد، 28.
21 - البقرة، 217.
22 - الزمر، 65.
23- الأنعام، 88.
24- محمد، 8-9.
25- محمد، 32.
26 - محمد، 32.
27 - المائدة، 5.
28 - هود، 15- 16.
29- الأعراف، 147.
30- المائدة، 53.
31- البقرة، 74.
32- بحار الأنوار، ج90، ص164.
33- مستدرك سفينة البحار، ج8، ص527.
34 - أصول الكافي، ج2، ص268.
35 - المطففين، 14.
36 - الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج20، ص27.
37 - النكتة، النقطة، وكل نقطة في شيء بخلاف لونه فهي نكتة.
38- أصول الكافي، ج2، ص271.
39- وسائل الشيعة، ج16، ص45. 

10-08-2015 عدد القراءات 2029



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا