17 كانون الثاني 2021 م الموافق لـ 03 جمادى الثانية 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: مآب المذنبين

آثار الذّنوب في الدُّنيا-2



في سياق ذكر الآثار العامَّة للذُّنوب في الحياة الدُّني، نكمل في هذا الدَّرس ذكر بعض الآثار المترتِّبة على اقتراف الذّنوب والمعاصي، فنذكر منها:

زوال النِّعمة: "النِّعمة: هي الحال الحسن والعيش الرَّغيد، ونعمة العيش حسنه ونضارته، وزوالها عقوبة إلهية لمن لا يشكر الله على النِّعمة والعطاء، وارتكاب الذّنوب بشكلٍ عام يؤدِّي إلى زوال هذه النِّعمة، وإن كان هناك ذنوبٌ خاصَّة توجب تغيير النِّعمة مثل البغي على النَّاس، وترك اصطناع المعروف وكفران النِّعم وترك الشّكر"1، وهو ما أشار إليه الإمام علي عليه السلام في دعاء كميل: "اللّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَهْتِكُ العِصَمَ، اللّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اللّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُغَيِّرُ النِّعَمَ"2.

فالله تعالى بمقتضى عدله المطلق وقصده في حكمه لا يغيِّر نعمةً أنعمها على أحدٍ ولا يسلبها أحداً إلا بسبب ذنبٍ ارتكبه، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ3.

قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ4.

روي عن الإمام علي عليه السلام: "ما زالت نعمةٌ ولا نضارةُ عيشٍ إلا بذنوب اجترحو، إنّ الله ليس بظلامٍ للعبيد، ولو أنّهم استقبلوا ذلك بالدّعاء والإنابة لم تزل" 5.

روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً فسلبها إياه حتَّى يذنب ذنباً يستحقّ السَّلب" 6.

وقد ورد في بعض الرّوايات أنّ بعض الذّنوب قد توجب حبس المطر، ومن هنا تحدّث الفقهاء عن استحباب صلاة الاستسقاء، ومن ضمن آدابها ومستحبَّاتها خروج النَّاس كافَّةً إلى الصَّلاة.

فقد ورد أنّ النبي سليمان عليه السلام خرج ليستسقي، فرأى نملةً قد استلقت على ظهره، وهي تقول: "اللهم إنّا خلقٌ من خلقك، لا غنى لنا عن رزقك، فلا تهلكنا بذنوب بني آدم"، فقال لها سليمان عليه السلام: "ارجعوا؛ فقد سقيتم بغيركم"7.

وروي عن الإمام علي عليه السلام:"ما أنعم الله على عبد نعمة فظلم فيها إلا كان حقيقاً أن يزيلها عنه"8.


الحرمان من الرِّزق:


كما إنّ الطاعة مجلبةٌ للرزق، فإنّ الذنوب والمعاصي تمنع الرزق وتحبسه، وإذا بسط الله تعالى الرِّزق لمن عصوه فقط، فإن ذلك من باب الإمهال والاستدراج، إذ يقول تعالى: ﴿;وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلي‏ لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلي‏ لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهينٌ 9.

على أنّه هناك فرقٌ كبيرٌ بين الرِّزق للمؤمن والرِّزق لغير المؤمن؛ لأنّ العبرة في البركة لا في الكثرة، فالمتأمِّل في حياة النَّاس يجدُ السَّعادة مع البركة وإن كان الرِّزقُ يسير، والشَّقاء هو مَحْقُ البركة وإن بلغ في الغنى ما بلغ، وعليه فإنّ الذّنوب قد تؤدّي إلى حرمان الرِّزق.


وينبغي الالتفات إلى:

أنّ المقصود من الرِّزق المفهوم العام الذي يشمل الرِّزق المادّي والمعنوي، فقد يُحرَمُ الإنسان بسبب ذنوبه الرِّزق المادّي، وقد يُحرم الرِّزق المعنويّ الذي هو في كثيرٍ من الأحيان أهمّ من الرِّزق المادّي، بل هو أساس وجوده، كالحفظ، والأمن، والتَّسديد الإلهيّ، وغير ذلك.

روي عن الإمام الصادق عليه السلام: ";إنّ المؤمن ليأتي الذَّنب فيحرم به الرِّزق"10. وروي عن الإمام الباقر عليه السلام: "إنّ العبد ليذنب الذَّنب فَيُزْوَى عنه الرِّزق"11.

وقد يكون انزواء الرِّزق أو تقتيره من باب العقوبة أو تكفير الذَّنب؛ لأنّ الحكمة الإلهية اقتضت تطهير المذنب بالمصائب والبلاي، وصرف الرِّزق من أعظم المصائب.


نسيان العلم:

إنّ نسيان العلم لعلّه من أصعب العقوبات التي تصيب أرباب العلم؛ لأنّ العلم -كما تعبّر بعض الروايات- هو نورٌ يقذفه الله في القلوب العامرة بطاعته، المنيبة إليه، والمعصية ظلمةٌ، ولا تنسجم الظّلمة مع النّور. فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه واله: ";اتّقوا الذّنوب؛ فإنّها ممحقة للخيرات، إنّ العبد ليذنب الذَّنب فينسى به العلم الذي كان قد علمه" 12.

وعن الإمام الصَّادق عليه السلام: "ليس العلم بالتعلّم، إنّما هو نورٌ يقع في قلب من يريد الله تبارك وتعالى أن يهديه"13.

فالعلم على حدّ تعبير الإمام عليه السلام نورٌ يقذفه الله تعالى أو يقع في القلب، والمعصية ظلامٌ يطفئ ذلك النّور، فإذا أكرم الله تعالى العبدَ بنور العلم، فينبغي عليه أن لا يطفئه بظلمة المعصية.


نقصان العمر:

وقد تحدّثت بعض الرّوايات عمّا يوجب زيادة العمر والرِّزق ونقصانهما وعدم البركة فيهم، كبرِّ الوالدين وعقوقهم، وصلة الرحم وقطيعته، روي عن الإمام الصّادق عليه السلام: "من يموت بالذّنوب أكثر ممن يموت بالآجال، ومن يعيش بالإحسان أكثر ممن يعيش بالأعمار"14.

فالله تعالى إذا أنعم على مجتمع أو فرد نعمة زيادة العمر، فذلك من أجل التكامل المعنوي والاستفادة من نعمة الحياة. فالحياة على قسمين: حياة الأبدان، وحياة القلوب، وعمر الإنسان الحقيقي ليس إلا أوقات طاعته وارتباطه بالله تعالى، وبالتقوى تزيد هذه الساعات التي هي عمره الأصلي، وإذا أعرض عن الله واشتغل بمعاصيه ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية، فالمعاصي تؤثّر على حياة الأبدان كما تؤثّر على حياة القلوب.


موت الفجأة:


من آثار الذّنوب أيضاً "موت الفجأة"، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله: ";إذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة..."15، وعنه صلى الله عليه واله: "إنّ موت الفجأة تخفيفٌ عن المؤمن، وأخذة أسف 16 عن الكافر" 17. إنّ الذّنوب بشكلٍ عام ممحقةٌ لبركة العمر، وبركة الرِّزق، وبركة العمل، فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله، وما مُحقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق، وترك المعاصي والذّنوب سببٌ من أسباب نزول البركات.


عدم استجابة الدُّعاء:


فقد ورد في دعاء كميل: ";اللّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَحْبِسُ الدُّعاءَ. اللّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الّذنُوبَ الّتي تُنْزِلُ البَلاَء"18.

إنّ الذّنوب مانعةٌ من استجابة الدُّعاء، كما في الحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السلام حيث قال: "إنّ العبد يسأل الله الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب أو إلى وقت بطيء، فيذنب العبد ذنب، فيقول الله تبارك وتعالى للمَلَك: لا تقضي حاجته واحرمه إيّاها؛ فإنّه تعرّض لسخطي واستوجب الحرمان مني" 19.

"هذا يعني أنَّ للذّنوب والأعمال الخارجة عن طور الشَّريعة تأثيراً في سلب الرَّحمة؛ وذلك لأنّ الفيض الإلهي لا بُخْلَ ولا مَنْعَ من قِبَلِه، وإنّما ذلك بحسب عدم الاستعداد، وظاهر أنّ المذنب معرضٌ عنه غير معترض لرحمته، بل مستعد لضدّ ذلك أعني سخطه وعذابه، فاستحقّ بذلك أن لا ينال رحمته ويُحرم من الإجابة"20.

ويحتمل أن يكون كلّ ذنب بنفسه مانعاً لقبول الدعاء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون21، وروي في نزول الآية أنّ أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه واله: أقريب ربك فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت الآية الكريمة. والخطاب للنبي صلى الله عليه واله،والتقدير: "فَإِنِّي قَرِيبٌ"، وهو تعبير لكمال علمه بأفعال العباد، واطّلاعه على أحوالهم، فإذا سألك عبادي عنّي من جهة قُربي وبُعدي، فقل: إنّي عليمٌ أعلم دعاءكم، ولو كان في غاية الخفاء.

وفي الآية الكريمة تحريضٌ على الدُّعاء والتَّرغيب في التِّكرار، وتعريف الدَّاعي بالألف واللام إشارة إلى داعٍ خاص، وهو الذي يدعو متيقناً للإجابة ويطلب ما له فيه المصلحة 22. وعليه فإنّ من أهم شروط الداعي عدم ارتكاب الذَّنب، وبعبارة أخرى: إنّ مقتضي الإجابة - وهو مجرّد الدعاء " موجودٌ، ولكنّ المانع قد يمنع من تأثير المقتضي، والمانع في المقام هو الذَّنب.


ذهاب الحياء:

الحياء هو: ";الامتناع من الفعل مخافة أن يُعاب على فاعله" 23. وقيل: "هو انقباض النَّفس عن القبيح مخافة الذمّ"24.

الحياءُ في الإنسان المؤمن هو من أهمِّ وأفضل الأخلاق وأعظمها قدراً وأكثرها نفع، وهو الذي يؤدِّي إلى العفّة والعفاف.

ويعتبره العلماء مادّة حياة القلوب، وهو أصل كلِّ خيرٍ، وذهابه ذهاب الخير أجمعه؛ فإنّ حياة القلب هي المانعة من القبائح، بخلاف من لا يمتلك هذه الصّفة فلا حياء يمنعه ولا إيمان يزجره عن فعل القبائح.

روي عن الإمام الكاظم عليه السلام في وصيّته لهشام بن الحكم: "رحم الله من استحيا حقّ الحياء فحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وذكر الموت والبلى، وعلم أنّ الجنّة محفوفةٌ بالمكاره، والنّار محفوفة بالشهوات"25، والمراد بِـ "ما حوى "في الحديث أي ما حواه الرَّأس من العين والأذن واللسان وسائر الأعضاء، بأن يحفظها عما حرّم الله تعالى، والمراد بالبطن وما وعى، أي ما جمعه من الطَّعام والشراب بأن لا يكون من الحرام، والمراد بالبلى أي الاندراس والاضمحلال في القبر. وروي عن رسول الله صلى الله عليه واله قال: "إنّ لكلّ دين خلق، وخلق الإسلام الحياء" 26.


نسيان النَّفس:

من آثار الذّنوب أيضاً نسيان النَّفس؛ لأنَّ من يبتلى بالمعاصي يكون بعيداً عن الله تعالى ويغفل عنه وينساه، فإذا نسي العبدُ الله فإنّ الله سوف يُنْسيه نفسه. وهذا من أعظم العقوبات الدنيوية وأكبر الخسائر الأخروية، بل هي حقيقة البؤس والشقاء. لأنّ كلّ شيء في الوجود متعلِّقٌ بالله تعالى ومحتاج إليه، والإنسان أحد أفراد هذا الوجود ومحتاج إلى الله وصفاته، فإذا نسي الله وصفاته وأسماءه وأفعاله، فمعناه أنّه قد نسي واقعيّته وهُويّته الشخصيّة؛ لأنّها مرتبطةٌ بالله تعالى، قال تعالى: ﴿;وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون27، ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُم 28.

فنسيان الأعمال الخيّرة هو نسيان النَّفس، وقد عبّر الله تعالى عنه بالخسران: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 29.

وقد فُسِّر نسيان النَّفس بأحد معنيين: "إمّا تنسيته نفسه، بمعنى إعراضه عن مصالحها وأسباب سعادتها وفلاحها وطلاحه، كمن له زرع فأهمله ونسيه، واشتغل بغيره، وضيّع مصالحه، وإنّه سيفسد قطع، فمن نسي مصالحه الأخروية يكون ناسياً لنفسه. وإمّا أن تكون بمعنى ينسيه عيوب نفسه وآفاته، فلا يخطر بباله إزالتها وإصلاحه، فطول الأمل ينسي الآخرة - حسب ما ورد في الروايات - لأن طول الأمل يوقع في الأمور الماديّة والانغماس بالشهوات، وهذا يوجب نسيان النَّفس" 30.

روي عن الإمام علي عليه السلام: "من نسي الله سبحانه أنساه الله نفسه وأعمى قلبه"31.


عدم التَّوفيق للعبادة:

ينبغي أن تكون حياة الإنسان في طاعة الله؛ لأنّ الله تعالى خلقنا وجعل طاعته طريقاً أساسياً لمعرفته، يقول تعالى: ﴿;وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ32، فهناك تبادلٌ بين ارتكاب المعصية وحرمان الطَّاعة، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "استماع الغناء واللهو ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع"33.

وهكذا الذّنوب تؤثّر على الطاعات، فكلّما ازداد العبد معصيةً وبُعداً كلّما تثاقل عن الطاعة وحُرِمَه، وأحبّ المعصيةَ وألِفَها. ولو لم يكن للذَّنب عقوبةٌ وأثرٌ إلا أن يصدَّ عن الطَّاعة لكان في ذلك كفاية لما فيه من الحرمان، روي عن الإمام الصَّادق عليه السلام: "إنّ الرجل ليذنب فيحرم صلاة الليل، وإنّ العمل السيّئ أسرع في صاحبه من السكّين في اللحم"34،فشبّه الإمام عليه السلام السيّئة في الرواية بالسكين؛ لسرعة النّفوذ وقوّة التأثير.


الهوان عند الله تعالى:

المعصية هي سبب لهوان العبد على ربّه وسقوطه. فالعصاة هانوا على الله فتركهم في معصيته، ولو عزّوا عليه لعصمهم. وإذا هان العبد على الله تعالى لم يكرِمْه أحدٌ، وإن عظَّمَه النَّاس في الظاهر وذلك إمّا لحاجتهم إليه، أو خوفاً من شرِّه، ولكنّه واقعاً لا يساوي شيئاً في قلوبهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء35، فالعبد لا يزال يرتكب الذَّنب حتَّى يهون عليه، ويصغر في قلبه، وذلك علامة هلاكه؛ فإنَّ الذَّنب إذا صغُر في عين العبد هلك عند الله.

فالذّنوب إذاً هي التي تؤدّي بالعبد إلى الوصول لتلك الحالة من الهوان، وقد ورد في تعقيب الصَّلاة: "وإن أهنتني فمن ذا الذي يكرمني، وإن عذّبتني فمن ذا الذي يرحمني"36.


الغفلة:

الغفلة لها مفهوم واسع وشامل لموارد كثيرة، فمنها الغفلة عن الله، والغفلة عن يوم القيامة، والغفلة عن وساوس إبليس، وللغفلة عواقب مشؤومة، نذكر منها:

1. تورث قساوة القلب: فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام: "إيّاك والغفلة؛ ففيها تكون قساوة القلب"37.

2. تميت القلب: وهي درجة أعلى من القساوة، وفي هذه الصُّورة يوصد باب العودة والإنابة إلى الله تعالى، فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال: "من غلبت عليه الغفلة مات قلبه" 38.

3. فساد الأعمال: نجد أحياناً أنّ الأشخاص الذين يعيشون الغفلة عن الله والآخرة لا يتحرّكون في سلوكياتهم في دائرة الخيرات، ولو أنّهم تحرّكوا في هذا السَّبيل فإنّ الغفلة لا تسوّغ لهم أن يتمتّعوا بحالة الإخلاص، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "إياك والغفلة والاغترار بالمهلة؛ فإنّ الغفلة تفسد الأعمال"39.

وبالتأمّل جيّداً في الآيات والروايات نلاحظ أنَّ الذّنوب سببٌ أساسٌ للوقوع في الغفلة؛ فهي تورث قساوة القلب؛ وهي الحالة التي يعبّر عنها القرآن بـ "الرّين" أو " الختم" أو "الغُلف"، وذلك إذا تكاثرت الذّنوب على قلب الإنسان. فالذّنوب تورث الغفلة، والغفلة تورث القسوة، والقسوة تورث البعد من الله، والبعد من الله يورث النّار. وإنّما يتفكّر في هذا الأحياء، أمّا الأموات فإنّهم قد أماتوا أنفسهم بحبّ الدُّنيا.

عن رسول الله صلى الله عليه واله قال: "إنّ العبد إذا أخطأ خطيئةً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقُل قلبه، وإن عاد زيد حتَّى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكره الله، كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون" 40" 41.


الهزيمة العسكريَّة:

أحد أهم أسباب الهزيمة التي تصيب الأمّة في مقتلها وتؤدّي إلى ضعفها ووهنها هو بُعدُ كثيرٍ من المسلمين عن دينهم، وانغماسهم بالذّنوب والمعاصي، وعدم اتّحادهم أمام عدوّهم، وعدم توحّدهم تحت قيادة واحدة.

والتاريخ الإسلامي حدّثنا عن نموذجٍ مهمّ وهو معركة أحد، التي انتهت بتحوّل نصر المسلمين إلى هزيمة، والسّبب الرّئيس الذي أدّى إلى ذلك هو المخالفة والمعصية التي ارتكبها بعض الجنود، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير42.

وقد أخبر الله تعالى في سياق بيان تلك الأحداث في غزوة أحد، فقال: ﴿..وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ...43، فالله تعالى يحدّثنا في هذه الآية عن معصية تلك الفئة التي كانت ترمي النبال، وعن عصيان هؤلاء لأمر الوليّ، وما ترتب على هذا العصيان من آثار طالت الجميع.

فالله تعالى يريد أن يقدّم للمسلمين درساً في غاية الأهميّة والخطورة مع، ألا وهو أنّ انشغال بعضكم بالدُّنيا وتقاسم الغنائم قبل أوانها وترك المواقع وعدم التقيد بأوامر رسول الله صلى الله عليه واله أدّى إلى الهزيمة، وإلى استشهاد سبعين مجاهداً من صفوة أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله،من بينهم الحمزة (رضوان الله عليه) ومصعب بن عمير (رضوان الله عليه)، ومخالفة أمر الرسول صلى الله عليه واله كما هو معلوم ذنبٌ، بل ذنب عظيمٌ سرعان ما ظهرت نتائجه الرهيبة في تلك المعركة وحتَّى ما بعدها من أحداثٍ وبيلة عانى منها كيان الأمة الإسلامية 44.

* مآب المذنبين، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1 - معاني الأخبار، ص 269.
2 - إقبال الأعمال، ج3، ص332.
3 - الأنفال، 53.
4 - الأعراف، 96.
5 - وسائل الشيعة، ج5، ص178.
6 - أصول الكافي، ج2، ص274.
7 - الكافي، ج8، ص246.
8 - بحار الأنوار، ج14، ص94.
9 - آل عمران، 178.
10 - الكافي، ج2، ص270.
11- أصول الكافي، ج2، ص270.
12- بحار الأنوار، ج70، ص377.
13- بحار الأنوار، ج1، ص225.
14- الكافي، ج5، ص140.
15- أصول الكافي، ج1، ص374.
16 - أخذة أسف أي أخذة غضب.
17 - أصول الكافي، ج2، ص112.
18 - إقبال الأعمال، ج3، ص332.
19- أصول الكافي، ج2، ص271.
20- شرح أصول الكافي، ج9، ص248.
21- البقرة، 186.
22- راجع: زبدة البيان، ص167.
23- رسائل المرتضى، ص269.
24 - ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ج3، ص455.
25- بحار الأنوار، ج1، ص142.
26 - مستدرك الوسائل، ج8، ص465.
27- الحشر، 19.
28 - التوبة، 67.
29 - الأنعام، 12.
30- راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج19، ص219 (بتصرف).
31 - غرر الحكم، ص190.
32- الذاريات، 56.
33- الكافي، ج6، ح20، ص434.
34 - أصول الكافي، ج2، ص272.
35 - الحج، 18.
36- مصباح المتهجد، ص1940.
37- بحار الأنوار، ج75، ص164.
38 - شرح غرر الحكم، ج5، ص293.
39 - شرح غرر الحكم، ج2، ص312.
40 - المطففين، 14.
41- روضة الواعظين، ص414.
42- آل عمران، 165.
43 - آل عمران، 152.
44- حادثة بئر معونة: أهل بئر معونة: هم سبعون رجلا من القراء وأصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم،وأميرهم المنذر بن عمرو،بعثهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم،فقتلهم جميعا عامر بن الطفيل. بحار الأنوار، ج20، ص21، و وكذا في غزوة الرجيع:  فقد بعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت بن الأفلج وخبيب بن عدي وزيد بن دثنة وعبد الله بن طارق، وأمير القوم مرثد، لما قدم عليه رهط من عضل والديش، وقالوا: ابعث معنا نفرا من قومك يعلموننا القرآن و يفقهوننا في الدين فخرجوا مع القوم إلى بطن الرجيع وهو ماء لهذيل فقتلهم حي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، وأصيبوا جميعاً. بحار الأنوار، ج20، ص150-151.
45 - صحيفة الإمام الخميني،ج‏16،ص169.

14-08-2015 عدد القراءات 2850



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا