23 كانون الثاني 2021 م الموافق لـ 09 جمادى الثانية 1442 هـ
En FR

الفكر الأصيل :: فكر الشهيد مطهري

الرؤية الكونية الاسلامية -1- الانسان



تمهيد
تتميّز الرّؤية الكونيّة الإسلاميّة عن بقية الرؤى والتصوّرات في نظرتها إلى الإنسان والعالم ومبدأ العالم وخالقه، وفي غيرها من القضايا الكثيرة. إلا أنّ معرفة هذه القضايا الأساسية تعطينا فكرة واضحة عن واقع هذا التمايز وكيفية المقارنة بين المدارس والمذاهب الفكرية والعقائدية المختلفة.

ماهيّة الإنسان1
للإنسان قصّة عجيبة في النّظرة الإسلاميّة للعالم. لم يكن إنسان الإسلام حيوانًا مستقيم القامة، له أظافر عريضة، ويمشي على قدمين ويتكلّم فقط، إنّ هذا الموجود ـ في نظر القرآن ـ أعمق وأكثر غموضًا من أن يمكن تعريفه بهذه الكلمات.

فقد مدح القرآن الإنسان وأثنى عليه كثيرًا (والمدح هنا كان للنماذج الإنسانية التي وصلت إلى مقامات الولاية)، وذمّه ووبّخه أيضًا (والذمّ كان لمن لم يستفد من نعم الله)... فأسمى المدائح وأسوأ المذام هي ما قالها القرآن بحقّ الإنسان. فقد فضّله على السّماء والأرض والملائكة، ووضعه عن مستوى الأنعام. فالإنسان ـ في نظر القرآن ـ موجودٌ له القدرة على تسخير العالم والعروج إلى أعلى عليين، ويمكن أن ينزل إلى أسفل سافلين.

وهذا هو الإنسان الذي عليه أن يقرّر مصيره النّهائيّ. ونبدأ حديثنا على مدح الإنسان في القرآن تحت عنوان: قيمة الإنسان.

قيمة الإنسان
1- الإنسان خليفة الله في الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ2.

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ3.

2- إنّ ظرفيّة وسعته الإنسان العلميّة هي أكبر ظرفيّة يمكن أن تكون لمخلوقٍ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ4.

3- له فطرة تعرف الله، يعي ربّه في أعماق وجدانه، وإنّ كل الشّكوك والجحود أمراض وانحرافات عن جبلّة الإنسان الأولى، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا5، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا6.

4- إنّ في جبلّة الإنسان عنصر ملكوتيّ، إلهيّ بالإضافة إلى العناصر المادّية الموجودة في كلّ الجماد والنّبات والحيوان. فالإنسان مركّب من الطّبيعة ومّما وراء الطّبيعة، من المادّة والمعنى، من الجسم والرّوح: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ7.

5- إنّ خلقة الإنسان مدروسة، ولم تكن صدفةً، والإنسان موجودٌ مصطفًى ومنتخب: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى8.

6- وله شخصيّة حرّة مستقلّة، وهو أمين الله، وله رسالة وعليه مسؤوليّة، وطلب منه أن يعمّر الأرض بعمله وإبداعه، وأن يختار أحد الطّريقين: السّعادة أو الشّقاء. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا 9، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا10.

7- يتمتّع الإنسان بكرامة ذاتيّة وشرفٍ ذاتيّ، فقد فضّله الله على كثيرٍ من خلقه، وهو يتفهّم واقعه ويشعر به عندما يتفهّم هذه الكرامة ويشعر بها، ويعتبر نفسه أسمى من الدّناءات والرّذائل والشّهوات والقيود: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا11.

8- يتمتّع بضميرٍ أخلاقيّ، يدرك القبيح والجميل، بحكم الإلهام الفطريّ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا12.

9- لا يهدأ إلّا بذكر الله، ولا نهاية لطلباته، ولا يشبع من أيّ شيء يناله، إلّا أن يتّصل بذات الله الأبديّة اللامحدودة: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ13.

10- خلقت نِعَم الأرض والسّماء من أجل الإنسان: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعا14، ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا15.

11- خلقه الله ليعبده ويطيعه، فواجبه إذًا إطاعة أمر الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ16.

12- إنّه لا يجد نفسه إلّا بعبادة الله وذكره، وإذا نسي ربّه نسي نفسه، ولا يعرف من هو، ولماذا، وماذا يجب أن يعمل، وإلى أين يذهب، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ17.

13- وعندما يرحل عن هذا العالم، ويُزاح عنه ستار البدن - الذي هو حجاب الرّوح - تتّضح له كثيرٌ من الحقائق التي تكون عليه مخفيّة: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ18.

14- لم يُخلَق ليعمل للقضايا المادّية فحسب، ولم تكن حاجات الحياة المادّية دافعه الوحيد، فهو يتحرّك ويتحمّس للغايات السّامية أحيانًا، وربّما لا يطلب من حركته وسعيه شيئًا سوى رضا الله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً19.

﴿وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ20.

وبناءً على ما قيل، فالإنسان الكامل في نظر القرآن موجودٌ مصطفًى من قبل الله، وخليفته في الأرض، نصفه ملكوتيّ ونصفه مادّيّ، له فطرة معرفة الله، حرٌّ، مستقلٌّ، أمين الله، ومسؤولٌ عن نفسه والعالم، مسيطرٌ على الطّبيعة والأرض والسّماء، ملهم بالخير والشّرّ، يبدأ وجوده من الضّعف والعجز، ويسير نحو القوّة والكمال، ويسمو ولا يهدأ إلّا في حضيرة القدس الإلهيّ وبذكره، وسعته العلميّة والعمليّة غير محدودة، يتمتّع بشرفٍ وكرامةٍ ذاتيّة، لا صبغة ماديّة لدوافعه، له حقّ التّصرّف المشروع بالنّعم التي وهبها الله له، ولكن ينبغي أن يكون ذلك لله.

* دراسات عقائدية - الشهيد مرتضى مطهري، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- مطهّري، مرتضى، أنسنة الحياة في الإسلام، الإنسان في القرآن، دار الإرشاد، الطبعة الأولى، 9002، ص. 251- 254.
2- سورة البقرة، الآية 30.
3- سورة الأنعام، الآية 165.
4- سورة البقرة، الآية 31.
5- سورة الأعراف، الآية 172.
6- سورة الروم، الآية 30.
7- سورة السجدة، الآيات 7 - 9.
8- سورة طه، الآية 122.
9- سورة الأحزاب، الآية 72.
10- سورة الإنسان، الآيتان 2 و 3.
11- سورة الإسراء، الآية 70.
12- سورة الشمس، الآيتان 7 و 8.
13- سورة الأنشقاق، الآية 6.
14- سورة البقرة، الآية 29.
15- سورة الجاثية، الآية 13.
16- سورة الذاريات، الآية 56.
17- سورة الحشر، الآية 19.
18- سورة ق، الآية 22.
19- سورة الفجر، الآيتان 27 و 28.
20- سورة التوبة، الآية 72.

11-04-2016 عدد القراءات 3374



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا