16 كانون الثاني 2021 م الموافق لـ 02 جمادى الثانية 1442 هـ
En FR

الفكر الأصيل :: فكر الشهيد مطهري

الرؤية الكونية الاسلامية -2- العالم



تحدثنا في المقالة السابقة عن الرؤية الكونية الاسلامية للانسان وفي هذ المقالة نتعرض الى نظرة الاسلام الى العالم

عالم الغيب والشهادة
التصوّر، التوحيدي الإسلامي يرى أنّ العالم غيب وشهادة، أي يقسم العالم قسمين: عالم الغيب وعالم الشهادة. وتحدّث القرآن مراراً عن الغيب والشهادة، وركّز على الغيب، واعتبر الإيمان به ركناً من أركان الإيمان الإسلامي: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ1، ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ2.

الغيب يعني الخفاء، وهو على نوعان: نسبي ومطلق. الغيب النسبي: يعني الشيء الخافي على حواس الإنسان، لبعد ذلك الشيء أو لسبب مشابه. فبالنّسبة لمن يسكن طهران، فإنّ طهران شهادة، وأصفهان غيب. أمّا بالنّسبة للسّاكن في أصفهان، فأصفهان شهادة، وطهران غيب.

في القرآن الكريم، وردت كلمة الغيب بهذا المعنى النسبي أيضاً، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ3.

ومن البديهي أنّ قصص الأُمم الغابرة شهادة بالنسبة إلى تلك الأُمم، لكنّها غيب بالنسبة إلى الأُمم التالية.

غير أنّ القرآن يطلق كلمة الغيب أحياناً على حقائق غير محسوسة بالحسّ الظاهري. وفرق بين حقائق محسوسة غائبة عنّا لبعد المسافة أو ما شابه ذلك، وبين حقائق لا يمكن إحساسها بالحواس الظاهرة بسبب عدم محدوديتها أو عدم مادّيتها.

وواضح أنّ القرآن - حين يصف المؤمنين بأنّهم يؤمنون بالغيب - لا يقصد الغيب النسبي، لأنّ كلّ الناس (مؤمنهم وكافرهم) يقرّون ويعترفون بالغيب النّسبيّ.

كما أنّ الآية الكريمة التي تحصر علم مفاتح الغيب بالله تقصد الغيب المطلق، ولا ينسجم مفهومها مع الغيب النسبي. وحين يرد ذكر الغيب والشهادة معاً، كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ4، فالمقصود بالغيب المطلق منه، لا النسبي أيضاً5.

ما هي طبيعة العلاقة بين عالمي الغيب والشهادة؟

هل لهذا العالم المحسوس حدود تفصل بينه وبين عالم الغيب؟ من الواضح أنّ تصوّر وجود حدّ مادي يفصل بين العالمين، هو تصوّر ساذج، إذ لو تصوّرنا مثل هذا الحدّ، لكان كلّ طرف من طرفي الحدّ شهادة وعالماً مادّياً جسمانياً. لا يمكن توضيح الارتباط بين عالمي الغيب والشهادة بتعبير مادّي وجسماني. ونستطيع أن نمثّل لهذه العلاقة - من أجل تقريبها إلى الذهن - بأنّها مثل علاقة الأصل بالفرع، أو علاقة الشخص بظلّه، أي إنّ هذا العالم انعكاس لذلك العالم. يُستنبط من القرآن أنّ كل ما في هذا العالم إنّما هو "وجود نازل" عن موجودات العالم الآخر: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ6.

وحتى معدن الحديد، يتحدّث عنه القرآن بأنّه منزل: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ7.

بديهي أنّ المقصود بالتنزيل والإنزال ليس هو الانتقال من مكان إلى مكان. كل شيء نراه في هذا العالم إنّما نرى "ظلّه" وفرعه ومرتبته النازلة، أمّا "حقيقته" و"أصله" و"كنهه" ففي عالم آخر، هو عالم الغيب.

القرآن الكريم يطرح تحت عنوان "الغيب" نوعاً من التصوّر الإسلامي والإيمان بشأن الكون، كما يبيّن ذلك أحياناً تحت عناوين أُخرى، مثل الإيمان بالملائكة، والإيمان برسالة الرسل، والإيمان بالوحي: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ8.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدً9.

في هاتين الآيتين، ورد ذكر الإيمان بكتب الله بشكل مستقلّ، ولو كان المقصود من هذه الكتب هو الكتب السماوية النازلة على الأنبياء لكفى ذكر الإيمان بالرسل، وهذه قرينة على أنّ المقصود بالكتب هو حقائق غير حقائق عالم الشهادة. وفي القرآن ورد ذكر حقائق خفية غيبية تكراراً، باسم ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ و"اللوح المحفوظ" و ﴿أُمُّ الْكِتَابِ و"الكتاب المرقوم" و"الكتاب المكنون".

والإيمان بهذه الكتب الغيبية جزء من الإيمان الإسلامي.

الأنبياء جاؤوا أساساً للدعوة إلى نظرة عامّة للكون والحياة، فلا ينحصر العالم بموجبها في الأمور الحسّية الملموسة الواقعة في إطار العلوم الحسّية التجريبية. دعوة الأنبياء استهدفت السموّ بالإنسان من المحسوس إلى المعقول، من الجهر إلى الخفاء، ومن المحدود إلى اللامحدود.

وللأسف! فإنّ تيار الأفكار المحدودة المادّية والحسّية التي هبّت من الغرب جعلت فئة من المسلمين يصرّون على إنزال المفاهيم الإسلامية السامية في التصوّر الإسلامي إلى مستوى المحسوسات والمادّيات10.

* دراسات عقائدية - الشهيد مرتضى مطهري، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- سورة الأنعام، الآية 59.
2- سورة البقرة، الآية 3.
3- سورة هود، الآية 49.
4- سورة الحشر، الآية 22.
5- المفهوم التّوحيدّيّ للعالم، ص 73-75.
6- سورة الحجر، الآية 21.
7- سورة الحديد، الآية 25.
8- سورة البقرةء، الآية 285.
9- سورة النساء، الآية 136.
10- المفهوم التّوحيدّيّ للعالم، ص 75-77

15-04-2016 عدد القراءات 1807



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا