19 كانون الثاني 2021 م الموافق لـ 05 جمادى الثانية 1442 هـ
En FR

الفكر الأصيل :: فكر الشهيد مطهري

إشكاليّة وجود الموت والفناء



فلسفة الموت
التّفكير بالموت وانتهاء الحياة من الهواجس التي أقضّت مضاجع الإنسان طوال تاريخه، وجعلته يسائل نفسه باستمرار: لماذا وُلدنا؟ ولماذا نموت؟ ما الهدف من هذا البناء ثمّ الهدم؟ أليس هذا هو العبث بعينه؟

وقد شكّل هذا القلق المؤذي أحد الأسباب التي أدّت إلى ظهور التّيّار التّشاؤميّ في الفلسفة، والفلاسفة المتشائمون يتوهّمون خلوّ الحياة والوجود من الغاية والحكمة، وقد أوقعهم ويوقعهم هذا التّوهّم في حالة من الإحباط والحيرة والتّفكير بالانتحار، هؤلاء يقولون لأنفسهم: إذا كان قدرنا الموت والفناء فما كان ينبغي أن نولد أساسًا، وإذا كان مجيئنا إلى هذا العالم بغير اختيار منّا، فنحن قادرون، كحدٍّ أدنى، أن نضع حدًّا لهذا العبث، وإنهاء العبث هو، بحدّ ذاته، عملٌ حكيم!1.

فما هي النظرة الإسلامية للموت؟ وما هو سرّ خلق الموت؟ وكيف يمكن للإنسان أن يتجاوز كلّ الأفكار التي تحيط به والنفوس التي تنظر إلى الموت نظرة تشاؤمية بغيضة؟!

القلق من الموت دليل الخلود2
من الضّروريّ أن ننتبه إلى قضيّة مهمّة قبل أن نناقش هذا الإشكال الموجّه لعدالة النّظام الوجوديّ، وهذه القضيّة هي أنّ هاجس الخوف من الموت خاصّ بالإنسان، فباقي الحيوانات لا تفكّر بالموت والوجود فيها غريزة الفرار من الخطر ونزعة حفظ حياتها، وهذه النّزعة من لوازم الحياة عمومًا، ولكنّ وجودها في الإنسان مقرونٌ بالاهتمام بالمستقبل والبقاء فيه، أي يوجد فيه بعبارةٍ أخرى الأمل بالخلود، هذا الأمل من مختصّاته.

والأمل فرعٌ لتصوّر المستقبل، والأمل بالخلود فرع لتصوّر الأبديّة، وهذا التصوّر هو من الأفكار الخاصّة بالإنسان، ولذلك شغل هاجس الخوف من الموت فكره باستمرار، وهذا الهاجس شيءٌ آخر غير غريزة الفرار من الخطر التي تتمظهر في كلّ حيوان بشكل ردّة فعل مؤقّتة وغير محسوبة تجاه الأخطار، وهذا ما يظهر أيضًا في الإنسان وهو طفلٌ قبل أن تتبلور فيه نزعة الأمل بالبقاء كفكرة.

وهاجس الخوف من الموت، وليد الميل للخلود، وحيث لا يوجد في نظام عالم الطّبيعة أيّ ميل لا يستند إلى قاعدة تسوّغه، لذلك يمكن اعتبار وجود هذا الميل دليلًا على بقاء الإنسان بعد الموت، أي إنّ كون التّفكير بالفناء يؤذينا هو ، بحدّ ذاته ، دليلٌ على أنّنا لا نفنى، ولو كانت حياتنا محدودة ومؤقّتة - كما هو حال الورود والنّباتات لمّا كان الأمل بالخلود نزعة متأصّلة وميلًا أصيلًا في وجودنا.

إنّ وجود العطش دليلٌ على وجود الماء، وكذلك الحال مع وجود أي ميل واستعداد أصيل، فهو يدلّ على وجود كمال يتوجّه إليه ذلك الميل والاستعداد، وكأنّ كلّ استعداد وميل يمثّل السّابقة الذهنيّة والتّذكرة التي تذكّر بالكمال الذي يجب السّعي إليه.

وانشغال ذهن الإنسان باستمرار بالأمل بالخلود وهواجس الخشية من عدم تحقّقه هو من تجلّيات فطرة رفض الفناء والعدم في الإنسان، فهو دليل على أنّه لا يفنى، وهذه الهواجس هي كالأحلام التي تعبّر عن تجلّيات في المنام لملكات الإنسان ومشهوداته في عالم اليقظة، فما يظهر في عالم الرؤيا هو تجلّيات أحوال طرأت على أرواحنا في عالم اليقظة أو ترسّخت فيها أحيانًا، وما يتجلّى في أرواحنا في عالم اليقظة من نزوعٍ وأملٍ بالخلود ـ وهو نزوعٌ لا يتجانس أصلًا مع الحياة الدّنيويّة المؤقّتة ، إنّما هو تعبيرٌ عن حقيقتنا الوجوديّة الخالدة التي ستتحرّر ، شاءت أم أبت ، "من وحشة سجن الإسكندر"، و"ستجمع رحالها وستصل إلى ملك سليمان". إنّ أمثال هذه التصوّرات والأفكار والآمال تعبّر عن تلك الحقيقة التي يسمّيها الفلاسفة والعرفاء "غربة" الإنسان أو "عدم تجانسه" مع هذا العالم التّرابيّ.

الموت فناء نسبيّ3
لقد نشأ إشكال وجود الموت من توهّم أنّه يعني الفناء، في حين أنّ الموت لا يعني فناء الإنسان، بل هو تحوّلٌ وتطوّرٌ، وغروبٌ لنشأة وجوديّة وشروق لنشأة وجوديّة أخرى، فهو فناءٌ، ولكن ليس مطلقًا، بل هو فناءٌ نسبيّ، أي إنّه عدمٌ لنشأة ووجود لنشأةٍ أخرى.

ليس موت الإنسان موتًا مطلقًا، بل إنّه التّراب الذي يفقد شكله وخواصه السّابقة، وتجلّيه وظهوره القبلي بصورة الجماد، أي أنّه مات في حالٍ ووضعٍ معيّن واكتسب حياة أخرى في وضعٍ جديد.

الدّنيا رحم الروّح الإنسانيّة4
ثمّة أوجه للشبه وأخرى للتّمايز بين انتقال الإنسان من هذا العالم إلى عالمٍ آخر، وولادة الطّفل من رحم أمّه، فأوجه التّمايز بينهما تكمن في أنّ الاختلاف بين الدّنيا والآخرة أعمق وأكثر جوهريّة من الاختلاف بين عالم رحم الأم وخارجه، فعالم الرّحم وخارجه كلاهما من عالم الطّبيعة والحياة الدّنيا، أمّا عالمي الدّنيا والآخرة فهما نشأتان متمايزتان ونمطان مختلفان من أنماط الحياة بينهما فروق جوهريّة.

أمّا أوجه الشّبه بين هذه الولادة وذاك الانتقال فهي تكمن في بيان طبيعة اختلاف الأوضاع الحياتيّة، فالطّفل يتغذّى بواسطة حبل المشيمة وهو جنين في رحم أمّه، لكنّ هذا الحبل يُقطع عندما يولد لتصبح تغذيته عن طريق الفم وقنوات الجهاز الهضميّ، وتخلق فيه الرئتان وهو في الرّحم، لكنّه لا يستفيد منهما إلّا بعد خروجه من الرّحم، بل إنّ أبسط استفادة منهما وهو في الرّحم تؤدّي إلى موته، ويستمرّ حاله على هذا المنوال إلى اللحظة الأخيرة من إقامته في الرّحم، فإذا خرج منه بدأت الرّئتان والجهاز التّنفّسي بالعمل فورًا وبصورة متواصلة، لأنّ أبسط توقّف فيها يعرّضه لخطر الموت!

أجل، فالتّغيير في النّظام الحياتيّ للطّفل يتغيّر بهذه الحدّة، فهو يعيش قبل الولادة بنظامٍ حياتيّ متمايز بالكامل عن نظام حياته بعدها، والجهاز التّنفّسيّ يُخلق فيه وهو مقيم في رحم أمّه، ولكن ليس من أجل أن يستفيد منه أثناء إقامته بالرّحم، بل بهدف إعداده مسبقًا للحياة بعد مرحلة الرّحم وهكذا الحال مع أجهزة البصر والسّمع والذّوق والشمّ، فهي تخلق فيه بكلّ تعقيداتها أثناء مدّة إقامته في رحم أمّه، لكي يستفيد منها في المرحلة اللاحقة من حياته، لا أثناء مدّة إقامته في الرّحم.

وهكذا هو حال الدّنيا مقارنةً بعالم الآخرة، فالدّنيا هي بمثابة الرّحم الذي يقيم فيه الإنسان لإعداده لحياة الآخرة، لأنّ في هذه الدّنيا تصنع الصّورة والأجهزة المعنويّة التي يستفيد منها الإنسان ويعيش بها في حياته الأخرى. والأجهزة الإعداديّة المعنويّة للإنسان هي: البساطة والتجرّد ورفض التجزّؤ والتشتّت الذاتيّ والثّبات النّسبيّ لـ "أنا" الإنسان وهويّته الإنسانيّة.

إنّ آمال الإنسان العريضة غير المحدودة، وأفكاره بآفاقها الواسعة التي لا حدّ لها، هي أدوات تناسب حياة أوسع نطاقًا من حياته الدّنيا، بل هي حياة خالدة أبديّة، وهذه الأدوات هي التي تجعل الإنسان "غريبًا" عن هذا العالم التّرابي والفانيّ وغير متجانس معه، وهي التي جعلت حاله حال قصبة النّاي التي قطعوها عن إخوتها ونقلوها بعيدًا عن وطنها، فأخذت تئنّ في غربتها أنينًا مفجعًا يبكي النّساء والرّجال على حدٍّ سواء، وتبحث باستمرار عن صدرٍ غريبٍ مثلها تبثّ إليه شكوى الفراق وألم الاشتياق. وهذا هو السّبب الذي جعل الإنسان يرى نفسه "ملك سدرة المنتهى والأفق المبين"، ويرى العالم "سجن المحنة" بالنّسبة إليه ويرى نفسه "طائر روضة القدس"، ويرى الدّنيا "شبكة الحوادث".

يخاطب الله تبارك وتعالى عباده الذين جهّزهم بهذه الأدوات، منبّهًا إلى الغاية من خلقهم وتجهيزهم: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ5.

لقد خُلق الإنسان مجهّزًا بكلّ هذه الأدوات المناسبة لعالم أوسع أفقًا من عالم الدّنيا، ولو لم تكن له رجعة إلى هذا العالم الأوسع، فإنّ حاله سيكون بالضّبط كحال الجنين الذي لا يكون له عالمٌ أوسع من عالم الرّحم، وهذا يعني موت جميع الأجنّة فور انتهاء مدّة الإقامة في الرّحم، فتكون النّتيجة أن خلق جميع أجهزة البصر والسّمع والشمّ والدّماغ والأعصاب وأجهزة التّنفّس والهضم وغيرها من الأجهزة التي لا يستفيد منها الجنين في رحم أمّه حيث تكون حياته فيه نباتيّة، هو خلقٌ عبثيّ، لأنّ الجنين لن يستفيد منها أبدًا!

الدّنيا مدرسة لاعداد الإنسان6
يقول تبارك وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ7. وهذه الآية تبيّن أنّ عالم الدّنيا مرّكب من الموت والحياة، فهو دار لاختبار صلاح الإنسان وحسن عمله، وينبغي الالتفات هنا إلى أنّ معنى البلاء الإلهيّ هو إظهار طاقات الإنسان واستعداداته، أي تنمية هذه الاستعدادات وإيصالها إلى مرتبة الكمال.

وبعبارةٍ أخرى فإنّ هدف الابتلاء الإلهيّ هذا ليس كشف الأسرار الموجودة بل نقل الاستعدادات الكامنة الخفيّة، كالأسرار من مرحلة القوّة إلى مرحلة الفعل، فالمقصود بالكشف هنا هو "الإيجاد"، إذ إنّ البلاء ينقل الصّفات الإنسانيّة من كمون القوّة والاستعداد إلى ميدان الفعليّة ومرتبة الكمال، فهو لا يكشف عن وزنها وقيمتها بل يزيد في وزنها وقيمتها.

وبهذا البيان يتّضح أنّ الآية المتقدّمة تشير إلى حقيقة أنّ الدّنيا محلّ تنمية الطّاقات والاستعدادات، فهي "دار التّربية".

جذور الاعتراض على وجود الموت8
على ضوء التّوضيح الذي عرضناه آنفًا لحقيقة الموت يتّضح عدم استناد الاعتراضات المثارة بشأنه إلى أيّ أساس قويم، وهذه الاعتراضات ناشئة في الواقع من الجهل بحقيقة الإنسان وحقيقة عالم الدّنيا، أو أنّها ناشئة من معرفة بتراء لحقيقة الكون والحياة.

وحقيقٌ بالنّزوع للحياة الخالدة أن يكون مؤلمًا للغاية وتكون صورة الموت مرعبة للغاية بالنسبة للإنسان الذي يرى الموت نهاية للحياة حقًّا. وهذا هو سرّ توهّم بعض الأشخاص أنّ الحياة عبثٌ لا جدوى منه، فهم يجدون في أنفسهم نزوعًا وميلًا للحياة الخالدة، لكنّهم يتوهّمون استحالة تحقّق ما يميلون إليه بقوّة، ولولا وجود هذ الميل فيهم لما اعتبروا الحياة عبثًا لا طائل منه، فهم كانوا سيرونها فرصة محدودة للتمتّع بالنّعم والسّعادة وإن كانت ستنتهي إلى العدم المطلق، ولن يفكّروا أبدًا بأنّ العدم أفضل من وجود مثل هذه الحياة المحدودة، أي إنّ عيوبها ناشئة - حسب هذا الفرض - من العدم اللاحق لها وقصر أمدها، فكيف يكون العدم أفضل من هذا المقدار المحدود من الوجود؟!

ولكنّنا عندما نجد أملًا ونزوعًا وطلبًا للخلود في نفوسنا، فهو فرع لتصوّر وإدراك جماله وجاذبيّته التي تبعث فينا الأمل الكبير بالخلود والفوز بالحياة الأبديّة، أجل إذا هجمت علينا مجموعة من الأفكار المادّية التي تقول لنا: إنّ هذه الآمال لا مصداق لها، فلا وجود للحياة الخالدة، فمن الطّبيعيّ حينئذٍ أن نقع في الاضطراب والأذى والعذاب الخانق الذي يدفعنا إلى تمنّي عدم المجيء إلى هذه الدّنيا لكي لا نواجه كل هذا العذاب والأذى.

من هنا يتّضح أنّ تصوّر عبثيّة الوجود ناشئٌ عن عدم الانسجام بين غريزة ذاتيّة في الإنسان، وتلقينات اكتسابيّة، ولذلك لم يكن لمثل هذا التصوّر ليتولّد فينا لولا تلك الغريزة الذاتيّة، وكذلك لولا هجوم تلك الأفكار المادّية الخاطئة.

لقد خُلق الإنسان بصورةٍ غرست معها في فطرته هذه النّزعة القويّة للخلود، لكي تكون وسيلة لوصوله إلى الكمال اللائق به، والذي فيه الاستعداد اللازم لبلوغه، والاستعدادات الكامنة في فطرة الإنسان وتركيبته أوسع من أن تستوعبها الحياة الدّنيا بأيامه المعدودات، ولذلك فلو كانت حياته محدودة بهذه الحياة الدّنيويّة فإنّ خلق تلك الاستعدادات فيه هو أمرٌ عبثيّ حقًّا. والذي لا يؤمن بالحياة الخالدة يجد حالة من عدم الانسجام بين تركيبته الوجوديّة من جهة، وأفكاره الإلحاديّة وآماله المحدودة من جهةٍ أخرى، ولذلك فهو يقول بلسان أفكاره الإلحاديّة: إنّ العدم هو نهاية الوجود، وكلّ الطّرق تنتهي إلى العدم، ولذلك فالحياة عبث لا طائل منها، لكنّه يقول بلسان استعداداته الفطريّة - وهو اللسان البليغ ذو الفطرة الجامعة - لا محّل للعدم، وأمامي طريقٌ لا نهاية له، ولو كانت حياتي محدّدة لما خُلق فيّ الاستعداد للخلود والنّزوع إليه.

من هنا اعتبر القرآن الكريم، إنكار المعاد مرادفًا للاعتقاد بعبثيّة الخلق: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ9.

أجل، إنّ من يعتقد أنّ الدّنيا مدرسة ودار للتّكامل ويؤمن بالحياة الأخرى ونشأة الآخرة، لا يمكن أن تصدر منه اعتراضات من قبيل: ما كان ينبغي أن نخلق في هذه الدّنيا، وإذا خُلقنا فلا ينبغي أن يُكتب علينا الموت، فمثل هذا الاعتراض لا يختلف في درجة ابتعاده عن المعايير العقليّة، عن القول: إمّا أن لا يدخل الطّفل المدرسة، وإذا دخلها فلا ينبغي أن يغادرها!

* دراسات عقائدية - الشهيد مرتضى مطهري، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- العدل الإلهي، ص 280.
2- (م.ن)، ص 280 -282.
3- العدل الإلهي، ص 282 – 283.
4- (م. ن)، ص 283 - 286
5- سورة المؤمنون، الآية 115.
6- العدل الإلهي، ص 286 -290.
7- سورة الملك، الآية 2.
8- العدل الإلهي، ص 290 - 192.
9- سورة المؤمنون، الآية 115.

15-07-2016 عدد القراءات 2296



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا