19 كانون الثاني 2021 م الموافق لـ 05 جمادى الثانية 1442 هـ
En FR

الفكر الأصيل :: فكر الشهيد مطهري

هل تتعارض الشفاعة مع العدل الإلهي؟



تمهيد1
يعتبر موضوع الشفاعة من الموضوعات التي يجب تناولها بالبحث والتحقيق ضمن مباحث العدل الإلهي، فقد احتدم الجدل والنقاش بشأنها منذ أمد واشتدّ، خاصّة بعد ظهور المذهب الوهّابي وهو مذهب يرفع شعار التوحيد الخالص، لكنّه يفتقد للعمق ويتميّز بالسطحية في أدنى مراتبها، ولذلك فقد أنكر الكثير من المعارف الإسلامية الدقيقة والسامية، ومفهوم التوحيد الذي يعرضه الوهابيون يتعارض مع الكثير من الأصول الإسلامية الثابتة.

الشّبهات المثارة ضدّ الشّفاعة2
إنّ ما قيل وما يُمكن أن يُقال تحت عنوان الاعتراض على الاعتقاد بالشّفاعة هو:

1- إنّ الاعتقاد بالشّفاعة ينافي التّوحيد في العبادة، فهو من مصاديق الشّرك، وهذا هو الإشكال الذي يروّجه الوهّابيّون ومن انخدع بأفكارهم.

2- وأنّه ينافي التّوحيد الذّاتي لأنّه يستلزم اعتبار رحمة الشّفيع ورأفته أوسع من رحمة الله ورأفته، لأنّ الاعتقاد بالشّفاعة يفترض أنّ الله سبحانه يعذّب العاصي إذا لم يستشفع إليه بالشّفيع.

3- وأنّ الاعتقاد بالشّفاعة يجرّئ النّفوس الميّالة لارتكاب المعاصي على ارتكابها.

4- وأن القرآن الكريم أبطل الشّفاعة ورفضها، فهو يقول عن يوم البعث، ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ3.

5- وإنّ الشّفاعة تتعارض مع مبدأ أسّسه القرآن الكريم، واعتبر فيه أنّ سعادة كلّ إنسان مرهونةٌ بعمله: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى4.

6- إّن الاعتقاد بصحّة الشّفاعة يستلزم أن نعتقد بأنّ الله تبارك وتعالى يتأثّر بالشّفيع، فيتحوّل غضبه إلى رحمة، في حين أنّ الله سبحانه لا ينفعل ولا يمكن أن تتغيّر حالته ولا يمكن أن يؤثّر عليه شيء.

7- إنّ الشّفاعة تمثّل نوعًا من الظلم والتّمييز غير المسوّغ، وهذا ما تنزّه عنه السّاحة الإلهيّة، وبعبارةٍ أخرى: إنّ الشّفاعة استثناء في القوانين والسّنن الإلهيّة التي هي عامّة شاملة لا تغيّر فيها ولا استثناء ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلً5.

وهذا الإشكال يجعل موضوع الشّفاعة مرتبطًا بمبحث العدل الإلهيّ، ولتوضيحه نقول: إنّ من الثّابت كون الشّفاعة لا تشمل جميع المجرمين، وإلّا لما كان لها معنًى ولا لوجود القانون والجزاء معنًى، فالشّفاعة بطبيعتها تستلزم التّمييز والاستثناء، وهذا هو مكمن الإشكال المثار ضدّها، وهو أنّ الشّفاعة تعني تقسيم المجرمين إلى طائفتين، تتخلّص طائفة من العقاب بسبب وجود واسطة تستشفع بها، وتنال الأخرى عقابها، لأنّها ليس لديها من يشفع لها، فكيف يصحّ أن ننسب ذلك إلى جهاز العدل الإلهيّ، في حين نعتقد بفساد الأجهزة القضائيّة البشريّة التي تؤثّر فيها تدخّلات الوسائط والمتنفّذين، ونصفها بأنّها ظالمة؟! إذاً، تكون النّتيجة: حيثما حلّت الشّفاعة ضاعت العدالة.

أنواع الشّفاعة6
حقيقة الأمر هي أنّ للشّفاعة عدّة أنواع، بعضها غير سليم ومن مصاديق الظّلم، فلا وجود لها في نظام العدل الإلهيّ، وبعضها الآخر سليم ومن مصاديق العدل، فهو موجودٌ في نظام العدل الإلهيّ. فالأنواع غير السّليمة هي التي تشتمل على نقضٍ للقانون، أمّا الشّفاعة الصّحيحة فهي حافظة للقانون مؤيّدة له.

في الشّفاعة المضادّة لحكم القانون يسعى المجرم إلى منع تنفيذ القانون عبر اللجوء إلى الوساطات، أي إنّه يسعى إلى القيام بما يناقض إرادة مشرّع القوانين، وبما يلغي أهداف القوانين ويتوسّل بشفاعة الشّافعين من أجل ذلك، ومثل هذه الشّفاعة مصداق للظّلم في الدّنيا، ولا يمكن أن تقع في عالم الآخرة، وهي التي رفضها القرآن الكريم، وإليها بالذّات تتوجّه الإشكالات المثارة ضدّ الشّفاعة.

أمّا الشّفاعة الصّحيحة فليس فيه استثناء ولا تمييز ظالم ولا نقض للقوانين ومصادرة لأهدافها، كما أنّها لا تستلزم قهر إرادة مشرّع القوانين، لأنّه هو الذي وعد بها وجعلها ضمن قانون الجزاء، وقد أيّد القرآن الكريم هذا النّوع من الشّفاعة بكلّ صراحة.

الشّفاعة النّاقضة للقانون مرفوضة7
الشّفاعة غير الصّحيحة مرفوضة ولا شكّ، استنادًا للأدلّة العقليّة والنّقليّة، وفيها يسعى المذنب إلى التوسّل بواسطةٍ ما من أجل منع تطبيق الحكم الإلهيّ، مثلما يسعى المجرمون في المجتمعات البشريّة الفاسدة إلى الاستعانة بالوساطات للتملّص من الخضوع لحكم القانون. ويتوهّم كثير من عوام النّاس أنّ شفاعة الأنبياء والأئمّة عليهم السلام هي على هذا النّحو، فيتوهّمون أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله سلم وأمير المؤمنين عليه السلام والصّدّيقة الزّهراء عليها السلام، هم أصحاب نفوذ، يسخّرون نفوذهم في الحضرة الإلهيّة، ويغيّرون إرادة الله سبحانه ويعطّلون تنفيذ قوانينه.

وكان عرب عهد الجاهليّة يعتقدون بمثل هذا الاعتقاد، بشأن أصنامهم التي جعلوها شركاء لله سبحانه، وقالوا: إنّ الخلق بيد الله وحده لا شريك له في ذلك، لكنّ الأصنام تشاركه في إدارة شؤون العالم، ولذلك فإنّ عرب الجاهليّة كانوا مشركين في الرّبوبيّة وليس في الخالقيّة، أي إنّهم كانوا يعتقدون بأنّ الله قد أشرك بعض خلقه في تدبير شؤون العالم والمخلوقات مثلما يحدث بين البشر، حيث يمكن أن يؤسّس أحدهم مؤسّسة معيّنة ثمّ يفوّض أمر إدارتها إلى بعض الأشخاص أو يشركهم في إدارتها.

وقد كافح القرآن الكريم هذه العقيدة الشّركيّة بكلّ حزم وصرامة، وأعلن مرارًا نفي الشّريك عن الله سبحانه وتعالى في الخالقيّة وفي الرّبوبيّة، فهو وحده خالق الكون ومدبّره، وله الملك والحاكميّة عليه وحده لا شريك له في ذلك، وهو ربّ العالمين.

لم يرَ المشركون أنفسهم ملزمين بالسّعي للحصول على رضا "الله" وحده، لأنّهم كانوا يعتقدون بتقسيم ربوبيّة العالم بينه تعالى وبين آخرين، هم الذين اتّخذوهم أربابًا لهم، ولذلك كانوا يقولون: المهم أن نستجلب رضا أربابنا عنّا بتقديم القرابين لهم وعبادتنا لهم حتّى لو لم نحصل على رضا "الله"، فلو أرضينا الأرباب تكفّلوا هم بحلّ مشكلتنا مع "الله" بطريقةٍ أو بأخرى!
من هنا يتّضح أنّه إذا اعتقد أحد المسلمين بأنّ لأحد السّلطنة الرّبوبيّة إلى جانب سلطنة ربّ العالمين وفي مقابلها، فقد وقع في الشّرك. كما أنّ من يتوهّم بأنّ للحصول على رضا الله طريقًا وللحصول على رضا غيره - كالإمام الحسين عليه السلام مثلًا - طريقًا مستقلًّا عن الأوّل، وإنّ كلًّا من هذين الطّريقين يمكن أن يوصل الإنسان للسّعادة، فقد وقع في ضلالٍ خطير، لأنّ هذا الوهم يفضي إلى القول بأنّ رضا الله هو في أداء الواجبات وما أمر به سبحانه مثل الصّلاة والصّوم والحجّ والجهاد والزّكاة والصّدق والإخلاص وخدمة الخلق وبرّ الوالدين وأمثالها، وفي ترك الذّنوب مثل الكذب والظّلم والغيبة وشرب الخمر والزّنا. أمّا رضا الإمام الحسين عليه السلام فلا شأن له بمثل هذه الأمور، بل إنّ الذي يرضيه عليه السلام البكاء أو التّباكي على مصاب ولده الشّاب علي الأكبر عليه السلام، وفي ذلك فصل بين رضا الله ورضا الإمام الحسين عليه السلام، والنتيجة التي يؤدّي إليها هذا الفصل هي أنّ الحصول على رضا الإمام الحسين عليه السلام أمرٌ يسير، إذ يكفي فيه البكاء ولطم الصّدور، فإذا تمّ الحصول على رضاه عليه السلام استثمر هو نفوده ووجاهته عند الله، وشفع لنا وأصلح أمرنا وتدارك تقصيرنا في عدم إقامة الفرائض من الصّلاة والصّوم والحجّ والجهاد والإنفاق في سبيل الله، ومحا من صحائفنا كلّ الذّنوب بنفخةٍ واحدةٍ! ومثل هذا الفهم للشّفاعة ليس منحرفًا وباطلًا وحسب، بل هو أيضًا شرك في الرّبوبيّة وإهانة للإمام الحسين عليه السلام الذي يكمن عزّه الأكبر وفخره الأعظم في عبوديّته الخالصة لله سبحانه.

إنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يقدّم نفسه على مذبح الشهادة في سبيل الله من أجل أن يبني لنفسه كيانًا في مقابل الله ، أو لكي يدلّ على طريق التملّص من العمل بشريعة جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إنّ الهدف من استشهاده عليه السلام لم يكن أبدًا لأجل إضعاف مناهج الإسلام وقوانين القرآن، بل على العكس، فقد تقدّم عليه السلام إلى ميادين الشّهادة وأعرض عن الحياة وضحّى بنفسه من أجل إقامة الصّلاة والزّكاة وباقي القوانين الإسلاميّة، يقول عليه السلام مبيّنًا هدف ثورته: "وإنّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"8. كما أنّنا نخاطبه عليه السلام في زيارته: "أشهد أنّك قد أقمت الصّلاة وآتيت الزّكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، واتبعت الرسول، ونصحت للأمة، وتلوت الكتاب حقّ تلاوته، وجاهدت في الله حقّ جهاده"9.

الشّفاعة الصّحيحة حافظة للقانون
فالشّفاعة الصحيحة هي التي تعزّز القانون وتحفظ النّظام، وهي التي تقرّها كثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشّريفة المرويّة من طرق الفريقين، وهي على نوعين10:

1- شفاعة القيادة أو العمل
إنّ الأعمال التي يقوم بها الإنسان في الدّنيا تتجسّم في الآخرة، وتظهر بحقيقتها العينيّة. ونضيف هنا أنّ هذا التجسّم والتمثّل لا ينحصر بالأعمال، وإنّما يشمل "العلاقات" أيضًا، بمعنى أنّ العلاقات المعنويّة التي تربط بين النّاس في الدّنيا تظهر في الآخرة بصورها العينيّة الملكوتيّة، فعندما يصير إنسان سببًا لهداية إنسان آخر في الدّنيا، تظهر علاقة الهداية والاتّباع هذه بصورتها العينيّة يوم القيامة، فيظهر الهادي بصورة إمام، والمهديّ بصورة مأموم وتابع. وكذلك الحال مع الإضلال والغواية، يقول تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ11.

وهذا يعني حشر كلّ شخص مع مقتداه العمليّ الذي كان يتبعه في الدّنيا، ويقول عزّ وجلّ عن تجسّم إمامة فرعون لقومه يوم القيامة: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ12، وقد كان فرعون إمامًا ضالًّا مضلّاً للذين اتّبعوه في الحياة الدّنيا، وهذه العلاقة تتجسّم بصورتها الملكوتيّة يوم القيامة، أي إنّ فرعون هو شفيعٌ ووساطة لقومه في الدّنيا وفي الآخرة، فهو شفيع يوقعهم في الذّنوب والضّلالات في الدّنيا، ويكون وسيلة إدخالهم إلى النّار في الآخرة، أي إنّ شفاعته التي تسوق قومه إلى جهنّم في عالم الآخرة هي تجسّم وتمثّل لدوره الإضلاليّ لهم في الدّنيا.

وفي نسبة القرآن الكريم إدخال قوم فرعون النّار إلى فرعون نفسه ﴿فَأَوْرَدَهُمُ، إشارة لطيفة إلى تجسّم دوره في إضلالهم، فيكون المعنى هو: أنّ فرعون يورد قومه نار جهنّم مثلما أوردهم مستنقع الضّلالات في الدّنيا، بل إنّ إدخالهم النّار من قبل فرعون هو الظّهور والتّجسيم العينيّ لإدخاله لهم بحر الضّلالات في الدّنيا.

ولا يخفى أنّ التّقسيمات والمراتب المألوفة للقيادة - الهادية أو المضلّة - المألوفة في هذه الدّنيا تبقى على حالها في صورها الملكوتيّة في عالم الآخرة، فمثلًا سيتبع رسول الله P جميع الذين اهتدوا بنوره وحظوا بالعمل بشريعته، فهو حامل لواء الصّالحين، وسيحمل يوم القيامة "لواء الحمد".

وبهذا المعنى للشّفاعة يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شفيعًا لأمير المؤمنين والصّديقة الزّهراء عليها السلام، ويكونان شفيعين للحسنين عليه السلام، ويكون كلّ إمام شفيعًا للإمام اللاحق وأصحابه وتلامذته وشيعته. فسلسلة المراتب محفوظة، ومن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحصل باقي المعصومين عليهم السلام على كلّ ما عندهم. وعلى هذا الأساس يكون العلماء أيضًا شفعاء للذين علّموهم وهدوهم، فتظهر سلسلة مترابطة كثيرة الأطراف تتّصل فيها المجاميع الصّغيرة بالمجاميع الأكبر، ويقف على رأس هذه السّلسلة المباركة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إمامًا للجميع13.

ورُوي عن الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إنّ القرآن شافعٌ مشفّع وماحلٌ مصدّق"14، وهذا تعبيرٌ دقيق للغاية يشير إلى حقيقة أنّه القرآن الكريم شفيعٌ للمؤمنين والصّالحين يقودهم إلى جنّة السّعادة، كما أنّه خصمٌ ماحلٌ للكافرين والمجرمين يسوقهم إلى الجحيم، فهو وسيلة توصل أولئك إلى خير الجنان ويسوق هؤلاء إلى النّار. من هنا يتّضح أنّ هذا النّوع من الشّفاعة جديرٌ بأن ّنسمّيه شفاعة القيادة والإمامة، كما يمكن إطلاق اسم "شفاعة العمل" عليه، لأنّ العامل الأساسيّ الذي يوجب الّنجاة والسّعادة أو البؤس هو العمل الصّالح أو المسيء15.

2- شفاعة المغفرة16
النّوع الثّاني من الشّفاعة هو التوسّط بهدف غفران الذّنوب والعفو عنها، وهو الذي أثيرت ضدّه الشبهات وهجمات المنتقدين والمنكرين، ولكن سيتبيّن عدم صحّة جميع هذه الشبهات والإشكالات المثارة ضدّه، بل وكونه يستند إلى معارف سامية دقيقة تكشف عمق التّعاليم والمعارف الإسلاميّة.

سابقيّة الرّحمة17
ينبغي أوّلًا أن نلتفت إلى حقيقة أنّ سعادة الإنسان ليست مرهونة بأعماله فقط، بل ثمّة عامل آخر في عالم الوجود هو عامل سابقيّة الرّحمة الإلهيّة، جاء في النّصوص الدّينيّة: "يا من سبقت رحمته غضبه"... ممّا لا شكّ فيه أنّ الأصالة في نظام عالم الوجود هي للرّحمة والسّعادة والفلاح، أمّا أنواع الكفر والفسوق والشّرور فهي أمورٌ عارضة غير أصيلة، ودائمًا ما يزال الأمر العارض بفعل جاذبيّة الرّحمة. ووجود الإمدادات الغيبيّة والتأييدات الرّحمانيّة من الشواهد الواضحة الدالّة على أنّ الرّحمة غالبة للغضب، كما أنّ المغفرة الإلهيّة وإزالة عوارض الذّنب شاهد آخر على تقدّم الرأفة والرّحمة على الغضب والسّخط.

قانون التّطهير18
التّطهير هو أحد مظاهر الرّحمة الإلهيّة وتجلّياتها في نظام عالم الوجود... غفران الذّنوب ومحو عوارض تبعاتها السيّئة عبارة عن تطهير القلوب والأرواح. ولكن بعض القلوب تفقد الأهليّة للتطهّر بدرجة يستحيل تطهيرها بأيّ وسيلة، وكأنّها تحوّلت إلى "نجاسة" بحدّ ذاتها. وإذا استحوذ الكفر بالله والشّرك به على القلب سلبه قابليّة التّطهير، وهذه الحالة هي التي يعبّر عنها بقوله: ﴿خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ19 و ﴿وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ20.

شموليّة الرّحمة أصل عام21
ليست المغفرة ظاهرة استثنائيّة، بل هي ثمرة لأصلٍ عام شموليّ في عالم الوجود هو قانون غلبة الرّحمة، من هنا يتّضح أنّ المغفرة الإلهيّة عامّة تشمل جميع الموجودات في حدود أهليّة وقابليّة كلّ منها لتلقّي رحمه المغفرة، وهذا قانون عام مؤثّر في فوز جميع المفلحين بالسّعادة والنّجاة من العذاب، ولهذا يقول عزّ وجلّ: ﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ22، أي إنّ العذاب لم يكن ليرفع عن أحد لولا الرّحمة.

وبملاحظة عموميّة قانون المغفرة وشموليّته يتّضح سرّ استغفار الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وباقي الأنبياء والأئمّة المعصومين عليهم السلام وباقي الأنبياء والأئمّة المعصومين عليهم السلام، بل يمكن القول إنّه كلّما كان الإنسان أقرب إلى الله كان أكثر استفادة من هذا القانون، وبصورة عامّة يمكن القول: إنّ الأكثر قربًا من الله هو الأكثر تنوّرًا بأسمائه الحسنى وصفات كماله جلّ وعلا، يقول الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّه ليُغان على قلبي، وإنّي لأستغفر الله كلّ يوم سبعين مرّة".

علاقة المغفرة بالشّفاعة23
وهنا يُثار السّؤال الآتي: ما هي علاقة المغفرة الإلهيّة بالشّفاعة؟
من غير الممكن نزول أيّ من الرّحمات الإلهيّة إلّا من خلال أنظمة خاصّة بها، ولذلك وجب أن تصل المغفرة الإلهيّة للمذنبين عن طريق نفوس الكاملين والأرواح القويّة للأنبياء والأئمّة، وهذا من مقتضيات وجود النّظام في عالم الوجود، ولذلك لا تنزل رحمة الوحي بغير واسطة، ولا يبعث جميع البشر بالنبوّة من قبل الله، وهكذا الحال مع نزول جميع الرّحمات الإلهيّة ومنها المغفرة، فلا يمكن أن تتحقّق بغير واسطة. وبناءً على ذلك، نحن مضطرّون للإقرار بلزوم الشّفاعة، حتّى إذا لم تتوفّر لدينا أدلّة نقليّة، وذلك استنادًا إلى حكم العقل وبراهينه القطعيّة الثّابتة ، مثل برهان "الإمكان الأشرف"، وبرهان لزوم وجود النّظام في عالم الوجود ، فإنّ من أقرّ بوجود المغفرة الإلهيّة لا بدّ له، بحكم البراهين العقليّة القويّة، الإقرار بوجوب أن يكون نزولها عبر عقل كلّيّ أو نفسٍ كلّيّة، أي العقل والنّفس الحائزة لمقام الولاية الإلهيّة الكلّيّة، ولا يمكن وصول الفيض الإلهيّ إلى الموجودات إلّا على وفق الأنظمة والحسابات الخاصّة بذلك.

ولكنّ القرآن الكريم قد هدانا فيما يرتبط بهذا المجال ولله الحمد، ولو ضممنا إلى ما جاء فيه الأحاديث الشّريفة، والرّوايات السّامية والمعتبرة المرويّة ومراتب الولاية اللاحقة في طبقات المؤمنين التّالية، يمكننا أن نستنبط أنّ قنوات نزول المغفرة الإلهيّة لا تنحصر بالأرواح الكلّيّة، بل إنّ للنّفوس الإنسانيّة الكلّيّة والجزئيّة أيضًا، وكلّ حسب مرتبته، نصيبًا في هذه الوساطة والشّفاعة، وتُعدّ هذه الحقيقة من أهمّ المعارف الإسلاميّة والقرآنيّة، ولم يتمّ توضيحها بالصّورة المطلوبة إلّا في المذهب الشّيعيّ المقدّس، ومن قبل الأئمّة الأطهار عليهم السلام وخرّيجي مدرستهم، وهذه من مفاخر مذهب الإماميّة.

شروط تحقّق الشّفاعة
إنّ الشّفاعة هي الوجه الآخر للمغفرة الإلهيّة، بمعنى أنّها تُسمّى "المغفرة الإلهيّة" عندما تُنسب إلى الله تبارك وتعالى، وهو مصدر كلّ خير وكلّ رحمة، أمّا إذا نُسبت إلى وسائط الرّحمة ومجاريها وقنواتها سُمّيت الشّفاعة. وبملاحظة اتّحاد حقيقة الشّفاعة والمغفرة يتّضح أنّ جميع شروط تحقّق المغفرة جارية على الشّفاعة أيضًا. والعقل لا يشترط لنزول المغفرة سوى تأهّل الشّخص لها بتوفّر قابليّة الّتلقيّ لها، وعلّة حرمان أيّ شخص من رحمة الله تكمن فقط في عدم استعداده لتلقّيها، فرحمة الله واسعة منزّهة عن المحدوديّة والضّيق، وهي ليست محدودة مثل الاعتبار المصرفيّ لأحد التّجّار والعياذ بالله، بل إنّ اعتبارها غير محدود، لكن قابليّات التّلقّي لها متباينة، وقد يوجد من يفتقد بالكامل لهذه القابليّة، ولذلك لا يستطيع التنعّم برحمة المغفرة الإلهيّة. والمقدار المتيقّن - استنادًا للنّصوص الدّينيّة - إنّ الكفر بالله والشرّك به يمنعان تحقّق المغفرة، يقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء24. وهذا يعني أنّ فقدان الإنسان للإيمان يقطع عنه فيض المغفرة بالكامل، فلا يمكنه عندها الاستفادة من هذا اللطف بالرّباني العظيم.

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ25.

ويُستفاد من الآيات الكريمة أنّ الإيمان شرط لازم وضروريّ للفوز بالشّفاعة والمغفرة، لكنّه لا يكفي وحده، كما لا يمكن لأحد بيان جميع الشّروط اللازمة لذلك على نحو القطع واليقين، والله وحده العالم بذلك ففي الآية التي تبشّر بمغفرة ما دون الشّرك من الذنوب تقيّد ذلك بقيد ﴿لِمَن يَشَاء كما أنّ آيات الشّفاعة تصرّح بقيد ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى26، وكلا القيدين بمعنًى واحد، وكأنّ القرآن تعمّد أن لا يبيّن بصراحة جميع الشّروط بصورة صريحة، بل أراد أن يبقي القلوب وسط الخوف الرّجاء. ومن هنا، يتّضح بطلان الشّبهة القائلة بأنّ الاعتقاد بالشّفاعة يؤدّي إلى التجرّؤ على ارتكاب المعاصي.

الشّفاعة للّه27
يكمن الفرق الجوهريّ بين الشّفاعة الحقيقيّة والشّفاعة الباطلة، في كون الأولى تبدأ من الله وتنتهي بالمذنب، أمّا المسار المفروض في الثّانية فهو على العكس من ذلك، أي إنّ المستشفع إليه - وهو الله سبحانه وتعالى - هو الذي يدفع وسيلة الشّفاعة ـ أي الشّفيع لكي يقوم بالشّفاعة في النّوع الأوّل، أمّا النّوع الثّاني أي الشّفاعة الباطلة فالمذنب هو الذي يدفع الشّفيع للقيام بها وهذا ما نلاحظ مصاديقه في الشّفاعات الدّنيويّة، لأنّ الشّفيع يكتسب صفة الوساطة بفعل طلب وتحريض المجرم منه القيام بها، أمّا في الشّفاعة يكتسب صفة الوساطة بفعل طلب وتحريض المجرم منه القيام بها، أمّا في الشّفاعة الحقّة التي تصحّ نسبتها إلى الأنبياء والأولياء والمقرّبين من الله سبحانه، فإنّ الله تبارك وتعالى هو الذي يضفي على الشّفيع صفة الوساطة، أي إنّه هو سبحانه الذي يجعل الشّفيع شفيعًا.

والآيات الكريمة التي تصرّح بنفي الشّفاعة ما لم تكن بإذن الله إنّما تشير إلى هذه الحقيقة، كما هو واضح في التعبير الدقيق الذي اشتمل عليه قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعً28... ومهما يكن الحال، ففي الشّفاعة الأخرويّة لا يمكن للمذنب أن يؤثّر على الشفيع لكي يتشفّع له إلّا بإذن الله، كما لا يمكن للشّفيع أن يستشفع له إلّا بإذن الله، والدّليل العقليّ على ذلك هو أنّ الثّابت في الفلسفة الإلهيّة أنّ "واجب الوجود بالذّات واجب من جميع الحيثيّات"، أي إنّه منزّه عن أن يكون معلولًا لعلّة في أصل وجوده، وكذلك في صفاته وأفعاله، فلا يمكن أن يتأثّر بأيّ علّةٍ، لأنّه هو سبحانه المؤثّر المحض فلا ينفعل ولا يتأثّر بأي شيء.


1- العدل الإلهي، ص 345 - 346.
2- (م. ن)، ص 346- 348.
3- سورة البقرة، الآية 48.
4- سورة النجم، الآية 39.
5- سورة الفتح، الآية 23.
6- العدل الإلهي، ص 350 – 351.
7- العدل الإلهي، ص 351 – 355.
8- بحار الأنوار، ج44، ص329.
9- الكافي، ج4، ص574.
10- العدل الإلهي، ص355.
11- سورة الإسراء، الآية 71.
12- سورة هود، الآية 98.
13- العدل الإلهي، ص 356- 357.
14- المجازات النبوية، ص307.
15- العدل الإلهي، ص 361.
16- (م. ن)، ص 362.
17- (م. ن)، ص 362 – 363.
18- (م.ن)، ص 363 – 364.
19- سورة البقرة، الآية 7.
20- سورة التوبة، الآية 87.
21- العدل الإلهي، ص 366- 367.
22- سورة الأنعام، الآية 16.
23- العدل الإلهي، ص 369- 371.
24- سورة النساء، الآية 116.
25- سورة غافر، الآية 7.
26- سورة الأنبياء، الآية 28.
27- العدل الإلهي، ص 371- 374.
28- سورة الزمر، الآية 44.

09-08-2016 عدد القراءات 1484



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا