17 كانون الثاني 2021 م الموافق لـ 03 جمادى الثانية 1442 هـ
En FR

الفكر الأصيل :: فكر الشهيد مطهري

العدل الإلهيّ وعمل الخير من غير المسلم



تمهيد1
من القضايا التي يجري النّقاش بشأنها ضمن مباحث العدل الإلهيّ، هي قضية حكم الأعمال الخيّرة التي يقوم بها غير المسلمين، فيُثار بشأنها اليوم بين مختلف الفئات من المثّقفين وغيرهم السّؤال الآتي: هل هذه الأعمال مقبولة أم لا؟ فإن كانت مقبولة عند الله فما هو الفرق بين المسلم وغيره، إذا كان المهم هو أن يقوم الإنسان بأعمال الخير في هذه الدّنيا دون أن ينقص من عمله أن لا يكون مسلمًا، بل وغير ملتزم بأيّ دين؟ وإذا لم يكن عمل غير المسلم مقبولًا، بل محكومًا بالبطلان بالكامل ولا أجر له ولا ثواب عند الله عليه، فكيف ينسجم هذا الحكم مع العدل الإلهيّ؟

ويمكن إثارة هذه الأسئلة ذاتها فيما يرتبط بالمذهب الشّيعيّ داخل الدّائرة الإسلاميّة، وذلك على النّحو الآتي: هل إنّ عمل المسلم غير الشّيعيّ مقبولٌ عند الله أم إنّه عملٌ باطل؟ إذا كان مقبولًا، فما الفرق بين المسلم الشّيعيّ والمسلم غير الشّيعيّ إذا كان المهم أن يكون الإنسان مسلمًا دون أن ينقص من عمله أن لا يكون شيعيًّا مواليًا لأهل البيت عليهم السلام؟ وإذا لم يكن عمله مقبولأ، فكيف ينسجم ذلك مع العدل الإلهيّ؟

اتّجاهان متنافران يصدران أحكامًا متضادّة2
عادةً ما يجيب أدعياء الثّقافة والتنوّر والانفتاح الفكريّ وبضرسٍ قاطع عن الأسئلة المتقدّمة بالقول: لا فرق بين المسلم وغيره، بل وبين الموحّد وغيره، فكلّ من يقوم بخدمة معيّنة عن طريق إنشاء مؤسّسة خيريّة أو القيام بأحد الكشوف والاختراعات العلميّة أو غير ذلك، فهو مستحقّ للثّواب من الله.

وهؤلاء يستدلّون على ذلك بالقول: إنّ الله عادل، والرّبّ العادل لا يميّز بين عباده، فما الفرق بالنّسبة إليه بين أن يكون العبد يعرفه أو لا يعرفه، ويؤمن به أو لا يؤمن به؟ حاشا لله أن يتجاهل عمل الخير الصّادر من عبده ويحرمه أجره، لأنّه لا يعرفه ولا يحبّه، وحاشا للّه، من باب أولى، أن يبطل عمل الخير من عبده الذي عرفه وأحبّه، ولكنّه لم يعرف أنبياءه وأولياءه، ولم يوالهم.

وعلى الجانب المقابل، يقف آخرون يرون جميع النّاس تقريبًا مستحقّين للعذاب، ولا يعتقدون بقبول الله لأعمال النّاس سوى عددٍ قليل منهم يرون أنّ العاقبة الحسنى مختصّة بهم، وهم يستدلّون على قولهم بعمليّة حسابيّة ساذجة، فهم يقولون:

إنّ النّاس منقسمون إلى مسلمين وغير مسلمين يشكّلون ثلاثة أرباع سكّان العالم تقريبًا، وهم من أهل النّار، لأنّهم غير مسلمين! والمسلمون أيضًا هم من الشّيعة وغير الشّيعة، وغير الشّيعة يشكّلون ثلاثة أرباع المسلمين تقريبًا وهم من أهل النّار، لأنّهم ليسوا شيعة! وأكثر الشّيعة - بحدود ثلاثة أرباعهم - هم شيعة بالاسم فتبقى أقليّة قليلة منهم يعرفون أنّ واجبهم الأوّل تقليد المجتهد، والأكثريّة من الشّيعة لا يعرفون هذا الواجب الأوّل فضلًا عن باقي الواجبات التي لا تصّح ولا تتّم إلّا بمعرفة هذا الواجب الأوّل! والمقلّدون أيضًا على الأغلب لا يلتزمون بالواجبات العمليّة، ولذلك فإنّ المفلحين ثلّة قليلة جدًّأ.

هذه أقوال الطّرفين، ويتّضح منها أنّ الأوّل يبشّر النّاس بالأمن المطلق تقريبًا، والثّاني ينذر بالغضب المطلق تقريبًا، وكأنّ غضب الله تعالى سابق لرحمته!

أدلّة أدعياء الانفتاح الفكريّ3
يستند هذا الفريق على قوله بنوعين من الأدلّة: عقليّة ونقليّة:

1- الدّليل العقليّ
وهو البرهان المنطقيّ القائل: بأنّ لكلّ عمل صالح أجرًا أيّاً كان العامل، وهذا الدّليل يستند إلى مقدّمتين:

أ- إنّ نسبة جميع الموجودات إلى الله واحدة متساوية، ونسبته سبحانه إلى الأزمنة والأمكنة متساوية أيضًا، فهو في الشّرق مثلما هو في الغرب، وهو في السّماء العلى مثلما هو في الأرض السّفلى وهو في الماضي والمستقبل مثلما هو في الزّمن الحاضر، فالماضي والحاضر والمستقبل كلّها سواءٌ بالنسّبة إليه، كذلك الحال مع الشّرق والغرب والسّماء والأرض، والحكم نفسه يصدق على نسبته تجاه عباده ومخلوقاته، فلا توجد علاقة خاصّة تربطه بأيّ منهم، ولذلك فنظرته إليهم - باللطف أو السّخط - متساوية لا تمييز فيها إلا أن يكون منشأ التمييز ذاتيًّا في العباد أنفسهم.

من هنا، لا يكون أيّ من العباد عزيزًا عند الله دون مسوّغ، كما لا يكون أيّ منهم ذليلًا مطرودًا من حضرته دون مسوّغ، فلا تربطه عزّ وجلّ مع أحد منهم رابطة قرابة أو وطن، ولذلك لا يوجد عنده شخصٌ له حظوة وعزّة يما هو مخلوق له سبحانه، وبناءً على ذلك فلا يوجد مسوّغ لقبوله سبحانه العمل الصّالح من أحد العباد وعدم قبوله من آخر، فإذا كانت الأعمال متماثلة فجزاؤها جميعًا متماثل أيضًا، لأنّ الثّابت أن نسبته تعالى تجاه العباد كافّة مستاوية، والعدالة توجب المساواة بينهم في جزاء من يعمل منهم صالحًا، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم.

ب- أمّا المقدّمة الثاّنية فهي: أنّ صلاح الأعمال وفسادها ليسا من الأمور الاعتباريّة، بل هما أمران حقيقيّان، أي - وحسب اصطلاح علماء الكلام وعلماء أصول الفقه - إنّ الحسن والقبح ذاتيّان في الأفعال، وهذا يعني أيّ الأعمال الحسنة والصّالحة متمايزة بذاتها عن الأعمال القبيحة، فاعلم الحسن حسنٌ بذاته، وكذلك حال العمل السيّئ، أي إنّ الصّدق والاستقامة والإحسان وخدمة الخلق ونظائرها هي بذاتها أعمال صالحة، في حين أنّ الكذب والسّرقة ونظائرها أعمال سيّئة بذاتها. والصّدق لم يكن عملًا صالحًا لأنّ الله أمر به، كما أنّ الكذب لم يكن عملًا سيّئًا، لأنّ الله نهى عنه، بل العكس هو الصّحيح، أي إنّ الله أمر بالصّدق، لأنّه بذاته عمل صالح، كما أنّه عن الكذب لأنّه بذاته عملٌ قبيح، أي وبعبارةٍ موجزة، إنّ الأوامر والنّواهي الإلهيّة تابعة للحسن والقبح الذاتيّين في الأفعال، وليس العكس.

والنّتيجة المستفادة من هاتين المقدّمتين هي: أنّ كل من يعمل عملًا صالحًا يحصل - على نحو الحتم والضّرورة - على أجره من الله سبحانه، لأنّ الله لا يميز بعض عباده على بعضهم الآخر، ولأنّ العمل الصّالح صالحٌ بذاته، ولذلك فهو صالحٌ من أيّ شخصٍ صدر، كما لا يوجد أيّ فرق بين المذنبين في ارتكابهم للأعمال السيّئة، وذلك للاستدلال نفسه.

2- الدليل النّقلي
يؤيّد القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته المضمون السّابق للدّليل العقليّ، وهو أنّه لا ترجيح بين أبناء البشر في جزاء الخير بالخير، وجزاء الشرّ بالشرّ. فاليهود مثلًا، باعتبار كونهم داعين إلى التّرجيح فقد قاومهم القرآن وحرّض عليهم، وهم يقولون - ولا يزالون - إنّ الدّماء الإسرائيليّة محبوبة لدى الله، ونحن أبناء الله وأحبّاؤه، فلو فرضنا أنّ الله يدخلنا النّار فإنّ تلك المدّة لن تطول حتّى يعفو عنّا ويخرجنا منها. أمّا القرآن فهو يُعدّ هذه أماني وخيالات باطلة ويحاربها بكلّ ما أوتي من قوّة. وقد خطّأ القرآن الكريم بعض المسلمين الذين وقعوا في حبائل مثل هذا الغرور4.

وقد ذهب بعض أدعياء الثّقافة إلى أبعد من القول المتقدّم، فقالوا: إنّ هدف الأنبياء دعوة النّاس للعدالة والعمل الصّالح، لذلك يمكن القول ، واستنادًا إلى مبدأ "خذ الغايات واترك المبادئ"، إنّ العدالة والأعمال الصّالحة مقبولة حتّى من الكافرين بالله والمعاد، أي إنّ الأجر العظيم والثّواب الجزيل ينتظر حتّى المنكرين لوجود الله ويوم القيامة إذا قدّموا خدمات كبرى للبشريّة في المجالات الثّقافيّة والصحّيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة والاجتماعيّة5!

أدلّة المتشدّدين
في مقابل المثقّفين المفرطين في التّسامح الذين يزعمون أنّ الله يقبل عمل الخير من كلّ شخص مهما كان، يقف المتشدّدون من ذوي التّقدّس القشريّ، وهم يتّخذون موقفًا مضادًّا بالكامل لموقف الفريق الأوّل، فيقولون: من المحال أن يقبل الله عمل غير المسلم، ولا قيمة لأعمال الكافرين بل والمسلمين من غير الشّيعة، فهم مدحورون مذمومون، ولذلك فعملهم أولى بالرّدّ. ويستدلّ هؤلاء أيضًا على قولهم بنوعين من الأدلّة: الدّليل العقليّ والأدلّة النّقليّة.

1- الدليل العقليّ
ويقولون فيه: ما الفرق بين المسلم والكافر والشيعيّ وغير الشّيعيّ إذا قلنا بأنّ أعمالهم جميعًا مقبولة عند الله تبارك وتعالى؟ إنّ الفرق بينهم يجب أن يكون إمّا في قبول الأعمال الصّالحة من المسلم أو الشّيعيّ وعدم قبولها من الكافر أو غير الشّيعيّ، وإمّا في عدم تعريض المسلم أو الشّيعيّ للعذاب على ارتكابهم للذّنوب والأعمال السيّئة ومعاقبة غيرهما على ذلك.

أمّا إذا قلنا بأنّ لهم جميعًا ثوابًا على صالح الأعمال وعقاباً على سيّئاتها، فما فائدة الإسلام والتشيّع حينئذٍ؟ إنّ المساواة بين المسلم والكافر والشّيعيّ وغير الشّيعيّ في محاسبتهم على أعمالهم لا تعني سوى كون الإسلام والتشيّع أمرين غير ضروريّين، ولا جدوى منهما.

2- الدليل النقلي
إضافة للاستدلال العقليّ المتقدّم يستدلّ أصحاب هذا القول بآيتين من القرآن الكريم ومجموعة من الأحاديث الشّريفة، فقد صرّحت بعض الآيات بعدم قبول عمل الكافر، كما صرّحت كثير من الأحاديث الشّريفة بعدم قبول أعمال غير الشّيعة أي الذين لا يوالون أهل البيت عليهم السلام: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ8.7

هذه هي أدلّة القائلين بأنّ الإيمان هو أساس السّعادة، وقد بلغ الإفراط ببعضهم إلى حدّ القبول بمجرّد ادّعاء الإيمان والانتماء الشّكلي لأهله كما كان عليه المرجئة الذين كانوا يروّجون لذلك على عهد حكم بني أميّة، وقد انقرضوا ولله الحمد بزوال الحكم الأمويّ، وقد كان الفكر الشّيعيّ المستلهم من أئمّة أهل البيت عليهم السلام يمثّل الطّرف المقابل لعقيدة المرجئة في العصر الأمويّ، ولكن، وممّا يؤسف له، أنّ أفكار المرجئة قد تسلّلت في العصور الأخيرة إلى أوساط عوام الشّيعة مستترةً بلباس آخر، فاعتبرت طائفة من عوام الشّيعة أنّ مجرّد الانتماء الشّكلي لشيعة أمير المؤمنين يكفي للنّجاة، وهذه العقيدة هي العامل الأساس لتأخّر الشّيعة في العصور المتأخّرة والتي شهدت ظهور اتّجاه آخر في التّقليل من قيمة العمل تمثّل في مسلك الدّراويش والمتصوّفة الذين زعموا أنّ المطلوب ليس العمل، بل صفاء القلب في حين أنّ صفاء القلب الحقيقيّ باعث للعمل الصّالح وليس مثبّطًا عنه.

وقد ظهر - في مقابل هذه الاتّجاهات - اتّجاه بالغ في الاهتمام بقيمة العمل إلى درجة حكم معها بكفر مرتكب كبائر الذّنوب، وهذه هي عقيدة الخوارج، في حين اعتبرت طائفة من أهل الكلام أنّ مرتكب الكبائر ليس مؤمنًا ولا كافرًا، بل إنّ منزلته هي "منزلة بين المنزلتين". من هنا ينبغي أن نبحث عن الصّحيح من هذه الأقوالن وهل أنّ الأصالة هي للعمل أم للإيمان؟ أم يوجد خيار آخر غير هذين الخيارين؟9.

المنطق القرآنيّ10
ولكن ثمّة اتّجاه آخر يمثّله القرآن الكريم الذي يبيّن لنا منهجًا مغايرًا للمنهجين السّابقين يمكن القول بأنّه منهج خاصّ به، لا ينسجم مع إفراط أدعياء الثّقافة والانفتاح الفكريّ ورؤيتهم الجوفاء، ولا مع تفريط المتحجّرين بقشور التقدّس في نظرتهم الضيّقة.

إنّ الرؤيّة القرآنيّة في هذا المجال تقوم على أساس منطق يقرّ كلّ من عرفه بصحّة هذه الرّؤية القويمة، بل وبكونها وحدها الرؤية السّليمة في هذا المجال، وهذا الأمر يضاعف من إيماننا بإعجاز هذا الكتاب العظيم لأنّه يثبت أنّ معارفه السّامية نابعة من السّماء ومطهّرة من الأفكار البشريّة الأرضيّة.

وللاقتراب من هذه الرؤية العميقة - وبصورةٍ تدريجيّة - نعرض أوّلًا لأدلّة الفريقين المتخاصمين - أي أدعياء الثّقافة والمتحجّرين بقشور التقدّس - مع مناقشة كلّ منها.

المنهج القرآني11
(نقول) بشأن الأعمال الصّالحة والسيّئة الصّادرة عن المسلمين وغيرهم، الحقائق الآتية:

1- للسّعادة، كما للشّقاء، درجات ومراتب، فليس جميع السّعداء مرتبة واحدة، كما أنّ الأشقياء أيضًا ليسوا في درجة واحدة، وقد ورد التّعبير عن هذه الحقيقة بدرجات الجنان، ودركات الجحيم.

2- لا يدخل الجنّة جميع أهل الجنّة منذ البداية، كما لا يخلد جميع أهل النّار فيها، فكثير من أهل الجنّة لا يدخلونها إلا بعد تحمّل أحقاب طويلة من الشّدائد والعذاب في عالم البرزخ أو في الآخرة أيضًا، ولذلك يجب على المسلم أو الشّيعيّ أن يعلم أنّ أمامه - حتّى لو خرج من الدّنيا وهو مؤمن - منازل سيقاسي فيها عذابًا شديدًا إذا ارتكب في الدّنيا، لا سمح الله، معاصي الفسوق والفجور والظّلم وغيرهان وبعضها شديدة العواقب، وقد توجب الخلود في النّار.

3- أمّا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، والذين لا يقومون بالتالي بأيّ عمل بهدف التقرّب منه سبحانه وتعالى، فمن الطّبيعيّ أن لا يكون سيرهم وسلوكهم إلى الله وجواره في عالم الآخرة، وبالتالي فلن يصعدوا إلى ملكوت الله عزّ وجلّ ولن يدخلوا الجنّة، لأنّهم لم يتحرّكوا نحوها.

4- والذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويقومون بالأعمال الصّالحة قربةً إليه عزّ وجل وبنيّة خالصة، يتقبّل الله أعمالهم ويستحقّون ثوابه ودخول الجنّة، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين12.

5- لكن غير المسلمين من المؤمنين بالله واليوم الآخر والمخلصين في نيّة التقرّب منه تبارك وتعالى، محرومون من آثار وبركات العمل بالمناهج العمليّة الإلهيّة التي يشتمل عليه الإسلام، وذلك بحكم عدم فوزهم بنعمة معرفة هذا الدّين الحقّ، ولذلك فإنّ ما يتقبّله الله منهم هو أعمال الخير التي أقرّتها ودعت إليها شريعة الإسلام، مثل الإحسان للخلق وخدمتهم، أمّا العبادات المبتدعة التي لا أصل لها فلن تُقبل منهم طبعًا، كما أنّ مجموعة من أشكال الحرمان تشملهم بسبب عدم معرفتهم بالشّريعة الإلهيّة الكاملة.

6- توجد مجموعة من الآفات المفسدة لأعمال الخير الصّادرة من المسلمين أو من غيرهم، وقد تطرأ هذه الآفات على الأعمال الصّالحة بعد قبولها فتحبطها وتفسدها، وأهمّ هذه الآفات: الجحود والكفر عن عناد وعمد، ولذلك إذا قام أفراد من غير المسلمين بأعمالٍ خيريّة كثيرة وبنيّة التقرّب من الله تبارك وتعالى، ولكنّهم جحدوا حقائق الإسلام - عنادًا وتعصّبًا - بعد أن عرضت عليهم وعرفوا أنّها حقّ لا ريب فيه، فإنّ هذا الحجود سيفسد أعمالهم السّابقة ويجعلها ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ13.

7- إذا ارتكب المسلمون باقي الموحّدين الفسق والفجور وخانوا بذلك الدّين الإلهيّ، فهم مستحقّون لأنواع من العذاب الإلهيّ الطّويل في عالم البرزخ وفي القيامة، بل سيخلّدون في العذاب بسبب بعض الذّنوب، مثل قتل المؤمن البريء ظلمًا وعمدًا.

8- أعمال الخير الصّادرة من الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وكذلك من المشركين، تشكّل سببًا لتخفيف العذاب عنهم في بعض الأحيان.

9- السّعادة والشّقاء يخضعان للأحكام والقوانين والأوضاع الحقيقيّة والتّكوينيّة لا للأوضاع والقوانين الاعتباريّة.

10- الآيات الكريمة والأحاديث الشّريفة التي تصرّح بأنّ الله سبحانه يتقبّل العمل الصّالح، لا تقصد العمل الذي يتوفّر فيه عامل "الحسن الفعليّ" فقط، بل إنّ الإسلام يعتبر العمل صالحًا إذا توفّر فيه "الحسن الفعليّ" و"الحسن الفاعليّ" أيضًا.

11- الآيات الكريمة والأحاديث الشّريفة التي تصرّح بعدم قبول أعمال منكري النبوّة المحمدّية والإمامة المعصومة، إنمّا تقصد مصاديق الإنكار النّاتجة من العناد والجحود والتعصّب، أمّا إذا كان الإنكار مجرّد عدم معرفة وكان ناتجًا من القصور لا من التّقصير، فهو خارج عن الحكم الذي تذكره هذه الآيات والأحاديث الشّريفة، وأصحاب هذا النّوع من الإنكار يصفهم القرآن الكريم بأنّهم مستضعفون ومرجون لأمر الله.

12- يعتقد فلاسفة الإسلام - أمثال ابن سينا وصدر المتألّهين - أنّ أغلب الذين لا يعرفون بالحقّ والحقيقة هم قاصرون وليسوا مقصّرين، فلن ينالوا العذاب إذا لم يعرفوا الله وإن لم يدخلوا الجنّة، أمّا الذين يعرفون الله ويؤمنون بالمعاد ويعملون الصّالحات قربةً إلى الله فيسحصلون على الثّواب الإلهيّ، في حين أنّ الشّقاء والعذاب هو مصير المقصّرين فقط لا القاصرين.


1- العدل الإلهي، ص 381.
2- (م.ن)، ص 394- 395.
3- العدل الإلهي، ص 395 – 398.
4- العدل الإلهي، ص 98 – 99.
5- (م.ن)، ص 401.
6- سورة إبراهيم، الآية 18.
7- سورة النور، الآية 39.
8- العدل الإلهي، ص 402 – 403.
9- العدل الإلهي، ص 405 – 406.
10- (م. ن)، ص395.
11- العدل الإلهي، ص 482- 485.
12- تجدر الإشارة إلى أنه يوجد قول آخر يعتقد أن الإيمان والولاية شرط في قبول الأعمال واستحقاق الثواب، بل بعض الفقهاء يرى أن الإيمان شرط في صحة العمل أيضاً.
13- سورة إبراهيم، الآية 18.

16-08-2016 عدد القراءات 2785



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا